مايو 16, 2026
اقتصاد

التجارة الإلكترونية في الخليج: أرقام تكشف ثورة صامتة في عادات الشراء

bayanelm 19 1 دقيقة 0
التجارة الإلكترونية في الخليج: أرقام تكشف ثورة صامتة في عادات الشراء

التجارة الإلكترونية في الخليج: أرقام تكشف ثورة صامتة في عادات الشراء

حين تتحوّل العادات إلى أرقام

في عام 2010، كان شراء كتاب من الإنترنت في دول الخليج العربي يُعدّ ضرباً من المغامرة؛ بطاقة ائتمان يتردد صاحبها قبل إدخال بياناتها، وعنوان تسليم يفتقر إلى دقة الأرقام، وانتظار يمتد أسابيع. أما اليوم، فيُتمّ الملايين عمليات شراء كاملة في ثوانٍ، دون أن يغادروا أرائكهم، وتصل طلباتهم قبل أن يتذكروا أنهم طلبوها.

هذا التحوّل لم يكن ضجيجاً واحداً انفجر في يوم واحد، بل كان سلسلة من الخطوات الصامتة التي تراكمت حتى أصبحت ظاهرة لا يمكن تجاهلها. ثورةٌ بلا رصاص، تكتب نفسها بالأرقام، وتُعلن نفسها بتغيّر في كيفية تصرّف الناس بأموالهم ووقتهم.

منطقة الخليج العربي اليوم تُمثّل واحدة من أسرع أسواق التجارة الإلكترونية نمواً في العالم. الأرقام المتاحة تتحدث عن سوق تجاوزت قيمته الخمسين مليار دولار، مع توقعات بمضاعفة هذا الرقم خلال السنوات الخمس المقبلة. لكن الأهم من الأرقام الكبيرة هو الفهم العميق لما يقف خلفها: من هو المستهلك الخليجي الجديد؟ وماذا يشتري؟ ومتى ولماذا؟


الحجم الحقيقي: أرقام تعيد رسم الخريطة

لفهم حجم ما حدث، لا بد من وضع الأرقام في سياقها الزمني. قبل عشر سنوات، كانت حصة التجارة الإلكترونية من إجمالي التجزئة في منطقة الخليج لا تتجاوز واحداً إلى اثنين بالمئة. اليوم، تتراوح هذه النسبة بين ثمانية وخمسة عشر بالمئة حسب القطاع والدولة، في مسار يُشبه ما شهدته الأسواق الأكثر نضجاً قبل عقد من الزمن.

الإمارات العربية المتحدة تقود المشهد، إذ يُشير تقرير “ستاتيستا” لعام 2024 إلى أن قيمة سوق التجارة الإلكترونية فيها بلغت ما يتجاوز سبعة وعشرين مليار دولار، مع معدل نمو سنوي يقارب أحد عشر بالمئة. المملكة العربية السعودية بدورها تُسجّل أرقاماً مذهلة، إذ يُقدَّر حجم سوقها بأكثر من ثلاثين مليار دولار، في حين تتسارع وتيرة النمو لتستوعب متطلبات سكان شباب يزيد عددهم على خمسة وثلاثين مليوناً.

الكويت وقطر والبحرين وعُمان، رغم صغر حجمها السكاني النسبي، تُسجّل بدورها نسب انتشار لافتة للتجارة الإلكترونية، تتجاوز أحياناً ما تُسجّله دول أكبر. قطر على سبيل المثال تمتلك واحداً من أعلى معدلات الإنفاق الفردي عبر الإنترنت في المنطقة، مدفوعةً بارتفاع متوسط الدخل وانتشار الهواتف الذكية بنسبة تكاد تكون مئة بالمئة.

ما يجعل هذه الأرقام أكثر دلالةً أنها جاءت رغم عقبات ظلّت قائمة لفترة طويلة: غياب العناوين المنظّمة، وضعف ثقافة الشراء الرقمي، وتفضيل الدفع نقداً. هذه العقبات لم تختفِ تماماً، لكنها تراجعت أمام موجة تبنٍّ واسعة تكسر الأنماط القديمة.


المستهلك الخليجي: صورة تتشكّل من جديد

لعقود طويلة، كان المستهلك الخليجي يُصنَّف في الأدبيات التسويقية كمستهلك “تقليدي”، يُفضّل رؤية البضاعة ولمسها، ويثق بالبائع الذي يعرفه، ويتردد في الدفع قبل الاستلام. هذه الصورة لم تكن خاطئة تماماً، لكنها كانت تتجاهل طبقة ديموغرافية ضاغطة: الشباب.

أكثر من ستين بالمئة من سكان دول الخليج هم دون سن الثلاثين. هذا الجيل نشأ مع الإنترنت، وتعلّم من يوتيوب، وبنى علاقاته الاجتماعية عبر إنستغرام وسناب شات، ويرى في التسوق الرقمي امتداداً طبيعياً لحياته اليومية. بالنسبة له، الذهاب إلى المتجر الفعلي يحتاج إلى مبرر، في حين أن الشراء عبر الهاتف لا يحتاج إلى أي جهد إضافي.

تكشف استطلاعات متعددة أن المستخدم الخليجي للتجارة الإلكترونية يتسوق في المتوسط ثلاث إلى أربع مرات شهرياً عبر الإنترنت، وأن أكثر من سبعين بالمئة من عمليات الشراء تتم عبر الهاتف الذكي لا الحاسوب المكتبي. هذا التوجه نحو “التسوق بإبهام واحد” أعاد تصميم تجربة الشراء بأكملها، من واجهة التطبيقات إلى طريقة تقديم المنتجات وأسلوب الدفع.

المرأة الخليجية أيضاً باتت لاعباً محورياً في هذا السوق، وهو تحوّل لافت. تُشير دراسات عدة إلى أن النساء في المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات يُمثّلن نحو خمسة وأربعين إلى خمسين بالمئة من المتسوقين عبر الإنترنت. وقد أتاح التسوق الرقمي للمرأة الخليجية قدراً من الاستقلالية في قرارات الشراء، لا سيما في فئات مثل الأزياء ومستحضرات التجميل وأدوات المنزل.


ما يُشترى: خريطة الرغبات الرقمية

إذا كان العالم يشتري الكتب والإلكترونيات عبر الإنترنت في مراحل مبكرة، فإن الخليج يكتب قصة مختلفة بعض الشيء، تعكس تفضيلاته الخاصة ومزاجه الاستهلاكي.

الأزياء والموضة تستحوذ على الحصة الأكبر في معظم دول المنطقة، وهو أمر يبدو مفاجئاً في سياق مقولة “المستهلك يريد أن يُجرّب الملابس”. لكن الواقع أثبت أن سياسات الإرجاع المرنة وتفضيل الماركات العالمية المعروفة قللا من هذا التردد. منصات مثل نمشي وكيكي جمعت الأزواق الخليجية بمنتجات من مئات الماركات، في تجربة أتاحت ما لا تستطيع أي بوتيك محلية تقديمه.

الأجهزة الإلكترونية تحتل المركز الثاني، ويُلاحظ هنا نمط مثير للاهتمام: الخليجيون لا يُحجمون عن شراء منتجات تقنية ذات قيمة مرتفعة عبر الإنترنت. هاتف يُكلّف خمسة آلاف درهم، أو حاسوب محمول بثمانية آلاف ريال، لا يُمثّل عائقاً للشراء الرقمي كما كان في السابق. هذا يعكس ارتفاع مستوى الثقة بالمنصات، وتحسّن آليات الحماية من الاحتيال.

المواد الغذائية والبقالة تُمثّل الفئة الأسرع نمواً منذ عام 2020. الجائحة أجبرت ملايين الخليجيين على تجربة طلب البقالة عبر الإنترنت لأول مرة، ثم كشفت لهم عن راحة لم يتوقعوها. خدمات مثل نون ماركت وCariA وشراع وسواها حوّلت رحلة التسوق الأسبوعية من مشوار مرهق إلى ضغطات بسيطة على الشاشة.

المنتجات الصحية والتجميل تأتي في مرتبة لافتة، لا سيما في الكويت والإمارات. وتكشف البيانات أن مستوى الإنفاق على منتجات العناية بالبشرة والعطور والمكملات الغذائية يرتفع باستمرار، مع ميل واضح نحو الماركات الغربية المتميزة وكذلك المنتجات العربية الطبيعية.

السفر والضيافة يُمثّل قطاعاً ضخماً في الحجوزات الرقمية، وإن كان يُصنَّف أحياناً بمعزل عن التجارة الإلكترونية التقليدية. حجوزات الطيران والفنادق والتجارب السياحية عبر الإنترنت أصبحت الطريقة شبه الوحيدة التي يُخطط بها الخليجيون لسفرهم.


البنية التحتية: الأعمدة الخفية للثورة

لا تقوم ثورة بلا أعمدة. والتجارة الإلكترونية في الخليج بُنيت على أربعة أعمدة أساسية، إذا تأملتها أدركت لماذا تسارعت وتيرتها بهذا الشكل.

أولاً: الاتصال بالإنترنت والهاتف الذكي. الخليج يمتلك واحدة من أعلى معدلات انتشار الإنترنت في العالم، تتراوح بين ثلاثة وتسعين وتسعة وسبعة وتسعين بالمئة في دول كالإمارات والكويت وقطر. الشبكات من الجيل الرابع والخامس تُغطي معظم الرقعة الجغرافية المسكونة. في هذا البيئة، التسوق الرقمي لا يحتاج إلى بنية تحتية إضافية، هو امتداد طبيعي للاتصال القائم.

ثانياً: منظومة الدفع الرقمي. كان الدفع نقداً عند الاستلام طاغياً لفترة طويلة، وهو نمط يُعقّد عمليات اللوجستيات ويرفع التكاليف. لكن هذا الواقع تغيّر بشكل ملموس. محافظ رقمية مثل STC Pay وبايتابي وكاشو وابل باي انتشرت بسرعة كبيرة. خدمة “اشترِ الآن وادفع لاحقاً” كتابي وسواها أزاحت عقبة الدفع الفوري. والشركات المصرفية الكبرى أطلقت بوابات دفع مُحسَّنة تجعل إتمام المعاملة أمراً من ثوانٍ.

ثالثاً: منظومة اللوجستيات والتوصيل. هذا كان التحدي الأعسر تاريخياً. العناوين غير المُرمَّزة، والطرق الداخلية المعقدة، وانتظار التوصيل الذي يمتد أياماً، كلها عوامل أبطأت النمو في مراحل مبكرة. اليوم، استثمرت شركات مثل أرامكس وDHL وFedEx وسواها في شبكات توصيل أكثر ذكاءً. وظهرت شركات محلية ناشئة تتخصص في التوصيل السريع خلال ساعات. بل إن بعض المنصات مثل نون وأمازون السعودية باتت تُقدّم خدمة التوصيل في نفس اليوم في المدن الكبرى.

رابعاً: المحتوى المحلي واللغة. التجارة الإلكترونية التي تتكلم العربية، وتفهم المناسبات الخليجية كرمضان والأعياد والمواسم، وتُقدّم العروض بما يتلاءم مع الذوق المحلي، تفوق في جاذبيتها أي منصة دولية عمومية. المنصات التي استثمرت في هذا الفهم الثقافي نالت ولاء الجمهور، وتلك التي أهملته دفعت ثمناً باهظاً.


اللاعبون الكبار: معركة الحصص

المشهد التنافسي في التجارة الإلكترونية الخليجية لا يشبه نموذجاً آخر تماماً. هنا تلتقي منصات عالمية بطموحات محلية، ورأس مال حكومي بمشاريع ريادية شبابية.

أمازون الذي استحوذ على سوق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (Souq.com سابقاً)، يُهيمن على حصة كبيرة من سوق الإمارات، ويتمدد في المملكة العربية السعودية. ضخه لاستثمارات ضخمة في مراكز التوزيع والبنية اللوجستية جعله شبه لا غنى عنه لشريحة واسعة من المتسوقين.

نون جاء كقصة نجاح خليجية صرفة، مدعوماً برأس مال إماراتي وسعودي ضخم، ومصمَّم أصلاً للمستهلك الخليجي. قدرته على فهم المناسبات المحلية وتقديم تجربة مُعرَّبة بالكامل أكسبته قاعدة مستخدمين وفيّة.

جرير وEXTRA وسواها من سلاسل التجزئة التقليدية الكبرى قرأت المشهد مبكراً وحوّلت نفسها إلى لاعبين هجينين يجمعون بين الحضور الفيزيائي والرقمي. هذا التحوّل أنقذها من مصير كثير من سلاسل التجزئة الغربية التي أُسقطت بـ”تأثير أمازون”.

المنصات المتخصصة ربما تكون الظاهرة الأكثر إثارة للاهتمام. نمشي للأزياء، وهيا لمستحضرات التجميل، وELifestyle وخدمات الطعام المحلية كهنقرستيشن وكريم فود، كلها بنت جمهوراً راسخاً بالتركيز على تجربة مستخدم متميزة في مجال محدد، بدلاً من التنافس على الشمولية.


جائحة 2020: محفّز غيّر قواعد اللعبة

لن يكتمل أي حديث عن التجارة الإلكترونية الخليجية دون التوقف عند 2020 ومرحلة ما بعدها. جائحة كوفيد-19 لم تُوقف العجلة الاقتصادية فحسب، بل فعلت شيئاً أكثر عمقاً: أجبرت شريحة ضخمة من السكان على تجربة الشراء الرقمي لأول مرة، وفي كثير من الحالات لأشياء كانوا يرفضون شراءها عبر الإنترنت.

الأرقام تتحدث بوضوح: ارتفعت معدلات التسوق الإلكتروني في المنطقة خلال عام 2020 بنسبة تتراوح بين أربعين وسبعين بالمئة في مختلف القطاعات. والأهم أن نسبة كبيرة من المستخدمين الجدد لم يعودوا إلى نمط التسوق القديم عند انتهاء القيود. كانت العتبة الأولى هي العائق الحقيقي، وقد تجاوزتها الجائحة بالقوة.

قطاع المطاعم والطعام ربما كان الأكثر حيوية في هذا التحوّل. خدمات التوصيل نمت بشكل انفجاري، وأعادت رسم علاقة الخليجيين بالطعام خارج المنزل. كثير من المطاعم التي كانت تتعامل مع منصات التوصيل كـ”قناة ثانوية” اكتشفت أنها قد تكون القناة الرئيسية.


الثقة: المعركة التي لا تنتهي

وسط كل هذا النمو، يبقى سؤال الثقة حاضراً بقوة. هل يثق الخليجيون فعلاً في التسوق الرقمي؟ الإجابة متدرجة.

ثمة طبقة من المستخدمين الأوائل تتسوق بثقة كاملة وتُعلي من الكفاءة فوق كل اعتبار. وثمة طبقة وسطى تتسوق للمنتجات المعروفة ذات الأسعار المتوسطة بثقة مقبولة، لكنها تُحجم عن المنتجات الجديدة أو غير المعروفة. وثمة طبقة لا تزال متمسكة بالتجربة الفيزيائية لمنتجات كالأثاث والمجوهرات.

التعليقات والتقييمات أصبحت ركيزة أساسية في قرار الشراء. دراسة أجرتها شركة بيكر ماكنزي وجدت أن أكثر من سبعين بالمئة من المتسوقين الخليجيين يقرؤون التقييمات قبل الشراء، وأن وجود تقييمات سلبية لا يطرد المشتري بالضرورة، لكن غياب التقييمات كلياً يُعتبر تحذيراً.

وسائل التواصل الاجتماعي تحوّلت إلى منصات تسوق بامتياز. ظاهرة الـ”Social Commerce” أو التجارة الاجتماعية قفزت في الخليج بشكل لافت. توصية من شخصية مؤثرة في إنستغرام تُساوي أحياناً خمس حملات إعلانية تقليدية. المتسوق الخليجي يصل إلى المنتج عبر منشور من أحد المُتابَعين، يبحث عنه في التطبيق، يقرأ التعليقات، ويُتمّ الشراء، أحياناً دون أن يغادر منصة واحدة.


رمضان والمناسبات: موسمية تعيد توزيع الثروة

في الخليج، المال لا يتحرك بشكل خطي على مدار السنة. ثمة مناسبات تُشكّل فيها التجارة الإلكترونية ذرى حادة وشامخة، في مقدمتها شهر رمضان الكريم.

خلال رمضان، يرتفع حجم المبيعات الإلكترونية في بعض القطاعات بنسبة تتجاوز مئة وخمسين بالمئة مقارنةً بالشهر العادي. المواطن الخليجي يشتري في رمضان ملابس وعطوراً ومقتنيات منزلية وهدايا وأطعمة بكميات تفوق كثيراً ما يشتريه في شهور أخرى. والمنصات التي تعدّ نفسها جيداً لهذا الموسم تحصد عائدات السنة في أسابيع.

اليوم الوطني لكل دولة، والأعياد، وعروض “الجمعة البيضاء” التي تحتفي بها المنطقة، كلها مناسبات باتت تُعلّق عليها المنصات آمالاً كبيرة. في بعض الأيام، تصل الطلبات إلى أرقام لا تُصدَّق في فترة قياسية، مما يضع البنية اللوجستية أمام اختبار صعب.


التحديات: الظل الذي يرافق النور

مع كل هذا الزخم، لا تخلو الصورة من تحديات حقيقية تستحق الإشارة.

الاحتيال الإلكتروني يبقى مصدر قلق. رغم تحسّن منظومات الأمن، يُسجَّل سنوياً حجم ضخم من عمليات الاحتيال المرتبطة بعمليات الشراء الرقمي في المنطقة. المستهلكون الجدد خاصةً يقعون ضحية لمواقع مزورة أو صفقات وهمية.

إشكالية الإرجاع تمثّل عبئاً تشغيلياً ثقيلاً. معدلات الإرجاع في قطاع الأزياء الخليجي مرتفعة جداً، وبعض المنصات تُشير إلى معدلات تتجاوز ثلاثين بالمئة في هذه الفئة. إدارة عمليات الإرجاع تُكلّف المنصات أموالاً طائلة وتُعقّد سلاسل التوريد.

الاستدامة البيئية بدأت تطرح نفسها كتساؤل مشروع. ملايين الطرود الورقية والبلاستيكية يومياً، وانبعاثات شاحنات التوصيل، أسئلة لا تزال في هامش الاهتمام الخليجي، لكنها ستتصدّر المشهد مع تصاعد الوعي البيئي عالمياً.

الهوّة الرقمية بين المدن والأرياف، وبين الأجيال، لا تزال قائمة. كبار السن والسكان في المناطق الأقل تطوراً يجدون أنفسهم خارج هذه الثورة، وهو ما يُمثّل من جهة سوقاً واعدة للمستقبل، ومن جهة أخرى مسؤولية اجتماعية للقطاع.


المستقبل: إلى أين يسير القطار؟

الاتجاهات المُقبلة تُشير إلى أن الثورة الصامتة لم تبلغ ذروتها بعد.

الذكاء الاصطناعي سيُعيد تشكيل تجربة التسوق الرقمي جذرياً. التوصيات الشخصية، وخدمة العملاء الآلية، والتنبؤ بالطلب، ستجعل المنصات أكثر قدرة على فهم المستهلك وتقديم ما يريده قبل أن يعرف هو أنه يريده.

التجارة المباشرة عبر البث المباشر (Live Commerce) تنمو بسرعة في آسيا وبدأت تشقّ طريقها للخليج. فكرة بيع المنتجات مباشرةً أثناء بث مباشر تجمع بين فكرة التسوق التلفزيوني القديمة وديناميكية وسائل التواصل الاجتماعي، وتبدو ملائمة جداً لثقافة الترفيه الخليجية.

الواقع المعزز سيُقلّص الهوّة بين التجربة الرقمية والفيزيائية. تجربة “الملابس افتراضياً”، أو رؤية كيف يبدو الأثاث في غرفتك قبل شرائه، ستُعالج أحد أكبر اعتراضات التسوق الرقمي.

الاقتصاد الخليجي المتنوّع الذي تسعى إليه رؤية 2030 وسواها من الخطط الوطنية سيُنتج شريحة وسطى أكبر وأكثر إنفاقاً، وهو ما يُشكّل وقوداً إضافياً لمحرك التجارة الإلكترونية.


خاتمة: الثورة في تفاصيل الحياة اليومية

الثورات الكبرى لا تُعلن عن نفسها دائماً بمشاهد درامية. أحياناً تسكن في لحظات صغيرة: في أم تطلب حليب الأطفال على تطبيقها وهي تُرضع طفلها، وفي شاب يشتري ساعة فاخرة لأبيه دون أن يغادر مكتبه، وفي ربّ أسرة يُقارن أسعار أجهزة التكييف بضغطة واحدة بدلاً من جولة مضنية بين المعارض.

التجارة الإلكترونية في الخليج ليست مجرد قناة بيع جديدة. هي إعادة تعريف لما يعنيه الشراء، ولمن يملك القرار، ولكيفية تقاطع المال مع الوقت والراحة. الأرقام الكبيرة مثيرة للإعجاب، لكنها في النهاية مجرد تعبير كمّي عن تحوّل نوعي عميق في عادات وثقافة وأولويات مجتمعات الخليج.

والثورة الصامتة هذه لا تزال تُكتب. وصفحاتها القادمة ستكون، على الأرجح، أكثر إثارة مما مضى.


هذه المقالة تعتمد على أرقام وبيانات متاحة من مصادر بحثية متعددة بما فيها ستاتيستا وبيكر ماكنزي وتقارير متخصصة في السوق الخليجية.

رابط المقالة القصير
مشاركة:
19 مشاهدة

اترك تعليقاً