مايو 15, 2026
شخصيات

نيلسون مانديلا: الرجل الذي حول سبعة وعشرون عامًا خلف القضبان الى منبر للحرية

bayanelm 2 1 دقيقة 0
نيلسون مانديلا: الرجل الذي حول سبعة وعشرون عامًا خلف القضبان الى منبر للحرية

نيلسون مانديلا: الرجل الذي حول سبعة وعشرون عامًا خلف القضبان الى منبر للحرية

في الثاني عشر من يونيو عام 1964، أُغلق باب زنزانة رقم 5 في جزيرة روبن، وخلفه رجلٌ في السادسة والأربعين من عمره، يحمل في عينيه نارًا لا تُطفئها القضبان. لم يكن نيلسون مانديلا مجرد سجين سياسي، بل كان فكرةً حيّةً حاول النظام العنصري الجنوب أفريقي أن يحبسها بين جدران الجرانيت والبحر المالح. لكن الأفكار لا تعرف السجون، والتاريخ أثبت أن سبعةً وعشرين عامًا من الأسر لم تكسر رجلًا، بل صنعت أسطورة.


البداية: من المحامي إلى المقاوم

وُلد نيلسون روليهلاهلا مانديلا في الثامن عشر من يوليو 1918، في قرية مفيزو الصغيرة بمنطقة ترانسكاي، جنوب أفريقيا. كان والده زعيمًا قبليًا من قبيلة الثيمبو، وقد منح الطفلَ نشأةً تجمع بين العرف الأفريقي الأصيل والتعليم الغربي. درس مانديلا القانون في جامعة فيتواترسراند، وأسّس مع صديقه أوليفر تامبو أول مكتب محاماة يديره أفارقة في جوهانسبرغ، ليجد نفسه يوميًا وجهًا لوجه أمام الوجه الأكثر قسوةً للفصل العنصري: المحاكم التي تُقرّ الظلم بدلًا من أن تُحاربه.

انضمّ مانديلا إلى المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) مبكرًا، وأسّس عام 1944 رابطة الشباب داخل الحركة، مؤمنًا بأن التغيير يبدأ من الجيل الجديد. في البداية، تبنّى مانديلا النهجَ السلمي، منظّمًا حملات عصيان مدني ومقاطعة. لكن حين جاء يومُ شاربفيل في مارس 1960، وسقط تسعة وستون أفريقيًا بالرصاص الحي في ظهورهم وهم يهربون من قوات الشرطة، أدرك مانديلا أن السلمية وحدها لن تكسر نظامًا يعتمد العنفَ دستورًا.

شكّل مانديلا عام 1961 الجناحَ المسلح للمؤتمر الوطني الأفريقي، المعروف بـ”رمح الأمة”، مُعلنًا أن المقاومة ستأخذ أشكالًا جديدة. كان مدركًا تمامًا أنه يضع قدمه على طريق لا يعرف نهايته.


محاكمة ريفونيا: عندما يصبح قفص الاتهام منبرًا للتاريخ

في أغسطس 1962، اعتُقل مانديلا بتهمة مغادرة البلاد بصورة غير مشروعة والتحريض على الإضراب. لكن السلطات لم تكن راضيةً بهذه التهم الصغيرة؛ ففي عام 1963، داهمت الشرطة مزرعة ليليسليف في ريفونيا، واعتقلت قيادات المؤتمر الوطني، وأضافت إلى قضية مانديلا تهمةً أشد خطورةً: التآمر للإطاحة بالحكومة، وهي تهمة يُعاقب عليها بالإعدام.

في ذلك المحكمة، في أبريل 1964، قام مانديلا وألقى بيانًا سيبقى محفورًا في ذاكرة الإنسانية. قال بصوت هادئ وحازم:

“لقد ناضلتُ ضد الهيمنة البيضاء، وناضلتُ ضد الهيمنة السوداء. لقد عشتُ حياتي مكرسًا للنضال من أجل المثل الأعلى لمجتمع ديمقراطي وحر يعيش فيه جميع الأشخاص في وئام ومع تكافؤ الفرص. إنه مثلٌ أعلى أتمنى أن أعيش من أجله وأن أحققه. لكن إن كان الأمر يستدعي ذلك، فهو مثلٌ أعلى أنا مستعدٌ للموت من أجله.”

لم يُنفَّذ فيه حكم الإعدام؛ ولا أحد يعلم إن كان ذلك بفضل الضغط الدولي أم بحسابات سياسية. غير أن الحكمَ الذي صدر لم يكن أقل قسوةً: السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة.


جزيرة روبن: الجحيم الرمادي

كانت جزيرة روبن، الواقعة على بُعد اثني عشر كيلومترًا من شواطئ كيب تاون، سجنًا بني ليكون منسيًا. الرياح الباردة القادمة من المحيط الأطلسي لا ترحم، والجدران السميكة تبتلع الأصوات، والحراس مُدرَّبون على تحويل كل لحظة إنسانية إلى إذلال مُمنهج.

وصل مانديلا إلى الجزيرة وهو يعلم أنه سيُعامَل بوصفه أخطر مجرم في جنوب أفريقيا. خُصّصت له زنزانة بمساحة مترين ونصف في مترين، بدون سرير في البداية، ينام على حصير بارد. كان يُمنح شورتًا وقميصًا بدون جوارب حتى في الشتاء، فيما كان السجناء البيض يتلقون بناطيل طويلة وجوارب وجرايات غذائية أكبر. كان الفصل العنصري يمتد حتى داخل جدران السجن.

العمل اليومي كان في المحاجر، حيث كان السجناء يكسرون الحجارة الصلبة تحت الشمس الحارقة صيفًا، وتحت البرد القارس شتاءً. الغبار الأبيض الذي كان يتصاعد من الحجارة أضرّ بأبصار كثيرين، ومنهم مانديلا نفسه الذي عانى لاحقًا من مشاكل في عينيه. كانت السلطات ترفض منحهم نظارات شمسية حمايةً لهم، وكأن العمى كان عقوبةً إضافيةً مُضمَرة.


السجن الذي لم يسجن الروح

ما أذهل العالم لاحقًا ليس أن مانديلا صبر سبعةً وعشرين عامًا، بل كيف أدار هذه السنوات. في جزيرة روبن وسجن بولسمور لاحقًا، حوّل مانديلا السجنَ إلى فصل دراسي، ومجلسَ قيادة، ومدرسة للكرامة الإنسانية.

السجن كمدرسة: بات يُعرف سجن جزيرة روبن بـ”جامعة مانديلا”، إذ نظّم مانديلا ورفاقه دراسةً منهجيةً داخل الزنازين. كانت الكتب تُهرَّب بشق الأنفس، والدروس تُلقى همسًا خشيةَ الحراس. رفع مانديلا نفسه دعوى قانونية ليحصل على حق الدراسة، ونال شهادة الدكتوراه في القانون من جامعة لندن وهو خلف القضبان.

مانديلا القائد داخل السجن: لم يتخلَّ مانديلا عن دوره القيادي للحظة واحدة. حين وصل سجناء شباب جدد إلى الجزيرة، شاحبو الوجوه مكسوري الإرادة، كان مانديلا أول من يستقبلهم بهدوء ويرمم كبرياءهم. كان يذكّرهم بأن السجن مرحلة، وأن الحرية قادمة لا محالة. قيادته لم تكن بالخطب، بل بالصمود الهادئ والكرامة التي لا تنحني.

مفاوضات داخل القضبان: في السنوات الأخيرة من أسره، بدأت الحكومة الجنوب أفريقية تُرسل مسؤولين للتفاوض سرًا مع مانديلا، مدركةً أن استمرار الأزمة يسحق الاقتصاد ويُعرّض البلاد للعزلة الدولية. كان مانديلا يفاوضهم من موقع القوة لا الضعف، دون أن يتخلى عن مبدأ واحد من مبادئه.


وينيّ: الحب الذي اختبره السجن

لا يمكن الحديث عن سجن مانديلا دون الحديث عن وينيّ مانديلا، زوجته التي حملت النضال خارج القضبان. تزوّجا عام 1958، وما إن مضت سنواتٌ قليلة حتى صار لقاؤهما لا يتجاوز ثلاثين دقيقة مرة كل ستة أشهر، خلف حاجز زجاجي، وبحضور حارس يراقب كل كلمة.

حُرمت وينيّ هي الأخرى من حريتها؛ نُفيت إلى مدينة براندفورت النائية، وخضعت لمراقبة مستمرة، واعتُقلت مرات عدة. كانت الرسائل بينهما تُصادَر أو تُؤخَّر أشهرًا. ومع ذلك، بقيت وينيّ صوتَ مانديلا في الخارج، تحمل اسمه لواءً في مسيرات لا تحصى.

كتب مانديلا في مذكراته أن أشد لحظات السجن إيلامًا لم تكن المحاجر ولا الزنازين الباردة، بل كانت حين علم بوفاة والدته دون أن يستطيع توديعها، وحين توفي ابنه الأكبر في حادث سيارة دون أن يستطيع حضور جنازته. الجدران التي حبسته لم تكن الحجر والحديد فحسب، بل كانت كل لحظة حياة عاشها من يُحبهم بعيدًا عنه.


العالم لا ينسى: ضغط دولي لا يهدأ

طوال سنوات الأسر، لم يكن مانديلا منسيًا. على العكس تمامًا، تحوّل اسمه إلى رمز عالمي يوحّد حول قضيته أكثر الناس تباينًا: حركات حقوق المدنية في أمريكا، والأحزاب اليسارية في أوروبا، والنقابات العمالية في بريطانيا، والشعوب المُستعمَرة في أفريقيا وآسيا.

أُقيمت حفلات موسيقية عملاقة باسم مانديلا في استاد ويمبلي عام 1988، بثّتها محطات تلفزيونية لمئات الملايين حول العالم. فُرضت عقوبات اقتصادية على جنوب أفريقيا، وأُبعدت عن الألعاب الأولمبية والمحافل الدولية. كانت العزلة تضيق على نظام الفصل العنصري كما يضيق الطوق على العنق.

حتى داخل جنوب أفريقيا، اشتعلت المقاومة أكثر فأكثر. انتفاضة عام 1976 في سويتو، حيث واجه طلابٌ بصدورهم العارية رصاصَ الشرطة، كانت جيلًا جديدًا يحمل لواء النضال بدماء جديدة. لم يكن مانديلا ينتظر خلف القضبان؛ كان العالم كله يُقاتل من أجله.


العروض والرفض: حين يكون الشرف أغلى من الحرية

عرضت عليه الحكومة الإفراجَ عنه أكثر من مرة، في كل مرة مشروطًا. في يناير 1985، أعلن الرئيس بيتا بوتا استعداده لإطلاق سراح مانديلا شرطَ أن يتخلى عن العنف. ردّ مانديلا من داخل السجن برسالة قرأتها ابنته زيندزي علنًا في تجمع حاشد:

“ما هي الحرية التي تُقدَّم لي بينما تبقى منظمة شعبي محظورة؟ ما هي الحرية التي تُقدَّم لي بينما لا يزال شعبي يعاني في القهر والفقر؟… لقد اخترتُ ألا أبيع روحي.”

رفع مانديلا شرطًا واحدًا لقبول أي مفاوضات: رفعُ الحظر عن المؤتمر الوطني الأفريقي وإطلاق سراح السجناء السياسيين كافة. لم يتنازل عن هذا الشرط حتى تحقّق.


يوم الحرية: الحادي عشر من فبراير 1990

في الحادي عشر من فبراير 1990، فتحت بوابة سجن فيكتور فيرستر، وخرج منها رجلٌ في الحادية والسبعين من عمره، يمشي بخطى ثابتة، ويده اليسرى مرفوعةً في قبضة. بجانبه وينيّ. خلفه سبعة وعشرون عامًا. أمامه أمة بأكملها تنتظر.

حين وقف أمام الحشود الهادرة في ميدان كيب تاون، لم يتحدث بمرارة، ولم يتشفَّ، ولم يدعُ إلى انتقام. تحدث عن السلام وعن الديمقراطية وعن جنوب أفريقيا التي يريدها وطنًا للجميع. كان العالم يبكي، وكان هو يبتسم.


ما بعد السجن: الانتصار الأعظم

خرج مانديلا من السجن ليكون أكثر هيبةً مما دخله. في عام 1994، انتخبه شعب جنوب أفريقيا في أول انتخابات ديمقراطية في تاريخ البلاد، ليصبح أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا. لم يكتفِ بالانتصار، بل أسّس لجنة “الحقيقة والمصالحة” التي منحت الجلادين فرصة الاعتراف مقابل العفو، واختار الشفاء على الانتقام.

كان يمكنه أن يُقيم محاكم ثورية وأن يُحاكم كل من آذاه وآذى شعبه. اختار بدلًا من ذلك أن يكسر دائرة الكراهية التي كانت ستُورثها للأجيال القادمة. في ذلك كان ربما أعظم إنجازاته على الإطلاق.

حين سُئل ذات مرة كيف لم تملأه سنواتُ السجن الطويلة كراهيةً وحقدًا، أجاب: “حين مشيتُ نحو بوابة الحرية، أدركتُ أنني إن تركتُ الكراهية والمرارة تسكنانني، فسأظل سجينًا إلى الأبد.”


الإرث: ما تعلّمه العالم من رجل في زنزانة

يُعلّمنا مانديلا أن السجن الحقيقي هو سجن الفكر والروح، وأن الأجساد قد تُحبس لكن الإرادة لا تُستعبد. يُعلّمنا أن القيادة الحقيقية لا تقاس بالسلطة بل بالصمود والمبدأ. يُعلّمنا أن العدالة قد تتأخر لكنها لا تُهزم إذا كان من يطلبها مستعدًا لدفع الثمن.

سبعة وعشرون عامًا أرادت أن تمحو رجلًا فخلقت بدلًا منه رمزًا لا يموت. روبن آيلاند أرادت أن تكون نقطة نهاية فكانت نقطة بداية. والرجل الذي دخل السجن محاميًا شابًا خرج منه زعيمًا يحمل حلم أمة بأكملها، ليُعلّم العالم كله درسًا واحدًا لا يُنسى: أن الحرية في النهاية لا تُهزم.

رابط المقالة القصير
مشاركة:
2 مشاهدة

اترك تعليقاً