مايو 16, 2026
شخصيات

أنطونيو غوتيريش: رجل يقود أمماً متحدة في عالم مفتت

bayanelm 7 1 دقيقة 0
أنطونيو غوتيريش: رجل يقود أمماً متحدة في عالم مفتت

أنطونيو غوتيريش: رجل يقود أمماً متحدة في عالم مفتت

في قلب العاصفة

في الطابق الثامن والثلاثين من مبنى الأمم المتحدة في نيويورك، يجلس رجل يحمل على عاتقه واحدة من أثقل المهام في التاريخ المعاصر: أن يُبقي العالم متحداً في زمن التشرذم، وأن يُسمِع صوت الضمير الإنساني في خضم الضجيج السياسي، وأن يُقنع الأقوياء بالاستماع حين لا يريدون سماع أحد. أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، ليس مجرد دبلوماسي من بين آلاف الدبلوماسيين؛ إنه ابن البرتغال الهادئة الذي وجد نفسه في مواجهة أعتى أزمات القرن الحادي والعشرين، من جائحة كوفيد-19 إلى الحرب في أوكرانيا، ومن أزمة المناخ إلى الصراع في غزة، ومن موجات النزوح الكبرى إلى تصدع النظام الدولي متعدد الأطراف الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية.

هذه المقالة ليست مجرد سيرة ذاتية لرجل، بل هي محاولة لفهم ظاهرة أعمق: كيف يمكن لمنظمة دولية أن تظل ذات معنى في عالم يتراجع فيه الإجماع الدولي، وتتصاعد فيه النزعات القومية، وتتضاءل فيه الثقة بالمؤسسات المتعددة الأطراف؟ وهل يملك غوتيريش — بكل ما يحمله من خبرة وشجاعة ومرونة — ما يكفي لمواجهة هذه التحديات؟


الجذور: من لشبونة إلى العالم

وُلد أنطونيو مانويل دي أوليفيرا غوتيريش في لشبونة في الثلاثين من أبريل عام 1949، في زمن كانت فيه البرتغال تئن تحت وطأة الديكتاتورية الساليزارية. كان الفضاء السياسي مقيداً، والحرية ترفاً، والمعارضة جريمة. غير أن هذا المناخ القمعي لم يُخمد في الشاب غوتيريش نار الفضول الفكري والانشغال بالشأن العام؛ بل ربما أذكاها.

تخرج من معهد لشبونة العالي للتقنية عام 1971 مهندساً في الفيزياء والهندسة الكهربائية، لكنه لم يجلس في مختبراته طويلاً. كان السياق التاريخي يدعوه إلى ميدان آخر. بعد ثورة القرنفل عام 1974 التي أطاحت بالنظام الشمولي وفتحت البرتغال على الديمقراطية، انخرط غوتيريش بحماس في الحياة السياسية. انضم إلى الحزب الاشتراكي، وارتقى في صفوفه بسرعة لافتة، ليصبح رئيساً للحزب ثم رئيساً للوزراء بين عامَي 1995 و2002.

في سنواته على رأس الحكومة البرتغالية، رسم غوتيريش صورة مغايرة لما يُتصوره كثيرون عن السياسيين: أراد أن يجمع بين الكفاءة التقنية والعدالة الاجتماعية، بين الانفتاح على الاقتصاد العالمي والحفاظ على شبكات الحماية للفقراء. اتسمت مرحلته الحكومية بإصلاحات في التعليم والصحة، وبمشاركة فاعلة في الشأن الأوروبي، وبحضور بارز في المحافل الدولية. وقد كانت تلك السنوات بمثابة ورشة تدريبية كبرى علّمته كيف تُدار الأزمات، وكيف تُبنى التحالفات، وكيف يُقنَع المعارض قبل الموافق.


المفوضية السامية: مدرسة الإنسانية

ربما كانت السنوات العشر التي قضاها غوتيريش مفوضاً سامياً للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (2005-2015) هي الأكثر تشكيلاً لشخصيته القيادية. في هذا المنصب، لم يكن يتعامل مع الأرقام الجامدة في التقارير، بل مع وجوه بشرية حقيقية: أطفال فقدوا أهلهم، ونساء نجون من المجازر، وشباب يحلمون ببلد يُسمَعون فيه.

خلال تلك العقد، شهد العالم موجات نزوح غير مسبوقة: الصراع في دارفور، والحروب في أفغانستان والعراق، ثم الموجة العارمة التي ولّدها الربيع العربي وما تلاه من حروب أهلية. كان على غوتيريش أن يتنقل بين مخيمات البؤس في تشاد وباكستان وتركيا، وبين أروقة الأمم المتحدة وعواصم القرار. تعلّم كيف يتحدث بلغة الأرقام حين يكلّم الممولين، وبلغة القلب حين يكلّم الناجين، وبلغة السياسة حين يكلّم الحكومات.

وفي مرحلة استُهدف فيها مفهوم اللجوء نفسه بحملات شعبوية عاتية في الغرب، ثبت غوتيريش على موقفه المبدئي مدافعاً عن حق الإنسان في طلب الأمان، حتى حين كانت كلماته تقع على آذان لا تريد أن تسمع. هذه التجربة أعطته حجة أخلاقية وسلطة معنوية نادرتين، ستصطحبانه معه حين يصعد إلى أعلى هرم الأمم المتحدة.


الصعود إلى القمة: أمين عام في زمن الشكوك

في يناير 2017، خلف أنطونيو غوتيريش البان كي مون في منصب الأمين العام للأمم المتحدة، وكان العالم يمور بتحولات عميقة: انتُخب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، وكانت بريطانيا تغادر الاتحاد الأوروبي، وكانت موجة الشعبوية القومية تكتسح الديمقراطيات الغربية. لم يكن المشهد الدولي يبشّر بربيع لمنظمة تقوم في جوهرها على مبدأ التعاون الدولي.

جاء غوتيريش حاملاً أجندة طموحة لإصلاح المنظمة من الداخل؛ أراد مؤسسة أكثر رشاقة وأقل بيروقراطية، وأجهزة إنسانية وسلام أكثر فاعلية وأقل تشعباً. وقد حقق بعض هذه الإصلاحات فعلاً، لا سيما في هيكلة الجهاز الإنساني ومنظومة السلام والأمن. لكن التحديات الخارجية كانت أضخم من أي إصلاح إداري.

منذ اليوم الأول، رفع غوتيريش صوته في مواجهة ثلاث أزمات كبرى رأى فيها أكبر التهديدات للبشرية: أزمة المناخ، وانعدام المساواة، والنزاعات المسلحة. كرّر هذه الثلاثية في خطاب تلو الآخر، ليس لأنه يُحسن الكلام فحسب، بل لأنه يؤمن — بما يشبه الإيمان الديني — أن وجود الأمم المتحدة بلا موقف من هذه القضايا هو وجود بلا معنى.


المناخ: المعركة الوجودية

لا يكاد يمر شهر دون أن يطلق غوتيريش تحذيراً حاداً من كارثة المناخ. وقد كان في ذلك أكثر جرأة من أسلافه وأكثر مباشرة من أغلب قادة العالم. لم يكتفِ بالكلام الدبلوماسي المحاط بالاحتياطات، بل تحدث بصراحة تكاد تكون استفزازية: “نحن ندمر الكوكب الذي نعيش عليه”، “هذا ليس تغيراً مناخياً، هذا انهيار مناخي”.

في مؤتمرات المناخ المتعاقبة — من باريس إلى غلاسكو إلى دبي — حاول غوتيريش أن يضغط على الدول الكبرى، ولا سيما المنتجين الرئيسيين للكربون، للتسريع في التحول إلى الطاقة النظيفة. وقف في وجه صناعة الوقود الأحفوري بوضوح، مطالباً بإنهاء دعم الحكومات لها. هذا الموقف أكسبه احتراماً واسعاً في أوساط المناخ والمجتمع المدني، لكنه أثار استياءً في بعض الدول المنتجة للنفط والغاز.

غير أن الفجوة بين ما يطالب به غوتيريش وما تفعله الدول فعلاً لا تزال شاسعة. هذه الهوّة المؤلمة بين الكلام والفعل هي ربما أكثر ما يُحبط الأمين العام، الرجل الذي يعرف أن المناخ لا يفهم لغة الدبلوماسية ولا يمنح أجلاً للمفاوضات.


كوفيد-19: اختبار الوحدة في زمن الوباء

حين اجتاح فيروس كورونا العالم مطلع عام 2020، بدا أن اللحظة مصممة لتُثبت ضرورة الأمم المتحدة: خطر لا يعرف الحدود، وأزمة لا تحلها دولة منفردة، ومشكلة تستوجب تضامناً كونياً. لكن ما حدث كان في أحيان كثيرة عكس ذلك تماماً.

تنافست الدول على الكمامات والأجهزة الطبية، وأغلقت حدودها، وتشككت في بعضها البعض، فيما دار صراع “لقاح القومية” بين الدول الغنية القادرة على شراء جرعات بالمليارات وبين الدول الفقيرة التي وجدت نفسها في ذيل القائمة.

وقف غوتيريش طوال تلك الفترة يطالب بمقاربة عالمية موحدة، وبتوزيع عادل للقاحات، وبتعليق نظام براءات الاختراع للسماح بإنتاجها على نطاق أوسع. وكان كل مطالبة تصطدم بجدار المصالح الوطنية الضيقة. وقد انتهت الجائحة — على الرغم من وجود أمم متحدة وصندوق دولي للنقد وبنك دولي ومنظمة صحة عالمية — بتفاوت صارخ: أكثر من مليار جرعة مُتلَفة في الغرب فيما ظل الجنوب العالمي يتخبط.

درس مُرّ تعلّمه غوتيريش من الوباء: المؤسسات الدولية تعمل حين تريد الدول أن تعمل، وتتعطل حين لا تريد. وإرادة الدول، كثيراً ما تأتي متأخرة أو ناقصة.


أوكرانيا: حدود السلطة الأممية

في الرابع والعشرين من فبراير 2022، شنّت روسيا غزوها الكامل لأوكرانيا، ووقف غوتيريش في مقر الأمم المتحدة ليُعلن بنبرة تختلط فيها الصلابة والحزن: “هذا يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة… وأنا أعلم أن هذه الكلمات قد تبدو فارغة، لكن اسمعوها: اوقفوا الحرب”.

لحظة مؤلمة تُجسّد معضلة بنيوية في الأمم المتحدة: روسيا عضو دائم في مجلس الأمن تملك حق النقض “الفيتو”، وبالتالي فإن أي قرار ملزم بحقها يبقى في دائرة المستحيل. ما يستطيعه غوتيريش هو الضغط المعنوي، وزيارة كييف وموسكو، والتفاوض على ممرات إنسانية، وصون حبوب أوكرانيا عبر اتفاقية البحر الأسود — وهو إنجاز دبلوماسي حقيقي أسهم في تلطيف أزمة الغذاء العالمية ولو جزئياً.

لكن لا الكلمات ولا الزيارات أوقفت المدافع. وقد كشفت أوكرانيا — كما كشفت كل حرب كبرى قبلها — أن الأمم المتحدة حين تتصادم الدول الكبرى تغدو شبه عاجزة في البُعد العسكري. قوتها تكمن في ما حولها: الدبلوماسية الهادئة، والعمل الإنساني، وشرعنة المواقف وإدانة الانتهاكات أمام الرأي العام الدولي.


غزة: الاختبار الأصعب

لم يواجه غوتيريش في مسيرته ما هو أشدّ وطأة من الحرب على غزة التي اندلعت في أكتوبر 2023. وجد الأمين العام نفسه في موقف يكاد يكون مستحيلاً: أن يُدين بشكل لا لبس فيه هجمات السابع من أكتوبر وما خلّفته من مآسٍ، وأن يُدين في الوقت ذاته العمليات العسكرية الإسرائيلية التي أودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين وأحدثت دماراً هائلاً.

حين قال في أكتوبر 2023 إن هجمات حماس “لم تحدث في فراغ”، اتُّهم بتبرير الإرهاب. وحين طالب بوقف إطلاق النار وبإيصال المساعدات الإنسانية، اتُّهم بانحياز ضد إسرائيل. طالبت إسرائيل بإقالته، وسحبت اعتماداته. وقف غوتيريش يتشبث بصياغة الميثاق الأممي: حماية المدنيين في النزاعات، وعدم الإفلات من العقاب، والقانون الدولي الإنساني.

هذه الأزمة كشفت بجلاء أن الأمين العام — مهما امتلك من شجاعة — يبقى رهين موازين القوى. مجلس الأمن استُعمل فيه حق النقض مراراً لتعطيل قرارات وقف إطلاق النار. والأمم المتحدة وجدت نفسها تراقب مجاعة تتشكل أمامها دون أن تملك عصا سحرية لوقفها. ربما كانت أشد لحظات غوتيريش مرارة.


فلسفة الرجل: بين الواقعية والمثالية

ما يميز غوتيريش بين أمناء الأمم المتحدة العامة أنه لا يخجل من التناقضات الكامنة في منصبه. إنه يعرف أنه قائد منظمة تمتلك سلطة أدبية هائلة لكنها تفتقر إلى سلطة إلزامية. يعرف أن خطاباته قد تُحرك ضمائر، لكنها لا تُحرك جيوشاً ولا تُوقف مدافع.

ومع ذلك، يختار الاستمرار في الكلام. ليس لأنه ساذج، بل لأنه يؤمن بأن الصمت — في مقابل الظلم — هو نوع من التواطؤ. وفي مواقف كثيرة، تحدث غوتيريش بلغة لا يُعهد بها من قادة المنظمات الدولية: وصف دولاً بالتصرف ضد مصلحة البشرية، وانتقد الدول الغنية صراحة في ملف المناخ، وقال ما يراه حقاً حتى حين كان ذلك يُغضب الحلفاء قبل الخصوم.

يُؤمن غوتيريش بالتعددية كمبدأ لا كإجراء. يرى أن مشكلات العالم المعاصر — سواء أكانت المناخ أم الوباء أم الفقر أم النزاعات — هي في جوهرها مشكلات لا تحلها الدول منفردة مهما عظمت. وأن الحل لا بد أن يكون جماعياً أو لا يكون. هذا الإيمان هو ما يُبقيه في المنصب رغم كل الإحباطات، وما يجعله يعود كل يوم إلى الطابق الثامن والثلاثين.


الانتقادات: حين لا يكفي الكلام

لا يخلو مشوار غوتيريش من انتقادات جوهرية، وليس فقط من خصومه الأيديولوجيين.

يرى البعض أنه كثير الكلام قليل الفعل، وأن تحذيراته المناخية المتكررة باتت تفقد وقعها لأن وراءها لا أدوات إلزامية. ويرى آخرون أنه في قضايا بعينها — كاليمن والصراعات المنسية في إفريقيا — أقل صخباً مما ينبغي، وأن الاهتمام الأممي لا يزال يميل نحو الأزمات التي تُضيء عليها كاميرات الغرب.

وثمة انتقاد أعمق يتعلق بالبنية لا بالشخص: هل الأمم المتحدة بتركيبتها الراهنة — ولا سيما مجلس الأمن بحق النقض الممنوح للدول الخمس الدائمة — قادرة أصلاً على التعامل مع أزمات القرن الحادي والعشرين؟ وهل يُعادل الإصلاح في الهامش ترقيعاً لنظام يحتاج إلى إعادة تأسيس جذرية؟

غوتيريش نفسه يدعو إلى إصلاح مجلس الأمن وتوسيعه ليعكس واقع القوة الدولية في القرن الحادي والعشرين لا في منتصف القرن العشرين. لكن هذه الدعوة تصطدم بجدار المصالح الراسخة للدول الدائمة العضوية التي لا تريد تخفيف هيمنتها.


الإرث الإنساني: ما يراه بعيوننا

ما يبقى من غوتيريش حين نُعيد الحسابات هو الحضور الإنساني. في عالم يزداد ميله نحو قادة يبدون صلابة عاطفية، جاء غوتيريش بنموذج مغاير: رجل لا يخجل من القول إن ما يراه يُحزنه. زيارته لمخيمات اللاجئين، ووقوفه أمام بيوت مدمرة في أوكرانيا، وحزنه المُعلن على ضحايا غزة — كل هذا يرسم صورة لأمين عام لا يتعامل مع الضحايا كأرقام في ملفات.

ولعل أبلغ ما يُعبّر عنه هو مقولته الشهيرة: “لا أشعر بالإحباط؛ الإحباط رفاهية لا أستطيع تحملها. أشعر بالتصميم”. هذه الجملة تلخص الرجل: يعرف أن العالم لا يسير كما يُريد، لكنه يرفض أن يجعل من ذلك عذراً للاستسلام.


خاتمة: بين الممكن والضروري

حين نُقيّم أنطونيو غوتيريش بعد أكثر من ثمان سنوات على رأس الأمم المتحدة، لا يمكننا أن نُحكم عليه بمعيار ما أنجزه وحده، بل بمعيار ما كان بإمكان منصبه أن ينجزه أصلاً.

الأمم المتحدة ليست حكومة عالمية. ليس لها جيش يُنفذ قراراتها، ولا خزينة مستقلة تُموّل برامجها بعيداً عن إرادة الدول الأعضاء. هي مرآة للعالم: تعكس توافقاته حين تتوافر، وتعكس انقساماته حين تتصدع. وفي زمن غوتيريش، العالم أكثر انقساماً مما كان منذ عقود.

ومع ذلك، تظل الأمم المتحدة — ومعها غوتيريش — ضرورة لا بديل عنها. ليس لأنها تحل كل مشكلة، بل لأنها تُبقي الحوار حياً حين يكون الصمت خطيراً، وتُقدم شهادة الضمير حين يُغري الصمت. في عالم تتشقق فيه الأطر متعددة الأطراف تحت وطأة القومية والجشع والقصر السياسي، وجود صوت يُذكّر بما ينبغي أن نكون عليه — حتى وإن لم نبلغه — هو في حد ذاته فعل مقاومة.

أنطونيو غوتيريش يعرف أنه لن يُنقذ العالم. لكنه يُؤمن أن عدم المحاولة خيانة لكل من جاء قبله ولكل من سيأتي بعده. وفي زمن التشرذم والإحباط والانسحاب، هذا الإيمان وحده يستحق أن يُروى.

رابط المقالة القصير
مشاركة:
7 مشاهدة

اترك تعليقاً