مايو 15, 2026
تاريخ

كيف وصل الإسلام إلى عُمان دون حرب — قصة لا يعرفها الكثيرون

bayanelm 1 1 دقيقة 0
كيف وصل الإسلام إلى عُمان دون حرب — قصة لا يعرفها الكثيرون

كيف وصل الإسلام إلى عُمان دون حرب — قصة لا يعرفها الكثيرون

أرضٌ لها روح خاصة

ثمة شيء يجعل عُمان مختلفة. ليس فقط في جغرافيتها التي تجمع الصحراء والجبل والبحر في مشهد واحد، ولا في استقلاليتها السياسية التي صمدت عبر القرون، بل في طريقة تعاملها مع التاريخ نفسه. فعُمان من بين القلائل في العالم العربي والإسلامي التي لم تدخل الإسلام تحت وطأة السيف، بل دخلته باختيار حر، ونقاش عاقل، وعهد مكتوب بين الطرفين. هذه القصة — قصة إسلام عُمان — تستحق أن تُروى كاملة، بكل تفاصيلها الإنسانية العميقة.

لفهمها، لا بد أن نعود إلى ما قبل الإسلام، إلى عُمان التي كانت قبل أن تُسمّى بهذا الاسم كما نعرفه اليوم.


عُمان قبل الإسلام: حضارة قديمة وتجارة عريقة

قبل أن يخطو أي رسول إسلامي على أرض عُمان، كانت هذه الأرض تنبض بالحياة منذ آلاف السنين. كانت تُعرف في المصادر القديمة بـ”مجان”، وكانت مركزاً تجارياً حيوياً يربط بلاد الرافدين بشبه الجزيرة الهندية وشرق أفريقيا. البحر لم يكن حداً يفصلها عن العالم، بل طريقاً يصلها بكل العالم.

كان الأزد — القبيلة العربية الكبرى — قد استقر معظمهم في عُمان، وكان لهم نظام حكم خاص يعتمد على الشورى القبلية، والتوافق، وقدر كبير من العقلانية في التعامل مع الآخر. لم يكونوا مجموعة منعزلة بدائية، بل كانوا ملاحين وتجاراً ومزارعين يعرفون الدنيا ويتعاملون معها.

الديانة في عُمان قبيل الإسلام كانت مزيجاً من الوثنية وعبادة الأصنام، مع وجود مجموعات مسيحية وبعض اليهود، فضلاً عن تأثيرات مجوسية قادمة من الفرس الذين كانوا يسيطرون على أجزاء من شمال عُمان. كانت عُمان بهذا المعنى أرضاً تتشابك فيها الهويات والأديان، وكان أهلها يعرفون كيف يتعايشون مع هذا التنوع.


سنة الوفود: حين بعث النبي رسائله إلى الملوك

في السنة الثامنة للهجرة تقريباً — وهي السنة التي يُسميها المؤرخون “عام الوفود” — قرر النبي محمد ﷺ أن يرسل رسائل إلى ملوك وأمراء الأطراف يدعوهم إلى الإسلام. أرسل إلى هرقل ملك الروم، وإلى كسرى ملك فارس، وإلى النجاشي ملك الحبشة، وإلى المقوقس حاكم مصر، وإلى غيرهم. ومن بين هؤلاء كان أهل عُمان.

الرسول ﷺ اختار لهذه المهمة الخطيرة صحابياً جليلاً اسمه عمرو بن العاص — نعم، نفس الرجل الذي سيفتح مصر لاحقاً — وأرسل معه رسالة إلى حاكمَي عُمان في ذلك الوقت، وهما الأخوان: جيفر وعبد، ابنا الجُلَنْدى.

الجُلَنْدى كانت أسرة حاكمة راسخة في عُمان، تتمتع باحترام كبير بين القبائل. وكانت عُمان في تلك المرحلة تعيش في ظل نفوذ فارسي جزئي من الشمال، مع حفاظ الأزد على استقلاليتهم في الجنوب.


عمرو بن العاص في عُمان: الدبلوماسي الذي لا يُقهر

حين وصل عمرو بن العاص إلى عُمان، واجه تحدياً ليس بسيطاً. كان أمامه رجلان: جيفر الأخ الأكبر، الملك الفعلي، وعبد الأخ الأصغر، الشريك في الحكم. وكان الوصول إلى جيفر — الأقوى — يتطلب أن تمر عبر عبد أولاً.

ما يرويه المؤرخون أن عمرو بن العاص لم يلجأ إلى القوة ولم يهدد. كانت استراتيجيته مختلفة تماماً: ذهب أولاً إلى عبد الأخ الأصغر، وسلّمه رسالة النبي، وأخذ يشرح له الدعوة الإسلامية بصبر وتؤدة. عبد استمع، وفكّر، وأحبّ ما سمع، فطلب من عمرو أن يصطحبه إلى أخيه الأكبر جيفر.

المقابلة مع جيفر لم تكن فورية. جيفر كان حذراً، عاقلاً، يزن الأمور. كان يعرف أن الإسلام ليس مجرد دين، بل نظام حكم جديد، ودولة صاعدة في الحجاز. القبول بالإسلام يعني الانتساب إلى هذه الدولة، وقبول ما يترتب على ذلك من التزامات.

يُروى أن جيفر أبقى عمرو بن العاص في ضيافته أياماً، خلالها كانت المحادثات تتواصل. عمرو كان يتحدث بحكمة، يعرض الإسلام كما هو، دون إكراه ودون مبالغة، وكان يجيب عن كل سؤال بوضوح. وكان جيفر يستمع ويسأل ويُعمل عقله.


الرسالة النبوية: نص يستحق التأمل

الرسالة التي حملها عمرو بن العاص إلى جيفر وعبد كانت تبدأ بهذه الكلمات — كما يرويها المؤرخون بصور متقاربة:

“من محمد رسول الله، إلى جيفر وعبد ابني الجُلَنْدى، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوكما بدعاية الإسلام. أسلما تسلما…”

ثم تواصل الرسالة بعرض المبادئ الأساسية للإسلام، وتذكّر بأن من أسلم سيبقى ملكاً على قومه ويحكم بالعدل. لم تتضمن الرسالة تهديداً بالغزو، ولم تتحدث عن عقوبة الرفض بالسيف. كانت دعوة بأسلوب الحكيم لا بأسلوب القاهر.

هذا التوازن الدقيق في الرسالة النبوية يعكس فهماً عميقاً لطبيعة عُمان وأهلها: قوم لهم كرامتهم، وقيادتهم، وعقلهم المستقل. استخدام القوة معهم لم يكن ليُنتج إسلاماً حقيقياً، بل كان سيُنتج خصوماً مستقبليين.


لحظة الاختيار: حين قرر جيفر وعبد

بعد أيام من التفكير والمحادثة والتأمل، جاء القرار. يروي المؤرخون — ومنهم ابن سعد في “الطبقات الكبرى” — أن جيفر وعبد أعلنا إسلامهما. لم يكن الإعلان تحت ضغط عسكري، ولم يكن خوفاً من جيش يقف على الأبواب. كان إسلاماً طوعياً، صدر عن رجلين واسعَي العقل، رأيا في الإسلام ما أقنعهما.

الأمر المثير للاهتمام تاريخياً هو ما ترتب على هذا الإسلام: جيفر وعبد لم يفقدا سلطتهما. ظلا يحكمان عُمان، وظل قومهما يحترمونهما. بل إن الإسلام أضاف إلى شرعيتهما بُعداً جديداً، وربطهما بالدولة الإسلامية الناشئة التي كانت تتوسع بسرعة مذهلة.

وما إن أسلم الأميران حتى بدأ الإسلام ينتشر في عُمان انتشاراً طبيعياً. القبائل التي تحترم قيادتها تتبع قيادتها. والعُمانيون الذين رأوا في إسلام أميريهم انعكاساً لتفكير عاقل لم يجدوا سبباً للمقاومة.


دور الأزد: العامل الخفي في إسلام عُمان

لفهم لماذا سارت الأمور بسلاسة في عُمان، لا بد من فهم دور قبيلة الأزد. كانت الأزد قبيلة عربية أصيلة، تنتمي في أصولها إلى اليمن، وكانت تحمل في ذاكرتها الجماعية ارتباطاً عاطفياً بالجزيرة العربية ولغتها ومنظومتها القيمية. الإسلام حين جاء لم يكن غريباً كلياً عن روح هذه القبيلة — كان يتحدث لغتهم، ويحترم كرامتهم، ويُعلي من شأن العدل والشورى التي كانوا يمارسونها في حكمهم القبلي.

هذا التجانس الثقافي الأساسي جعل الانتقال إلى الإسلام أقل صدمة مما حدث في مناطق أخرى. لم يكن على العُمانيين أن يتخلوا عن هويتهم ليصبحوا مسلمين، بل كانوا يُضيفون طبقة جديدة إلى هوية راسخة.


الإسلام والبحر: العُمانيون يحملون الدعوة إلى العالم

بعد إسلامهم، لم يكتفِ العُمانيون بالاستقبال، بل أصبحوا ناقلين. الملاحون العُمانيون — الذين كانوا يعبرون بحر العرب وخليج البنغال منذ قرون — حملوا الإسلام معهم في رحلاتهم التجارية. وهكذا وصل الإسلام إلى السواحل الهندية وسواحل شرق أفريقيا وجزر المحيط الهندي بفضل التجار العُمانيين المسلمين، لا بفضل الجيوش.

هذا النمط — الإسلام الذي يسافر مع التجارة لا مع الغزو — كان نمطاً عُمانياً بامتياز. وهو يعكس حقيقة أن الإسلام الذي دخل عُمان بالحوار والاقتناع خرج منها هو الآخر بالحوار والتجارة.


ردة عُمان وعودتها: اختبار الإيمان الحقيقي

لا تكتمل قصة إسلام عُمان دون الحديث عن اللحظة الأكثر تعقيداً: الردة. حين توفي النبي محمد ﷺ عام 11 هجري، شهدت أجزاء واسعة من الجزيرة العربية موجة ردة وانسحاب من الدولة الإسلامية. عُمان لم تكن بمنأى عن هذا.

ظهر في عُمان رجل اسمه “ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي” — المعروف بـ”لقيط” — وادّعى النبوة، واستطاع أن يجمع حوله عدداً كبيراً من العُمانيين. جيفر وعبد كانا في موقف صعب: خسرا معظم السلطة الميدانية، وانسحبا إلى أطراف عُمان ينتظران.

هنا أرسل أبو بكر الصديق — الخليفة الأول — جيوشاً لإعادة النظام. المعركة التي جرت عند دِبا (وتقع اليوم في الشارقة والفجيرة قرب الحدود العُمانية) كانت معركة حاسمة. هُزم لقيط وأُعيدت السلطة لجيفر وعبد.

المفارقة العميقة هنا أن معظم الذين ارتدوا لم يكونوا يرفضون الإسلام ديناً، بل كانوا يرفضون الزكاة والالتزامات المادية للدولة — أي أن الخلاف كان سياسياً واقتصادياً في جوهره أكثر منه دينياً. وحين عاد النظام، عاد الإسلام معه، ولم يكن عليه أن “يبدأ من جديد”.


المذهب الإباضي: وجه عُمان الفريد في الإسلام

ولفهم الإسلام العُماني بعمق، لا بد من الحديث عن الإباضية. عُمان اليوم هي البلد الوحيد في العالم الذي يمثل فيه المذهب الإباضي الأغلبية. وهذا المذهب — الذي يُعدّ من أقدم المذاهب الإسلامية — له قصة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بروح عُمان التاريخية.

الإباضية ليسوا خوارج، رغم أن التصنيف الكلاسيكي أحياناً يضعهم في هذا السياق. هم يرون أنفسهم ورثة الإسلام الأول، قبل الانقسامات الكبرى بين السنة والشيعة. يؤمنون بإمامة الشورى، ويرفضون التوريث في الحكم، ويعلون من شأن العقل والنص في آنٍ معاً.

الإباضية وصلوا إلى عُمان في القرن الأول الهجري، وجدوا فيها بيئة مناسبة لأفكارهم. المجتمع العُماني الذي اعتاد على الشورى القبلية وجد في الإباضية امتداداً طبيعياً لقيمه الراسخة. وهكذا ترسخ المذهب الإباضي في عُمان ترسخاً جعله ركيزة هوية لا مجرد اختيار فقهي.

هذا الترسخ العميق يفسر لماذا بقيت عُمان محافظة على هويتها الإسلامية المستقلة حتى حين تعرضت لضغوط خارجية هائلة — من الفرس، ثم من البرتغاليين في القرون الوسطى، ثم من القوى الاستعمارية الحديثة.


المسجد في عُمان: حجر يروي تاريخاً

أحد أقدم المساجد في عُمان — وربما في العالم الإسلامي — يقع في مدينة قلهات قرب مسقط. وتشير روايات تاريخية إلى مساجد بُنيت في عهد الصحابة مباشرة، حين كانت الدعوة لا تزال جديدة عهداً. هذه المساجد الأولى لم تكن قلاعاً تذكّر بغزو، بل كانت أماكن للتجمع والصلاة والتشاور، تعكس الطابع المدني لإسلام عُمان.

المسجد في الثقافة العُمانية لم يكن يوماً مجرد مبنى ديني، بل كان مركز الحياة العامة: فيه تُحل النزاعات، وتُعقد اتفاقيات التجارة، وتُناقش شؤون المجتمع. هذا الدور الجامع للمسجد يعكس فهماً للإسلام كنظام حياة متكامل، لا مجرد شعائر وطقوس.


عُمان والتسامح: ليس حديثاً، بل تاريخ ضارب في العمق

حين يتحدث العالم اليوم عن التسامح الديني كقيمة حديثة، تبتسم عُمان بهدوء. فهي تعرف أن هذه القيمة لديها ليست وليدة القرن الحادي والعشرين، بل هي جزء من نسيجها منذ قرون. الإسلام الذي وصل إليها دون حرب أورثها ذاكرة عميقة: الإيمان لا يُفرض، والاقتناع لا يحدث بالقوة.

عبر تاريخها، استضافت عُمان مجتمعات هندوسية وزردشتية ومسيحية وبوذية — خاصة في مسقط وصلالة والموانئ التجارية — وتعاملت معها بمنطق التبادل لا الإقصاء. التاجر الهندوسي كان يجلس مع التاجر المسلم في نفس السوق، وتجمعهما مصلحة مشتركة، وتحكمهما قواعد مشتركة لا تجعل من الاختلاف الديني عائقاً للتعامل الإنساني.


درس عُمان في نشر الإسلام: القدوة لا القوة

القصة العُمانية في الإسلام تقدم درساً ذا شفافين. الشفة الأولى تاريخية: أن الإسلام انتشر في كثير من الأحيان — بل في أحيان كثيرة — لا بالسيف، بل بالكلمة والقدوة والتجارة والعلم. عُمان نموذج على ذلك، وكذلك إسلام جنوب شرق آسيا، وكذلك إسلام أجزاء واسعة من أفريقيا جنوب الصحراء.

والشفة الثانية فقهية-فلسفية: أن النبي محمد ﷺ نفسه — حين أرسل عمرو بن العاص إلى عُمان — لم يرسله مقدمةً لجيش، بل أرسله مقدمةً لدعوة. كان يثق بأن الحجة ستنفع مع من تفتح عقله للسماع، وكانت عُمان قوماً عقلاء سمعوا وأجابوا.


خاتمة: عُمان وأسرارها التي لم تنتهِ

عُمان اليوم تواصل هذا الموروث. السلطان قابوس — رحمه الله — بنى دولته على مبدأ “عُمان أولاً”، بهوية تجمع الإسلام والانفتاح والحياد الدبلوماسي. وعُمان بقيت بلداً تتحاور مع إيران والسعودية وإسرائيل وإيران وأمريكا في آنٍ واحد — ليس تذبذباً، بل انعكاساً لطبيعة تاريخية.

وحين تزور مسقط اليوم، وتدخل جامع السلطان قابوس الأكبر، ذلك الصرح الذي يجمع البلور والرخام والبساط الإيراني المنسوج يداً وأضواء تنساب من قباب تلمس السماء، تشعر أنك في بلد يعرف ما يريد أن يقوله للعالم. يقول: الإيمان شيء يُقتنع به، والجمال شيء يُبنى، والإنسان كائن يستحق الاحترام.

هذه الرسالة ليست جديدة. كانت موجودة حين استمع جيفر بن الجُلَنْدى إلى عمرو بن العاص قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، وأخذ يفكر ببساطة وعمق: هل هذا الدين حق؟ وحين اقتنع، أجاب بكلمة واحدة تغيّر مسار بلده وتاريخه: أسلمت.

تلك اللحظة الهادئة — من غير صهيل خيل ولا قعقعة سيوف ولا جموع جيوش — هي ربما من أبلغ اللحظات في تاريخ انتشار الإسلام. لحظة يختار فيها إنسان حر، بعقله الحر، أن ينتمي إلى شيء أكبر منه.

عُمان تتذكر. وتتذكر كيف تتذكر.

رابط المقالة القصير
مشاركة:
1 مشاهدة

اترك تعليقاً