مايو 15, 2026
شخصيات

نواف سلام: الدبلوماسي اللبناني الذي وصل قمة العدالة الدولية

bayanelm 3 1 دقيقة 0
نواف سلام: الدبلوماسي اللبناني الذي وصل قمة العدالة الدولية

نواف سلام: الدبلوماسي اللبناني الذي وصل قمة العدالة الدولية

رجل في مفترق التاريخ

في عالمٍ تتشابك فيه الأزمات وتتصادم فيه المصالح، نادراً ما يجمع رجلٌ واحد بين حدّة القانونيّ وبُعد نظر الدبلوماسي ورصانة الأكاديميّ وشجاعة السياسيّ. غير أن نواف سلام يُمثّل نموذجاً استثنائياً من هذه النماذج النادرة؛ رجل خرج من بيروت الجريحة ليصل إلى قمّة هيئة قضائية تُعدّ الأعلى في العالم، ثم ليعود إلى وطنه رئيساً للحكومة في أحد أصعب فصول تاريخه المعاصر.

وُلد نواف عبد الله سليم سلام في الخامس عشر من ديسمبر عام 1953 في بيروت، في عائلة حملت لواء الفكر والسياسة منذ مطلع القرن العشرين. ومنذ طفولته المبكرة، تشرّب قيم الانتماء إلى دولة القانون والمؤسسات، وهي قيم لم تُغادره طوال مسيرته الحافلة التي امتدت عبر قارات وحقب متعاقبة. لم يكن نواف سلام مجرد موظف في هيئات دولية، بل كان في كل موقع يشغله صاحب رؤية وموقف، يُشكّل الحدث ولا يكتفي بمتابعته.

تتبع هذه المقالة مسيرة هذا الرجل من جذوره العائلية العريقة، مروراً بتكوينه الأكاديمي الاستثنائي، وصولاً إلى سنوات العمل الدبلوماسي والقضائي، وانتهاءً بتكليفه بقيادة لبنان في مرحلة بالغة الحساسية.


أولاً: الجذور العائلية — إرث السياسة والمسؤولية

لا يمكن فهم نواف سلام بمعزل عن العائلة التي أنجبته. آل سلام واحدة من أعرق العائلات البيروتية، ذات تاريخ سياسي وإصلاحي يمتد لأجيال. جدّه لأبيه، سليم علي سلام، لم يكن مجرد رجل ثروة، بل كان فاعلاً سياسياً من الطراز الأول؛ تولّى رئاسة بلدية بيروت وشغل مقعداً نيابياً في مجلس “المبعوثان” العثماني في إسطنبول، وكان أحد مؤسسي الحركة الإصلاحية في بيروت المناهضة للسياسات التركية في المشرق العربي.

هذا الإرث النضالي لم ينقطع مع الأجيال التالية. عمّه الكبير، الزعيم صائب سلام، دخل صفحات التاريخ اللبناني بحروف بارزة؛ إذ ناضل ضد الانتداب الفرنسي من أجل استقلال لبنان، وتولّى رئاسة الحكومة اللبنانية أربع مرات بين عامَي 1952 و1973، وكان موقفه السيادي راسخاً في كل المنعطفات. وفي الجيل الذي تلاه، تولّى ابن عمّه تمام سلام رئاسة الحكومة اللبنانية بين عامَي 2014 و2016.

أما والده عبد الله سلام، فقد اختار طريق الأعمال ليخدم وطنه بطريقة مختلفة؛ إذ كان أحد مؤسسي شركة طيران الشرق الأوسط، الشركة الوطنية اللبنانية للطيران، ومثّل العائلة في مجلس إدارتها من عام 1956 حتى 1983. هذه الخلفية العائلية المتشعبة بين السياسة والأعمال والنضال الوطني شكّلت الوجدان المبكر لنواف سلام، وزرعت فيه الإحساس بأن الخدمة العامة ليست مجرد وظيفة، بل رسالة وأمانة.

غير أن ما يُميّز نواف سلام هو أنه مع احترامه العميق لهذا الإرث، أبى أن يكون مجرد امتداد طبيعي لعائلته، فسعى إلى بناء صرح معرفي وأكاديمي خاص به، يُضفي على انتمائه السياسي عمقاً علمياً نادراً.


ثانياً: التكوين الأكاديمي — رحلة بين بيروت وباريس وهارفرد

إذا كان للعائلة الفضل في غرس قيم المسؤولية، فإن للتحصيل العلمي الفضل في تشكيل أداة نواف سلام الفكرية التي مكّنته من بلوغ المراتب العليا. وهي رحلة أكاديمية لافتة بكل المقاييس، جمعت بين أعرق المؤسسات التعليمية في العالم.

بدأ سلام تحصيله الجامعي في بيروت، حيث نال إجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية عام 1984. لكنه لم يكتفِ بذلك، إذ انطلق في رحلة معرفية أوسع اصطحبته إلى باريس أولاً، حيث التحق بجامعة السوربون العريقة ونال منها دكتوراه في التاريخ عام 1979، ثم قضى سنوات في التدريس فيها كمحاضر في التاريخ المعاصر بين عامَي 1979 و1981. وفي السوربون ذاتها عمل باحثاً مشاركاً في مركز تاريخ الإسلام المعاصر بين عامَي 1984 و1985.

لم تُشبع باريس فضوله الأكاديمي، فعبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة، حيث التحق بجامعة هارفرد الشهيرة باحثاً زائراً بين عامَي 1989 و1990، وعاد إليها لينال شهادة الماجستير في القانون عام 1991 من كلية الحقوق المرموقة. وخلال إقامته الأمريكية، عمل مستشاراً قانونياً في شركة “Edwards & Angell” للاستشارات القانونية في مدينة بوسطن بين عامَي 1989 و1992.

الحلقة الأكاديمية اكتملت عام 1992، حين نال درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من معهد الدراسات السياسية في باريس (Sciences Po)، أحد أرقى مؤسسات العلوم السياسية في العالم. وهكذا جمع نواف سلام بين تكوين قانوني صارم من بيروت وهارفرد، وتكوين تاريخي وسياسي معمّق من السوربون وباريس، مما منحه قدرة نادرة على الجمع بين الفكر النظري والتطبيق العملي.

لم يقتصر عطاؤه الأكاديمي على التلقّي؛ فقد أسهم في الإنتاج المعرفي بسخاء، ونشر عدداً كبيراً من المؤلفات والمقالات في مجالات القانون الدولي والدستوري والسياسة والتاريخ. ومن أبرز كتبه: “الإصلاح الممكن والإصلاح المنشود، بحوث ومقالات في الأزمة اللبنانية” الصادر عام 1989، و”أبعد من الطائف: مقالات في الدولة والإصلاح” عام 1998، و”الحالة اللبنانية: الطوائف، المواطن، الدولة” عام 1998، فضلاً عن “خيارات للبنان” عام 2004، و”لبنان في مجلس الأمن 2010-2011″ عام 2012. كما نشر بحثه “المجتمع المدني في العالم العربي: الأبعاد التاريخية والسياسية” ضمن برنامج الدراسات القانونية الإسلامية بكلية الحقوق في هارفرد عام 2002.

هذا الإرث المعرفي الغزير يكشف رجلاً لم يتعامل مع مهنته كوظيفة فحسب، بل كمشروع فكري متواصل، يسعى من خلاله إلى فهم لبنان وإصلاحه.


ثالثاً: الممارسة القانونية — من بيروت إلى بوسطن

قبل أن تُفتح أمام نواف سلام أبواب الدبلوماسية الدولية، مرّ بمرحلة ممارسة قانونية شكّلت له أرضية صلبة من الخبرة العملية. بدأ مساره المهني في مجال القانون عام 1984 محامياً بالاستئناف وعضواً في نقابة المحامين في بيروت، حيث اشتغل مستشاراً وممثلاً للعديد من الهيئات الدولية والمحلية العامة والخاصة في فترتين متقطعتين (1984-1989) و(1992-2007).

وبين هاتين الفترتين، خاض تجربة العمل القانوني الدولي في أمريكا، إذ أقام في بوسطن بين عامَي 1989 و1992 ممثلاً قانونياً لعدد من المؤسسات الدولية. هذه التجربة الأمريكية لم تكن مجرد تجربة مهنية عابرة، بل كانت فرصة للتعمق في الممارسة القانونية الأنجلوسكسونية وفهم آليات عمل المؤسسات الدولية من الداخل.

كذلك أسهم نواف سلام في العمل الاستشاري الوطني، فانتخب عضواً في المكتب التنفيذي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان بين عامَي 1999 و2002، وعمل عضواً في اللجنة الوطنية اللبنانية لليونسكو في المرحلة نفسها. وعام 2005، عيّنه مجلس الوزراء اللبناني عضواً ومقرراً في الهيئة الوطنية لإصلاح قانون الانتخابات، حيث أسهم إسهاماً محورياً في إعداد مسودة قانون انتخابي جديد في أعقاب انتهاء الوجود العسكري السوري في لبنان. وقدّمت تلك الهيئة، التي عُرفت بـ”لجنة بطرس”، اقتراحاً قانونياً عام 2006 اشتمل على إصلاحات جوهرية من أبرزها اعتماد نظام انتخابي مختلط.


رابعاً: الدبلوماسية في الأمم المتحدة — عشر سنوات في قلب العالم

عام 2007، انفتح أمام نواف سلام أفق جديد حين عُيّن سفيراً وممثلاً دائماً للبنان لدى منظمة الأمم المتحدة في مدينة نيويورك، ليبدأ بذلك مرحلة دبلوماسية استمرت حتى عام 2017، شكّلت نقطة التحول الكبرى في مسيرته.

في هذا المنصب الرفيع، وجد نواف سلام نفسه في قلب أحداث دولية بالغة الأهمية، وكان أداؤه بارزاً على أكثر من صعيد. تميّزت ولايته بمداخلات لافتة في مجلس الأمن دافع فيها بحزم عن سيادة لبنان واستقراره، مطالباً بتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 المتعلق بوقف الأعمال الحربية وانسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب اللبناني. كما جاهر بضرورة تبني لبنان سياسة “النأي بالنفس” عن النزاع السوري المشتعل، وعمل بجدية على إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان للفصل في قضية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وذلك بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1757.

ولم تتوقف جهوده عند الملف اللبناني؛ إذ أبدى بجرأة واضحة التزامه بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وثابر على الدفاع عن حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في كل المحافل الأممية.

كانت التتويج الكبير لتلك المرحلة حين انتُخب لبنان عضواً غير دائم في مجلس الأمن الدولي لعامَي 2010 و2011، فتولّى نواف سلام تمثيل بلاده في هذه الهيئة الدولية العليا، بل تولّى رئاستها الدورية، مما منحه تجربة لا تتاح إلا لقلة من الدبلوماسيين في العالم. وفي مرحلة لاحقة (2012-2013)، شغل منصب نائب رئيس الدورة السابعة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وكان ممثلاً للبنان في المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأممي عامَي 2016 و2018.

هذا الحضور الدبلوماسي الواسع لم يقتصر على القاعات المغلقة؛ فقد كان نواف سلام عضواً فاعلاً في بعثات ميدانية لمجلس الأمن إلى مناطق النزاع والأزمات في إثيوبيا والسودان وكينيا وأوغندا وأفغانستان، فضلاً عن مشاركته في مؤتمرات دولية كبرى من بينها قمم التغير المناخي في كوبنهاغن 2009 وباريس 2015، والمؤتمر الدولي لتمويل التنمية في أديس أبابا 2015، وقمة ريو+20 حول التنمية المستدامة عام 2012.

كل ذلك رسّخ سمعة نواف سلام كدبلوماسي من الصف الأول؛ يجمع بين المعرفة القانونية والرؤية السياسية والجرأة في الدفاع عن المواقف الوطنية أمام أكبر الهيئات الدولية.


خامساً: محكمة العدل الدولية — القاضي في قلعة العدالة الكونية

إذا كانت سنوات الدبلوماسية هيّأت نواف سلام لمراحل أكبر، فإن انتخابه قاضياً في محكمة العدل الدولية عام 2018 جاء ثمرةً طبيعية لمسيرة قانونية وأكاديمية وأممية طويلة. محكمة العدل الدولية ليست مجرد مؤسسة قضائية؛ إنها الجهاز القضائي الأعلى للأمم المتحدة، والأداة الرئيسية للفصل في النزاعات القانونية بين الدول وفق أحكام القانون الدولي. تتألف من خمسة عشر قاضياً يُنتخبون من بين أبرز علماء القانون في العالم، وتجلس في مدينة لاهاي بهولندا.

انضمّ نواف سلام إلى هذه المحكمة الرفيعة في فبراير 2018 ليشغل مقعده بين هذا الثلة من كبار القانونيين الدوليين. وعلى مدى السنوات التالية، راكم تجربة قضائية دولية نادرة، وأسهم في الفصل في قضايا دولية بالغة الأهمية تمس السيادة الوطنية والحدود وحقوق الإنسان.

جاء التتويج الكبير في السادس من فبراير 2024، حين انتُخب نواف سلام رئيساً لمحكمة العدل الدولية لولاية مدتها ثلاث سنوات، خلفاً للقاضية الأمريكية جوان إي دونوغيو. بهذا الانتخاب التاريخي، أصبح الرئيس السابع والعشرين لهذه المحكمة منذ تأسيسها عام 1946، وثاني عربي يتولى هذا المنصب الرفيع بعد الجزائري محمد بجاوي وزير الخارجية السابق، فضلاً عن كونه أول قاضٍ لبناني يبلغ هذه المرتبة في تاريخ المحكمة.

لم يكن هذا الانتخاب مجرد تقدير شخصي لنواف سلام، بل كان اعترافاً دولياً بكفاءة القانوني اللبناني وقدرته على قيادة أعلى محفل قضائي في العالم في مرحلة تشهد تصاعداً غير مسبوق في عدد القضايا المعروضة أمامها، لا سيما في ظل التوترات الدولية المتصاعدة.


سادساً: العودة إلى لبنان — الدبلوماسي يُصبح رئيساً للحكومة

في نهايات عام 2024 ومطلع عام 2025، شهد لبنان تحولات إقليمية جوهرية غيّرت موازين القوى الداخلية. فقد خاض حزب الله حرباً مدمّرة مع إسرائيل أفضت إلى إضعاف نفوذه بشكل ملموس، مما فتح الأفق أمام تشكّل توازن سياسي جديد في البلاد. وفي التاسع من يناير 2025، انتُخب الجنرال جوزيف عون رئيساً للجمهورية اللبنانية بعد فراغ دستوري امتد لأكثر من عامَين، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ لبنان السياسي.

توافقت قوى سياسية عريضة من المعارضة والتيارات الإصلاحية على ترشيح نواف سلام لقيادة الحكومة الجديدة، وكان اسمه يُجمع حوله عدد من المحللين والناشطين باعتباره الرجل القادر على إحداث الفارق. وفي الثالث عشر من يناير 2025، أجرى الرئيس عون الاستشارات النيابية الملزمة، فحصل سلام على تأييد 84 نائباً من أصل 128، لتُكلّفه رئاسة الجمهورية بتشكيل الحكومة الجديدة.

حظي هذا الترشيح بدعم واسع من دول غربية وعربية كثيرة رأت فيه الشخصية المناسبة للمرحلة، فيما امتنع حزب الله وحليفته حركة أمل عن التصويت. كما لاحظ المراقبون أن سلام يُمثّل قطيعة مع الطبقة السياسية التقليدية المتهمة بالفساد واعتماد المحاصصة على حساب الكفاءة، مع أنه لا يجهل السياسة ولا يتنكر لجذوره.

وفي الثامن من فبراير 2025، بعد ست وعشرين يوماً فقط من التكليف — وهو رقم لافت في بلد اعتاد على أزمات التشكيل المديدة — أُعلنت حكومة نواف سلام المؤلفة من 24 وزيراً. واتسمت هذه الحكومة بعدة سمات جوهرية؛ أبرزها أن وزراءها اختيروا من خارج الأطر الحزبية من أصحاب الكفاءات والخبرات الرفيعة، وأن الوزراء لن يُرشّحوا للانتخابات النيابية المقبلة ضماناً لعدم توظيف السلطة في الدعاية الانتخابية. كما تميّزت بضمّها خمس وزيرات للمرة الأولى في تاريخ الحكومات اللبنانية.

أعلن سلام بعد الإعلان عن حكومته أنها ستكون “حكومة إصلاح وإنقاذ”، مؤكداً أن “الإصلاح هو الطريق الوحيد لانتشال لبنان من أزماته”، وقال: “أضع نصب عيني إرساء القانون ودولة المؤسسات”. وتعهّد بتطبيق قرار الأمم المتحدة رقم 1701، والمضي في الإصلاحات المالية والاقتصادية، وإقامة سلطة قضائية مستقلة.


سابعاً: الإصلاح على المحك — إنجازات وتحديات

ما إن تشكّلت حكومة نواف سلام حتى واجهت جبلاً من التحديات المتراكمة؛ اقتصاد منهك من سنوات الأزمة المتراكمة، وبنية تحتية مدمرة في أعقاب الحرب الأخيرة، وملف السلاح غير الشرعي الشائك، فضلاً عن ضرورة استعادة الثقة الدولية والعربية بلبنان كدولة قادرة على الإصلاح.

في فبراير 2025، أقرّ البيان الوزاري للحكومة، الذي تضمّن التزامات جوهرية أبرزها: رفع نسبة النمو الاقتصادي، واحتكار الدولة لحمل السلاح، وفرض تأشيرة دخول على المواطنين الإيرانيين للحدّ من الوجود غير النظامي. وكان سلام حازماً في موقفه من ملف السلاح، إذ اعتبر أن الحرب الأخيرة كانت نتيجة خطأ استراتيجي ارتكبه حزب الله بجرّ لبنان إليها دون إرادة الدولة.

وفي سبتمبر 2025، جاءت اللحظة التاريخية الكبرى؛ إذ اتُخذ، خلال جلسة حكومية خاصة ترأسها سلام إلى جانب الرئيس عون، قرار بتنفيذ خطة نزع السلاح وحصره بيد الجيش اللبناني وحده. وفي هذه الجلسة، أكّد سلام أن “الاقتصاد لن ينمو ما لم يتحسّن أمن الدولة”، في معادلة توضح فهمه العميق للترابط بين الأمن والتنمية.

على الصعيد الإقليمي، أبدى نواف سلام حنكة دبلوماسية في إدارة علاقات لبنان الإقليمية؛ فقد صرّح بأن “المنطقة شبعت من الاستقطاب الإيراني الأمريكي”، وأن “عصر تصدير الثورة الإيرانية قد انتهى”. وفي مارس 2026، جاء قرار إعلان السفير الإيراني شخصاً غير مرغوب فيه وسحب اعتماده الدبلوماسي، خطوةً بالغة الدلالة على استعداد الحكومة للتمسك بالسيادة اللبنانية حتى حين يتطلب الأمر قرارات صعبة.

أشاد الرئيس عون بما أنجزته حكومة سلام خلال أشهرها الأولى، معتبراً أن “ما تحقق يفوق ما أُنجز في سنوات سابقة”. وأكد أن الإصلاحات الجارية “حاجة لبنانية قبل أن تكون مطلبا خارجيا”. كذلك رحّبت الدول الغربية والعربية بتشكيل الحكومة وعبّرت عن أملها في الإصلاحات الموعودة.


ثامناً: الرجل وفلسفته — بين القانون والسياسة والإنسان

لا تكتمل صورة نواف سلام دون استعراض ما يُميّزه كشخصية؛ أي الفكر الذي يحرّكه والقيم التي تُلهمه. وصفه أستاذ الفلسفة السياسية علي مراد بأن تسميته تمثّل “ما يمثله من قيمة دولية، ومن الموقف الثابت في الموضوع الفلسطيني، وبما يمثله من كفاءة شخصية وانسجام إصلاحي”. كذلك وصفه المحللون بأنه “يحظى باحترام واسع بسبب رصانته الأكاديمية وآرائه المستقلة والتزامه بالعدالة وحقوق الإنسان”.

يُعرف سلام بدعواته المتكررة إلى الإصلاح في لبنان منذ سنوات طويلة، وهي دعوات وثّقها بالكتابة والممارسة على حد سواء. كتبه لم تكن مجرد تمرينات أكاديمية، بل كانت وثائق تشخيصية للأزمة اللبنانية ورؤى حقيقية لمسارات الحل. وكتاب “الإصلاح الممكن والإصلاح المنشود” الصادر عام 1989 يكشف أن اهتمامه بإصلاح النظام اللبناني سابق لكثير من الأحداث التي دفعت غيره للحديث عن الإصلاح.

الأهم في شخصية نواف سلام أنه يجمع بين الثوابت والمرونة؛ ثابت في مبدأ سيادة الدولة وحصر السلاح بيدها، ثابت في الدفاع عن القانون الدولي والحقوق الفلسطينية، لكنه مرن في الأسلوب الدبلوماسي والأداة السياسية. وقد أثبتت المراحل المتعاقبة من مسيرته قدرته على العمل في بيئات بالغة التعقيد دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية أو يُضحّي بالمبادئ في سبيل المصالح الآنية.

على الصعيد الشخصي، سلام متزوج من الصحفية والدبلوماسية سحر بعاصيري التي شغلت منصب سفيرة لبنان لدى منظمة اليونسكو، وهو زواج يجمع بين شخصيتين تمثلان كل منهما نموذجاً للتميز المهني. ولهما ولدان هما عبد الله ومروان. وقد تكريماً لمسيرته، منحته فرنسا وسام جوقة الشرف برتبة ضابط عام 2012.


تاسعاً: في سياق أوسع — لبنان ومحكمة العدل في مرحلة فارقة

يأتي صعود نواف سلام في سياق أوسع يتصل بمكانة القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية في اللحظة الراهنة من تاريخ العلاقات الدولية. فقد شهدت المحكمة في السنوات الأخيرة تصاعداً لافتاً في الاهتمام الدولي بقضاياها، لا سيما مع ما تشهده المنطقة العربية وأفريقيا وآسيا من نزاعات وتدخلات تستدعي الفصل القانوني الدولي.

وبانتخاب قاضٍ عربي في موقع الرئاسة، يُرسل العالم إشارة باتجاه التوازن الجغرافي والحضاري في إدارة أعلى هيئة قضائية دولية، وهو ما يمنح نواف سلام بُعداً رمزياً يتجاوز شخصه إلى ما يمثله من انتماء حضاري وجغرافي.

كذلك فإن مجيئه إلى رئاسة الحكومة اللبنانية من موقع القاضي الدولي يُجسّد بشكل نادر التكامل بين الأبعاد القانونية والسياسية والدبلوماسية في شخصية واحدة، وهو نموذج لم تشهده لبنان من قبل في تاريخها الحديث. ففي حين اعتادت البلاد على رؤساء حكومات أتوا من خلفيات تجارية أو سياسية بحتة، يُقدّم نواف سلام نموذجاً مختلفاً تماماً؛ نموذج الحاكم-المثقف-القانوني.


خاتمة: لبنان والرهان على الكفاءة

في نهاية المطاف، تروي مسيرة نواف سلام قصة إنسانية وسياسية في آنٍ واحد؛ قصة رجل آثر على مدى عقود أن يبني كفاءته بدلاً من أن يُحصّن مواقعه، وأن يخدم من خلال المؤسسات الدولية قبل أن يسعى إلى المناصب الوطنية.

ليس نواف سلام بعيداً عن السياسة وتعقيداتها، لكنه يُمثّل نمطاً مختلفاً من السياسيين؛ الذين يُؤسّسون شرعيتهم على المعرفة والكفاءة والانجاز الموثّق، لا على الزبائنية السياسية أو استغلال المناصب. وفي لبنان الذي يعاني منذ عقود من أزمة ثقة عميقة بين المواطن والدولة، يُجسّد هذا النهج رهاناً حقيقياً على إمكانية إعادة بناء العقد الاجتماعي.

بيد أن التاريخ يُعلّمنا أن حسن النية والكفاءة الشخصية ليستا كافيتين وحدهما لتحقيق التغيير في أنظمة بالغة التعقيد والتشابك. ولبنان بلد تتداخل فيه الاعتبارات الطائفية والإقليمية والدولية بطريقة لا نظير لها، مما يجعل مهمة الإصلاح رهانا بقدر ما هو مشروع.

ما يمنح التجربة معناها الحقيقي هو أنها تُجيب عن سؤال ظل معلقاً طويلاً: هل يمكن لشخصية قانونية دولية ذات كفاءة موثقة وسمعة نزيهة أن تنجح في قيادة لبنان نحو الإصلاح؟ الإجابة الكاملة لا تزال قيد الكتابة، لكن ما تحقق حتى الآن يشير إلى أن الشروع في الإصلاح ممكن حين تتوافر إرادة سياسية حقيقية وشخصية تحمل مشروعاً وليس مجرد منصباً.

في النهاية، يظل نواف سلام ظاهرةً جديرة بالتأمل في المشهد العربي؛ رجل أبى أن تحدّه الحدود الضيقة لبلد صغير، فحلّق عالياً في أرفع محافل العدالة الدولية، ثم عاد ليُمسك بدفة وطنه في إحدى أصعب محطاته. هذا بالضبط ما تبحث عنه الأمم حين تبلغ مفترق الطرق.

رابط المقالة القصير
مشاركة:
3 مشاهدة

اترك تعليقاً