مايو 15, 2026
اقتصاد

سام ألتمان:رجل ChatGPT والرهان على ذكاء اصطناعي آمن

bayanelm 5 1 دقيقة 0
سام ألتمان:رجل ChatGPT والرهان على ذكاء اصطناعي آمن

نقدم لكم مقالة بعنوان سام ألتمان: رجل ChatGPT والرهان على ذكاء اصطناعي آمن

من طفل متعطّش للمعرفة في سانت لويس، إلى رجل يمسك بزمام التقنية الأكثر إثارةً وإرباكاً في تاريخ البشرية — القصة الكاملة لمؤسس OpenAI

في مدينة سانت لويس بولاية ميسوري الأمريكية، وُلد عام ١٩٨٥ طفلٌ لم يكن يعلم أحد أنه سيصبح يوماً أحد أكثر الأشخاص تأثيراً في مسار البشرية. لم يكن ألتمان نجماً رياضياً، ولم يكن أشد الطلاب تميّزاً في مدرسته، لكنه كان يمتلك شيئاً نادراً: قدرةً على رؤية الأفق قبل أن يصل إليه أي أحد آخر. والآن، وبعد عقود من الطموح والعمل والرهانات الكبرى، يجد سام ألتمان نفسه في قلب عاصفة تاريخية اسمها الذكاء الاصطناعي.

اليوم، يتردد اسم “ChatGPT” على ألسنة الملايين في كل أنحاء العالم؛ يستخدمه الطلاب لكتابة مقالاتهم، والمهندسون لبرمجة تطبيقاتهم، والأطباء للبحث في الأدبيات الطبية، والكتّاب لاستيحاء أفكارهم. لكن وراء هذه الأداة التي غيّرت كيف يفكر العالم ويعمل، يقف رجل يحمل رؤية أعمق بكثير من مجرد برنامج محادثة: رجل يؤمن بأن الذكاء الاصطناعي قد يكون إما أعظم إنجاز في تاريخ الحضارة الإنسانية، أو أشد تهديداتها خطورة على الإطلاق.

✦ ✦ ✦

الفصل الأول: البداية: طفل الكمبيوتر من ميسوري

حين كان سام ألتمان في الثامنة من عمره، طلب من والديه جهاز Macintosh. لم يكن الطلب مجرد نزوة طفولية — كان بداية علاقة عشق مدى الحياة مع الحوسبة والبرمجة. درس في مدرسة John Burroughs الخاصة في سانت لويس، ثم التحق بجامعة ستانفورد لدراسة علوم الحاسب عام ٢٠٠٣. لكن ستانفورد لم تحتجزه طويلاً.

في عام ٢٠٠٥، وهو لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره، غادر ألتمان الجامعة — على خطى مؤسسي شركات التكنولوجيا الكبرى — ليؤسس شركته الأولى، Loopt، وهي تطبيق للمشاركة الاجتماعية للموقع الجغرافي. كان المفهوم قبل أوانه بسنوات: أن يعرف الناس أين يوجد أصدقاؤهم في الوقت الفعلي. اختار ألتمان ومشاركوه الانضمام إلى مسرّع الأعمال الشهير Y Combinator، ذلك البرنامج الذي كان في بداياته حينها. حصلت Loopt على تمويل جيد، وعملت لسنوات، لكنها بيعت في نهاية المطاف عام ٢٠١٢ بما يقارب ٤٣ مليون دولار — نجاح معتدل بمقاييس وادي السيليكون، لكنه كان كافياً لتثبيت اسم ألتمان كمستثمر ومؤسس جدير بالاهتمام.

◈ محطات في مسيرة ألتمان

  • ١٩٨٥: الولادة في مدينة شيكاغو، والنشأة في سانت لويس، ميسوري
  • ٢٠٠٣: الالتحاق بجامعة ستانفورد لدراسة علوم الحاسب
  • ٢٠٠٥: مغادرة الجامعة وتأسيس تطبيق Loopt مع شركائه
  • ٢٠١٢: بيع Loopt بـ٤٣ مليون دولار، والانتقال إلى عالم الاستثمار
  • ٢٠١٤: تعيينه رئيساً لـ Y Combinator، أكبر مسرّع أعمال في العالم
  • ٢٠١٥: المشاركة في تأسيس OpenAI مع إيلون ماسك وآخرين
  • ٢٠١٩: تحوّل OpenAI إلى نموذج ربحي محدود، وتولّيه رئاستها التنفيذية
  • ٢٠٢٢: إطلاق ChatGPT الذي يغير العالم في ديسمبر
  • ٢٠٢٣: إقالته المفاجئة وعودته الأسرع في نوفمبر

الفصل الثاني: صعود قيصر وادي السيليكون

في عام ٢٠١٤، جاء التحوّل الكبير حين عيّنه Paul Graham، أحد مؤسسي Y Combinator، رئيساً للمنظمة. كان غراهام يرى في ألتمان مزيجاً نادراً: الذكاء التقني، والبصيرة الاستثمارية، والقدرة على قراءة الأشخاص. لم يكن ألتمان مجرد مستثمر يدقق في الأرقام — كان يفهم ما يحرّك المؤسسين، لأنه كان واحداً منهم.

في Y Combinator، شكّل ألتمان المنظمة على صورته: طموحة، مستقبلية، مؤمنة بأن التكنولوجيا تستطيع حل أكبر مشاكل البشرية. مدّ نطاق الاستثمار ليشمل شركات في البيولوجيا التركيبية، والطاقة النووية، والرعاية الصحية — ليس فقط التطبيقات البرمجية. كان يؤمن بشيء قد يبدو ساذجاً للبعض: أن التكنولوجيا ليست مجرد وسيلة للثروة، بل أداة لتحرير البشر من قيود الندرة والمرض والجهل.

نحن على أعتاب تغيير أعمق مما شهدته البشرية في كل تاريخها المكتوب. ويجب أن نكون مستعدين.— سام ألتمان، مقابلة مع MIT Technology Review

في هذه الفترة، بدأت أفكار ألتمان حول الذكاء الاصطناعي تتبلور. كان يرى ما لا يراه كثيرون: أن النماذج اللغوية الكبيرة ليست مجرد أدوات إحصائية متطورة، بل قد تكون أجنّة لذكاء من نوع مختلف جوهرياً عن أي شيء أنتجته البشرية. وهذه الرؤية — المثيرة للخوف والأمل في آن معاً — ستقوده إلى أكبر مقامرة في حياته.

الفصل الثالث: ولادة OpenAI: حين التقى العقل بالضمير

في ديسمبر ٢٠١٥، أُعلن عن تأسيس OpenAI في مؤتمر صحفي أحدث ضجة هادئة لكن عميقة في أوساط التكنولوجيا. لم يكن المؤسسون مجرد مغامرين تقنيين — كانوا يمثلون قمة ما أنتجه وادي السيليكون: سام ألتمان، وإيلون ماسك، وغريغ بروكمان، وإيليا سوتسكيفر، وجون شولمان، وآخرون. تعهّدوا بتمويل يبلغ مليار دولار، وأعلنوا أن هدف المنظمة هو تطوير ذكاء اصطناعي “عام” — أي ذكاء يضاهي الذكاء الإنساني أو يتخطاه — لكن مع التزام أساسي بضمان سلامة هذه التقنية وخدمتها للإنسانية جمعاء.

كانت الفكرة في جوهرها تناقضاً مثيراً: مجموعة من أذكى الناس في مجال التكنولوجيا يجمعهم القلق من التكنولوجيا ذاتها التي يبنونها. أرادوا أن يكونوا هم من يصل أولاً، إيماناً بأن الخطر الأكبر ليس أن يُطوَّر الذكاء الاصطناعي، بل أن يُطوَّر دون رقابة وبلا ضمير.

غير أن العلاقة بين ألتمان وماسك — أبرز المؤسسَين — كانت محكوماً عليها بالتصدع. اختلف الرجلان حول مسار المنظمة: أراد ماسك السيطرة التنفيذية عليها، وأراد ألتمان الحفاظ على هيكلها التشاركي. انتهى الأمر بانسحاب ماسك من مجلس الإدارة عام ٢٠١٨، وتحوّله لاحقاً إلى أحد أشد منتقدي OpenAI وألتمان شخصياً — وهو صراع لم ينته حتى اليوم.

✦ ✦ ✦

الفصل الرابع: ChatGPT: اللحظة التي غيّرت كل شيء

في الثلاثين من نوفمبر ٢٠٢٢، أطلقت OpenAI برنامج ChatGPT للعموم. لم يكن الإطلاق احتفالياً بشكل لافت — مجرد “معاينة بحثية” على موقع الشركة، بلا حملة إعلانية ضخمة، بلا مؤتمر صحفي مبهر. لكن ما حدث بعدها غيّر الخطاب الإنساني حول التكنولوجيا بشكل لم تستطع أي شركة تقنية تحقيقه في التاريخ الحديث.

في خمسة أيام فقط، تجاوز عدد المستخدمين مليون شخص. في شهرين، وصل إلى مئة مليون — وهو رقم احتاجت TikTok تسعة أشهر للوصول إليه، واحتاج Instagram ما يقارب سنتين ونصف لتحقيقه. كان العالم يتفاعل مع شيء لم يختبره من قبل: محادثة طبيعية مع آلة تبدو وكأنها تفهم، تستدل، وتبدع.

نوفمبر ٢٠٢٢

إطلاق ChatGPT — مليون مستخدم في خمسة أيام

يناير ٢٠٢٣

مئة مليون مستخدم — أسرع نمو لتطبيق في التاريخ

مارس ٢٠٢٣

إطلاق GPT-4 — قفزة نوعية في القدرات تُذهل الخبراء

نوفمبر ٢٠٢٣

الأزمة الكبرى: إقالة ألتمان وعودته في أربعة أيام

٢٠٢٤

OpenAI تتجاوز قيمتها ١٥٠ مليار دولار وتطلق GPT-4o

أدرك ألتمان أن ChatGPT لم يكن مجرد منتج تجاري — كان لحظة كاشفة. أثبت للعالم أن الذكاء الاصطناعي التوليدي وصل إلى عتبة الاستخدام الشعبي. وللمرة الأولى، لم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على العلماء والمهندسين والمتحمسين التقنيين — أصبح في متناول الجميع، من ربّة البيت في الرياض إلى الطالب في لاغوس إلى المحامي في طوكيو.

أصعب ما في بناء الذكاء الاصطناعي ليس التقنية. أصعب شيء هو أن تبني شيئاً قوياً بما يكفي لتغيير العالم، وآمناً بما يكفي لألا يدمره.— سام ألتمان في خطابه أمام الكونغرس الأمريكي، مايو ٢٠٢٣

الفصل الخامس: الإطاحة والعودة: درامية لم يكتبها أحد

في الجمعة السابع عشر من نوفمبر ٢٠٢٣، صعق العالم التقني بخبر لم يتوقعه أحد: أعلن مجلس إدارة OpenAI إقالة سام ألتمان من منصبه الرئيسي التنفيذي. جاء البيان مقتضباً وغامضاً، متحدثاً عن “عدم صراحته الكاملة” مع المجلس — اتهام فضفاض لم يقدّم تفاصيل محددة. ارتبك الجميع: المستثمرون، والموظفون، والمراقبون، وحتى ميكروسوفت التي ضخّت ملايير الدولارات في الشركة.

لكن ما تلا ذلك كان أشبه بعمل دراماتيكي مكثّف في أربعة أيام فقط. احتجّ ما يقارب تسعمئة موظف من أصل ألف وثمانين موظفاً في الشركة في عريضة تطالب بعودة ألتمان، مهددين بالاستقالة الجماعية إن لم يتم ذلك. أعلنت ميكروسوفت على الفور استعدادها لتوظيف ألتمان وفريقه. انهار مجلس الإدارة القديم تحت الضغط. وفي الثاحد والعشرين من نوفمبر، عاد ألتمان إلى منصبه برئيس تنفيذي — هذه المرة بمجلس إدارة جديد ومصلحة أوسع.

كشفت الأزمة عن التوترات العميقة في داخل OpenAI: التوتر بين من يؤمنون بأن الشركة تتحرك بسرعة خطيرة في تطوير تقنيات لم تُفهم كامل مخاطرها، ومن يرون أن التوقف أو التباطؤ يعني التنازل عن الريادة لمنافسين قد يكونون أقل مبالاة بمعايير السلامة. ألتمان كان يقع في المنتصف — أو هكذا يصف نفسه — رجل يريد المضي قدماً، لكن بمسؤولية.

الفصل السادس: رهان السلامة: أكثر من علاقات عامة

ما يجعل شخصية ألتمان مثيرة للجدل حقاً هو موقفه من سلامة الذكاء الاصطناعي. يدّعي منتقدوه أن خطابه عن “الذكاء الاصطناعي الآمن” ليس أكثر من تسويق ذكي، غطاء خطابي يخفي شهوة ربحية وتنافسية لا تختلف عن أي شركة تقنية أخرى. يردّ ألتمان بأن المنطق وحده يفرض الاهتمام بالسلامة: إذا كنت تؤمن فعلاً بأن ما تبنيه قد يكون الأقوى في التاريخ، فالسلامة ليست خياراً أخلاقياً فحسب — إنها ضرورة وجودية.

أسّست OpenAI في عهده فريقاً كاملاً للسلامة “Superalignment”، وأعلنت عزمها تخصيص ٢٠٪ من طاقتها الحوسبية لأبحاث السلامة على المدى البعيد. وعلى الرغم من أن الفريق فقد قياداته الرئيسية لاحقاً وسط خلافات داخلية، يصر ألتمان على أن الشركة مستمرة في استثماراتها في هذا المجال.

◈ ما الذي يخشاه ألتمان؟

  • ذكاء اصطناعي عام يتجاوز قدرة البشر على فهمه أو توجيهه
  • استخدام الذكاء الاصطناعي من قِبل جهات خبيثة لأسلحة بيولوجية أو كيميائية
  • تمركز القوة في يد شركة أو دولة واحدة تسيطر على الذكاء الاصطناعي
  • تسارع التطور التقني بما يفوق قدرة المؤسسات الاجتماعية على التكيّف
  • الإزاحة الجماعية لفرص العمل بوتيرة أسرع مما تستطيع المجتمعات استيعابه

في عام ٢٠٢٣، مثل ألتمان أمام الكونغرس الأمريكي في جلسة استماع تاريخية، وطالب بنفسه بتنظيم حكومي للذكاء الاصطناعي — موقف لافت من رئيس تنفيذي لشركة يتناقض مع المصلحة التجارية الضيقة. قال للمشرّعين إن الذكاء الاصطناعي “يمكن أن يكون تقنية محورية في عهدنا” لكنه يحتاج إلى إشراف. وطاف بعدها في جولة دبلوماسية غير رسمية زار فيها عشرات الدول، مجتمعاً برؤساء حكومات وملوك ومشرّعين — مبشّراً بضرورة التفكير الجماعي في مستقبل هذه التقنية.

✦ ✦ ✦

الفصل السابع: الرجل وراء الأسطورة: شخصية متناقضة

من يتابع سام ألتمان عن قرب يصطدم بشخصية أكثر تعقيداً مما تصوّره الصورة العامة. ثمة ألتمان الرائي، الذي يتحدث بثقة مذهلة عن مستقبل يرى ملامحه بوضوح حيث يُخفق الآخرون. وثمة ألتمان التاجر البارع، الذي وجّه OpenAI نحو نموذج ربحي وشراكات استراتيجية بقيمة مليارات الدولارات مع ميكروسوفت، مع الإبقاء على خطاب المنظمة غير الربحية في واجهتها.

يصفه من عملوا معه بأنه مستمع استثنائي — يجعلك تشعر أنك الشخص الوحيد في الغرفة حين يكلمك. لكن المنتقدين يرون في هذه الكاريزما أداةً للإقناع أكثر منها صفة أخلاقية. يقضي وقتاً طويلاً في القراءة — كل شيء من الفيزياء النظرية إلى الفلسفة السياسية إلى الأنثروبولوجيا. ويُشاع أنه يطرح في محادثاته الخاصة تساؤلات وجودية صادقة حول طبيعة ما يبنيه.

ألتمان لم يخفِ أفكاره الجريئة. يؤمن بأن الذكاء الاصطناعي قد يقضي على الفقر المدقع في غضون جيل واحد. يرى إمكانية أن يصبح متوسط الإنسان يوماً ما يعادل قدرات فريق كامل من أمهر العلماء، إذا ما كان بإمكانه استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل فعّال. ويتحدث عن “الذكاء الاصطناعي الفائق” — الذكاء الذي يتخطى أفضل العقول البشرية في كل مجال — ليس كخيال علمي بل كحقيقة قادمة يجب الاستعداد لها.

أعتقد أن الأجيال القادمة ستنظر إلى هذه الحقبة كلحظة انعطاف كبرى، مثلما ننظر نحن اليوم إلى اختراع الكهرباء أو اكتشاف المضادات الحيوية.— سام ألتمان في مقابلة مع Lex Fridman

الفصل الثامن: المنافسة والمعركة الكبرى

لا تعمل OpenAI في فراغ. يواجه ألتمان منافسة شرسة من كل الاتجاهات. جوجل، العملاق الذي استيقظ متأخراً من صدمة ChatGPT، تضخّ موارد هائلة في نماذجها Gemini. ميتا تطلق نماذج مفتوحة المصدر تُقلّص ميزة OpenAI التقنية. Anthropic، التي أسّسها ضابط السلامة السابق في OpenAI داريو أمودي وأخته دانييلا، تقدم نفسها كبديل أكثر مسؤولية. وxAI التابعة لإيلون ماسك — الخصم الشخصي لألتمان — تضخّ ملياراتها في منافسة صريحة.

يرد ألتمان على هذه المنافسة بثقة واضحة، مؤكداً أن OpenAI تملك ميزة الريادة والتراكم المعرفي التي لا تُشترى بالمال. لكن المراقبين يُشيرون إلى أن فجوة القدرات التقنية بين الشركات الكبرى تضيق بشكل متسارع، وأن السباق يتحوّل من “من يبني الأقوى” إلى “من يبني الأسهل استخداماً والأكثر تكاملاً مع حياة الناس”.

على الصعيد الجيوسياسي، يدرك ألتمان أن المنافسة مع الصين تلوح في الأفق بقوة. واشنطن وبكين تتسابقان في هذا الميدان كما تسابقتا في الفضاء وفي الأسلحة النووية. وألتمان يرى أن فوز الولايات المتحدة في هذا السباق يستلزم أكثر من الاستثمار التقني — يستلزم قواعد وأخلاقيات وضوابط تجعل النموذج الأمريكي مقبولاً ومعتمداً على مستوى عالمي.

الفصل التاسع: رأس المال والمسؤولية: مفارقة OpenAI

تأسست OpenAI كمنظمة غير ربحية. لكنها في عام ٢٠١٩ حوّلت جزءاً منها إلى كيان ربحي “محدود” — أي أن عائدات المستثمرين محدودة بحد أقصى يفوق استثماراتهم عدة مرات، وما يتبقى يعود نظرياً للمنظمة غير الربحية. كان الهدف تمكين الشركة من جذب رأس المال الضخم الذي تتطلبه الحوسبة العملاقة، مع الإبقاء على المهمة الأخلاقية.

لكن مع وصول تقييم الشركة إلى ما يتجاوز مئة وخمسين مليار دولار، وتدفق استثمارات بعشرات المليارات، يتساءل كثيرون: هل لا تزال “السلامة” هي البوصلة الحقيقية؟ أم أن ديناميكيات السوق والمستثمرين باتت تفرض منطقها الخاص؟ يجيب ألتمان بأن النموذج الحالي هو الطريق الوحيد لتمويل الأبحاث الطموحة التي تتطلبها المهمة — أن الفقر المعرفي لا يُنتج ذكاءً اصطناعياً آمناً.

◈ OpenAI بالأرقام

  • تقييم الشركة تجاوز ١٥٠ مليار دولار في عام ٢٠٢٤
  • أكثر من مئتي مليون مستخدم نشط شهرياً لـ ChatGPT
  • شراكة مع ميكروسوفت بما يتجاوز ثلاثة عشر مليار دولار
  • أكثر من ألفين وخمسمئة موظف حول العالم
  • تمتلك الشركة بعض من أضخم مجمّعات الحوسبة على وجه الأرض

الفصل العاشرما الذي يراه ألتمان في الأفق؟

في المحادثات الخاصة وفي التصريحات العلنية، يتحدث ألتمان عن مستقبل يراه قريباً بشكل يجعل المستمع يتردد بين الإعجاب والقلق. يتحدث عن “الذكاء الاصطناعي الفائق” الذي قد يصل خلال سنوات — لا عقود — وعن لحظة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي قادراً على اكتشافات علمية بشكل مستقل، وعلاج أمراض ظل الطب عاجزاً عنها لقرون، وحل معضلات الطاقة والمناخ التي تهدد كوكبنا.

لكنه في الوقت ذاته يتحدث عن مخاطر حقيقية لا يصنّفها في خانة الخيال العلمي: احتمال أن تُستخدم هذه التقنية من قِبل جهات تسعى لتركيز السلطة بشكل غير مسبوق، وخطر ظهور أنظمة تحقق أهدافها بطرق لم تقصدها لا هي ولا مصمموها. هذا ما يسميه مجتمع سلامة الذكاء الاصطناعي “مشكلة التوافق” — ضمان أن يبقى الذكاء الاصطناعي الفائق متوافقاً مع القيم الإنسانية حتى حين يتخطى القدرات الإنسانية.

يرى ألتمان أن الحل يكمن في إعادة توزيع الثروة التي سيخلقها الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع — وهو مؤيد صريح لمفهوم الدخل الأساسي الشامل. كما يدعو إلى حوكمة دولية مشتركة لهذه التقنية، على نحو مماثل — وإن كان ناقصاً — لكيفية تناول العالم للأسلحة النووية والتغير المناخي. لكنه يُقرّ بأن الفجوة بين ما هو ضروري وما هو متاح سياسياً لا تزال شاسعة.

✦ ✦ ✦

خاتمةرجل في عين العاصفة

في نهاية المطاف، ما يجعل سام ألتمان شخصية تاريخية حقيقية — بمعزل عن الحكم عليه — هو أنه يقف عند نقطة تقاطع فريدة: إنسان يؤمن فعلاً بأنه يصنع شيئاً قد يُعيد تشكيل ما معنى أن تكون إنساناً، ويحمل في الوقت ذاته مسؤولية عملية وتجارية وأخلاقية لا نظير لها في تاريخ رجال الأعمال الحديثين.

قد يكون الذكاء الاصطناعي الآمن الذي يبشّر به مجرد رؤية رومانسية في مواجهة قوى السوق. وقد تثبت الأحداث أن المنطق التنافسي — مع الصين ومع المنافسين في الغرب — سيدفع الجميع إلى التسابق بلا توقف، متجاهلين التحذيرات الخاصة بالسلامة. أو ربما — وهذا هو رهان ألتمان الكبير — يكون ممكناً بناء تقنية الألف مليار دولار مع الحفاظ على ضمير إنساني في جوهرها.

التاريخ هو من سيحكم. لكن ما هو مؤكد الآن هو أن سام ألتمان، ابن سانت لويس الذي ترك الجامعة في التاسعة عشرة بحثاً عن مستقبل أوضح، بات يحمل على كتفيه وزن مستقبل لم نر منه بعد سوى مقدماته. وهذا، في حد ذاته، قصة تستحق أن تُروى.

— ◆ —

رابط المقالة القصير
مشاركة:
5 مشاهدة

اترك تعليقاً