مايو 15, 2026
سلطنة عمان

السلطان قابوس: كيف طور رجل واحد دولة بأكملها

bayanelm 5 1 دقيقة 0
السلطان قابوس: كيف طور رجل واحد دولة بأكملها

السلطان قابوس: كيف طور رجل واحد دولة بأكملها (1970-1920)

خمسون عامًا من الحكم، وأمةٌ يعاد بنائها — قصة نهضة لم يشهد التاريخ المعاصر مثيلًا لها في سرعتها وعمقها

في الثالث والعشرين من يوليو عام ١٩٧٠، لم يكن كثيرون يعرفون اسم “قابوس بن سعيد”، الشابّ الذي تربّى في كنف المؤسسة العسكرية البريطانية بعيدًا عن وطنه. لكن في غضون سنوات قليلة، أصبح ذلك الاسم مرادفًا لنهضة كاملة — نهضة دولة كانت تغطّ في نوم عميق، فأيقظها رجلٌ واحد بإرادة لا تُقهر.

الفصل الأول

عُمان قبل قابوس: البداية من الصفر

لكي نفهم عظمة ما فعله السلطان قابوس، علينا أن نقف أمام صورة عُمان كما كانت عليه عشية عام ١٩٧٠. كانت البلاد تعيش في عزلة شبه تامة عن العالم الخارجي، وكأن الزمن توقّف عندها عند حدٍّ بدائي لم تتجاوزه. لم يكن في كامل السلطنة سوى ثلاث مدارس للذكور، وطريق معبّد واحد يبلغ طوله بضعة كيلومترات، فيما ظلّت الكهرباء حلمًا بعيد المنال لغالبية السكان.

كانت المستشفيات شبه معدومة، والأطباء نادرون. السفر خارج البلاد كان يستلزم إذنًا رسميًا من السلطان سعيد بن تيمور، والد السلطان قابوس. كانت الأبواب تُغلق عند حلول الظلام. فيما ظلّت البلاد الوحيدة في المنطقة التي لا تملك مطارًا دوليًا ولا ميناءً حديثًا.

الفصل الثاني

الرجل الذي صنع المستحيل: من هو قابوس؟

وُلد السلطان قابوس بن سعيد في الثامن عشر من نوفمبر عام ١٩٤٠ في مدينة صلالة بظفار. نشأ في كنف أسرة سلطانية، وتلقّى تعليمه الأولي في المنزل ثم في الهند، قبل أن يُرسَل إلى إنجلترا حيث أتمّ دراسته في أكاديمية ساندهيرست العسكرية الشهيرة — المعهد الذي خرّج نخبة من قادة العالم العسكريين. بعد تخرجه خدم ضابطًا في الجيش البريطاني، ثم عاد إلى عُمان حيث أمضى سنوات طويلة في قصر صلالة .

كانت تلك السنوات التي قضاها في القصر فرصةً للتأمل والدراسة — إذ كرّس وقته لقراءة التاريخ والفلسفة والحضارات، وكوّن في عقله رؤية متكاملة لما يريده لبلاده.

في يوليو ١٩٧٠، تولى السلطان قابوس زمام الحكم وهو في الثلاثين من عمره. أول خطاباته كانت كافية لتصوير ما يحمله في روحه. قال للشعب العُماني: “لقد رأيت وضع عُمان وسأعمل على تغييره في أقصر وقت ممكن.”

“لقد ورثتُ دولةً بلا مدارس، بلا مستشفيات، بلا طرق — وورثتُ شعبًا يستحق كل شيء.”

لم يكن السلطان قابوس يعد بالوعود المعسولة التي يرميها السياسيون عادةً. كان يعرف تمامًا حجم التحدي، ويعرف أين يبدأ. وبدأ فورًا.

الفصل الثالث

خمسون عامًا من التحوّل: الجدول الزمني للنهضة

ما شهدته عُمان خلال حقبة السلطان قابوس يمكن وصفه فقط بـ”المعجزة ” — لم تكن وليدة الحظ أو النفط وحده، بل نتاج رؤية واضحة وعمل متواصل على مدى عقود.

١٩٧٠ – ١٩٧٥

تأسيس الدولة الحديثة: إطلاق مشاريع البنية التحتية الأولى، بناء الطرق، إنشاء المدارس والمستشفيات بشكل متسارع، وإطلاق القوات المسلحة الوطنية. القضاء على تمرد ظفار المسلح الذي كان يهدد الوحدة الوطنية.

١٩٧٥ – ١٩٨٥

مرحلة التوسع التعليمي: ارتفع عدد المدارس من ٣ إلى مئات، وُلدت جامعة السلطان قابوس عام ١٩٨٦ لتكون منارة العلم في الخليج. الانفتاح الاقتصادي وبدء بناء المؤسسات الحكومية الحديثة.

١٩٨٥ – ١٩٩٥

النضج المؤسسي: تأسيس مجلس عُمان بغرفتيه، تقنين الحوكمة، وإطلاق مسيرة “التعمين” لتوطين الوظائف. ثم الانخراط الدبلوماسي الفاعل في القضايا الإقليمية والدولية.

١٩٩٥ – ٢٠٠٥

رؤية عُمان ٢٠٢٠: وضع خطة استراتيجية لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. ازدهار السياحة وقطاع اللوجستيات والصناعة. عُمان تُصبح نموذجًا يُدرَّس في الاستقرار السياسي الخليجي.

٢٠٠٥ – ٢٠٢٠

الحصاد والإرث: عُمان تُصنَّف ضمن أسرع دول العالم نموًا في مؤشرات التنمية البشرية. الدور الوساطي العُماني يُكرَّس دوليًا. وفاة السلطان قابوس في يناير ٢٠٢٠ وهو يترك خلفه دولة متكاملة.

الفصل الرابع

ثورة التعليم: بناء العقول قبل البنيان

أدرك السلطان قابوس منذ البداية أن النفط يمكن أن ينضب، لكن الإنسان المتعلم هو الثروة الحقيقية الدائمة. لذلك جعل التعليم أولى أولوياته وأشدّها إلحاحًا. في عامه الأول وحده، بنى مئات المدارس، وأرسل البعثات الدراسية إلى الخارج، وجلب المعلمين من الأردن ومصر والهند.

لكن ما يميّز قابوس عن غيره من حكام النفط هو أنه لم ينسَ المرأة. في زمن كانت فيه المرأة الخليجية مُحاصَرة بقيود اجتماعية وثقافية صارمة، فتح قابوس أبواب التعليم والعمل أمامها على مصراعيها. أصبحت المرأة العُمانية وزيرةً وسفيرةً وضابطةً في الجيش وقاضيةً — في خطوات جريئة لم تجرؤ عليها كثير من الدول المجاورة إلا بعد عقود.

حين تأسست جامعة السلطان قابوس عام ١٩٨٦، كانت نقطة تحوّل حضارية بكل معنى الكلمة. لم تكن مجرد مؤسسة أكاديمية، بل كانت رسالةً للعالم مفادها: عُمان باتت تنتج علماءها وكفاءاتها بنفسها.

إنجازات التعليم في عهد قابوس

  • من ٩٠٠ طالب عام ١٩٧٠ إلى أكثر من ٦٠٠,٠٠٠ طالب بحلول عام ٢٠٠٠
  • من ٣ مدارس إلى أكثر من ١٠٠٠ مدرسة حكومية
  • تأسيس ٧ جامعات وعشرات الكليات والمعاهد المتخصصة
  • نسبة محو الأمية ترتفع من ٥٪ إلى أكثر من ٩٥٪
  • المرأة تمثّل أكثر من ٥٠٪ من طلاب الجامعات
  • بعثات دراسية بالآلاف إلى أوروبا وأمريكا والدول العربية

الفصل الخامس

الدبلوماسية الهادئة: الصوت الذي يُسمع حين تصمت الأصوات

لو اقتصر دور السلطان قابوس على بناء المدارس والطرق، لكان ذلك وحده كافيًا لتخليد اسمه. لكنه ذهب أبعد من ذلك بكثير — إذ بنى لعُمان مكانةً دولية فريدة لا تتناسب مع حجمها الجغرافي ولا عدد سكانها، بل تتناسب مع حكمة حاكمها.

في منطقة تعجّ بالصراعات والمحاور المتعارضة، اختارت عُمان بقيادة قابوس أن تكون جزيرة الهدوء وسط البحر الهائج. علاقاتها مع إيران لم تنقطع حتى في أشد لحظات التوتر الخليجي، وعلاقاتها مع إسرائيل لم تتقطّع كليًا حتى حين كانت الأبواب العربية كلها موصدة، وعلاقاتها مع اليمن ظلّت ودّية حتى في أحلك الأوقات.

حين كانت أمريكا وإيران تتبادلان التهديدات في خضمّ الأزمة النووية، كانت مسقط تحتضن المحادثات السرية التي مهّدت لاتفاقية عام ٢٠١٥. وحين أُسر الجنديان الأمريكيان في إيران، كانت عُمان الوسيطَ الذي نجح في إطلاق سراحهم. هذا الدور لم يكن مصادفةً، بل كان نتاج سياسة محسوبة بدقة متناهية.

“عُمان لا تنتمي إلى محور — بل تنتمي إلى السلام.”

أتقن السلطان قابوس فنّ الحياد الفعّال — لم يكن حيادًا سلبيًا يعني العزلة والتخلّي، بل حيادًا إيجابيًا يعني الانخراط من موقع المُصلح لا المُتحيّز. وهو ما جعله يحظى باحترام متبادل من جميع الأطراف، حتى المتناقضة منها.

أتاح له هذا الموقف الفريد أن يُمارس نفوذًا يفوق ما تُتيحه الجغرافيا والموارد عادةً. فعُمان أصبحت صاحبة “قوة ناعمة” حقيقية، وصوتًا يُصغي إليه حين تفشل الأصوات الأعلى.

الفصل السادس

الموسيقى والثقافة: روح الأمة لا تُبنى بالطرق والجسور

أحبّ السلطان قابوس الموسيقى بشغف حقيقي غير مصطنع. عزف على الأرغن والعود، وكان يرى في الموسيقى لغةً إنسانية كونية تتجاوز حواجز اللغة والعرق والسياسة. لم يكن هذا شأنًا خاصًا بينه وبين نفسه، بل تحوّل إلى سياسة ثقافية راسخة.

أسّس الفرقة السيمفونية الملكية العُمانية، وهي ظاهرة فريدة في الخليج والعالم العربي — فرقة سيمفونية كاملة تؤدي الموسيقى الكلاسيكية في بلد كان حتى قبل نصف قرن لا يعرف المدارس. وبنى دار الأوبرا الملكية في مسقط، التي أصبحت واحدةً من أجمل وأرقى دور الأوبرا في العالم، وتستقبل كبار فرق الموسيقى والباليه العالمية.

لكن الأمر لم يتوقف عند الموسيقى الغربية. آمن قابوس بأن الهوية العُمانية الأصيلة يجب أن تُحفظ وتُرسَّخ في الوقت نفسه الذي تنفتح فيه البلاد على العالم. لذلك عمل على توثيق التراث الشفهي والموسيقي والمعماري العُماني، وجعل من الثقافة المحلية عنصرًا محوريًا في منظومة التعليم والهوية الوطنية.

حافظ على العمارة العُمانية الأصيلة في التصميم العام للمدن، فلم تتحوّل مسقط إلى مدينة زجاجية أخرى تفتقر إلى الروح، بل حرص على أن تكون الحداثة عُمانية الوجه والملامح.

الفصل السابع

الاقتصاد والتنويع: ما بعد النفط

لم يقع قابوس في الفخّ الذي وقعت فيه كثير من الدول النفطية — فخّ الاعتماد الكلي على النفط والغفلة عن بناء اقتصاد متنوع ومستدام. منذ مطلع التسعينيات، أطلق خطط التنويع الاقتصادي تحت مسمّى “رؤية عُمان ٢٠٢٠”.

استثمر في قطاع السياحة التي أصبحت ركيزةً اقتصادية حقيقية، مستفيدًا من البيئة الطبيعية الساحرة التي تتفرد بها عُمان — من شواطئ بحر العرب إلى جبال الحجر وصحراء الربع الخالي وفجاج وادي بني خالد. استثمر كذلك في الميناء والخدمات اللوجستية، إذ أصبح ميناء صحار ومنطقته الصناعية قطبًا اقتصاديًا وجّه أنظار المستثمرين الدوليين.

دعم الصناعة الوطنية، وطوّر قطاع الصيد والزراعة، وعمل على ربط عُمان بشبكة طرق بحرية وجوية تجعلها مركزًا للتجارة الإقليمية والدولية. ولم يكتفِ بذلك، بل أطلق مبادرة “العُمنة” لتوطين الوظائف وتطوير الكوادر البشرية الوطنية القادرة على إدارة الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد على العمالة الأجنبية.

الفصل الثامن

الوحدة الوطنية: حاكم يُعلّم شعبه كيف يكون أمةً

ورث السلطان قابوس بلدًا مجزّأًا قبليًا وجغرافيًا — ظفار في الجنوب كانت في مهبّ تمرد مسلح مدعوم من اليمن والقوى الشيوعية، والمناطق الداخلية كانت مقطوعةً عن بعضها وعن المركز. لم تكن “عُمان” كيانًا متماسكًا في وعي المواطن، بل مجموعة قبائل يجمعها اسم واحد.

تحقّق السلطان قابوس من هذه الوحدة عبر مسارين متوازيين: الحرب والتنمية. أنهى تمرد ظفار عسكريًا بحلول عام ١٩٧٦، لكنه لم يعاقب الجانب الاخر، بل دمجه في النسيج الوطني بالتنمية والخدمات والإدماج السياسي. هذه الحكمة — التي تجمع القوة بالانتماء — كانت من أبرز سمات حكمه.

كرّس الهوية العُمانية عبر اللباس الوطني، والعلم، والنشيد الوطني الذي لحّنه بنفسه، والاحتفالات الوطنية التي جعل منها لحظات حضور وطني حقيقي. لم تكن “عُمان” له مجرد حدود جغرافية، بل كانت قصيدة يكتبها يومًا بيوم.

الفصل التاسع

الرجل والأسطورة: ماذا قالوا عنه؟

لم يكن السلطان قابوس حاكمًا يجلس خلف أبواب مغلقة. كان يُجري جولات ميدانية في أرجاء البلاد، ويستمع بنفسه إلى شكاوى المواطنين في جلسات “المجلس المفتوح” التي كان يُقيمها في مناطق مختلفة. كان مصغيًا حقيقيًا في زمن ندرت فيه هذه الصفة في الحكام.

أشاد به زعماء العالم من كل أيديولوجياتهم ومشاربهم. أثنى عليه المسؤولون الأمريكيون لدوره في دبلوماسية المنطقة، وكذلك المسؤولون الإيرانيون، والروس، والأوروبيون. وهو انعكاس صادق لطبيعة حكمه: كان يرى في السياسة الدولية أداةً للسلام لا ساحةً للتنافس على النفوذ.

عاش السلطان قابوس حياته حاكمًا وعازبًا معًا، وهو ما أثار تساؤلات كثيرة حول خلافته. طُلّق مرةً واحدة في بداية حكمه ولم يتزوج ثانيةً. أمضى سنوات حياته الأخيرة يُعاني من مرض السرطان، لكنه ظلّ يدير شؤون البلاد حتى رمقه الأخير. رحل في العاشر من يناير ٢٠٢٠، ليُعلن مجلس الأسرة الحاكمة تعيين ابن عمه هيثم بن طارق سلطانًا جديدًا وفق الوصية التي خلّفها.

شهادات دولية لقابوس

  • برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: عُمان الأسرع نموًا في التنمية البشرية خلال ٤٠ عامًا
  • جون كيري: “قابوس شخصية لا يمكن لأحد أن يحلّ محلّها في المنطقة”
  • منظمة اليونسكو: تكريم عُمان نموذجًا في الحفاظ على التراث الثقافي
  • المنتدى الاقتصادي العالمي: عُمان نموذج يُحتذى في الاستقرار وسط المضطرب
  • المؤشر العالمي للسلام: عُمان من أكثر دول المنطقة أمانًا واستقرارًا

الفصل العاشر

الإرث الخالد: ماذا أبقى قابوس وراءه؟

حين رحل قابوس، لم يترك فراغًا فقط — ترك مؤسسات، وترك قيمًا، وترك نموذجًا. الدولة التي سلّمها لخلفه كانت دولةً راسخة بمؤسساتها وقوانينها وبنيتها التحتية المتقدمة، خلافًا للدولة التي تسلّمها هو عام ١٩٧٠.

ما أبقاه السلطان قابوس ليس مجرد أبنية وطرق ومستشفيات — بل أبقى ثقافةً سياسية تقوم على الهدوء والحكمة، وشعبًا آمن بقدرته على بناء مستقبله، ودولةً كسبت احترام العالم باعتدالها وحنكتها.

أبقى كذلك درسًا بالغ الأهمية لمنطقة كثيرًا ما أُهدرت فيها الثروات وضاعت الفرص: الثروة الحقيقية ليست تحت الأرض، بل فوقها — في الإنسان المتعلم، والمؤسسة الفاعلة، والسياسة الحكيمة.

لن يكتمل الحديث عن السلطان قابوس بمقالة، ولن يسعه كتاب. ما يكفي القول به هو أن رجلًا واحدًا، بإرادة صلبة ورؤية واضحة وصبر طويل، استطاع أن يُحوّل بلدًا كان يغطّ في ظلام العزلة إلى نموذج يُضيء — نموذجٌ يُثبت أن التغيير ممكن، وأن الحاكم الحكيم يصنع التاريخ لا مجرد أن يسكن فيه.

خاتمة: الرجل الذي لا يُنسى

في يناير ٢٠٢٠، حين أُسدل الستار على مسيرة السلطان قابوس، بكى العُمانيون بكاءً حقيقيًا — لا البكاء المأمور الذي تصطنعه الأنظمة، بل دموع من فقد أبًا حقيقيًا وباني مستقبل.

كتبت إحدى الصحف البريطانية: “مات آخر حكام جيل لم يقرأ في كتب الحكمة، بل كتبها.” وهذا ربما أدقّ ما قيل فيه.

في عالم يندر فيه الزعماء الحقيقيون، كان السلطان قابوس ظاهرةً — رجل واحد، غير دولةً بأكملها.

رابط المقالة القصير
مشاركة:
5 مشاهدة

اترك تعليقاً