مكتبة الإسكندرية: هل احترقت فعلاً؟ وما الذي ضاع معها؟

مكتبة الإسكندرية: هل احترقت فعلاً؟ وما الذي ضاع معها؟
جريمة التاريخ الكبرى — أم أسطورة أكبر من الحقيقة؟
ثمة أسطورة راسخة في الوجدان الإنساني مفادها أن العالم القديم كان يمتلك كنزاً لا يُقدَّر بثمن: مكتبة جمعت كل ما كتبته البشرية، وأنها أُحرقت يوماً ما فضاعت معها قرونٌ من المعرفة في دخان كثيف. هذه الأسطورة ليست خيالاً محضاً، لكنها ليست الحقيقة الكاملة بأي حال. الواقع أكثر تعقيداً وأشد إثارةً من أي رواية مبسّطة.
في هذه المقالة نغوص في تاريخ أعظم مؤسسة معرفية عرفها العالم القديم: نبحث في تأسيسها، وحجمها الهائل، والعلماء الذين أضاؤوا جنباتها، ثم نتتبع كل الروايات المتنافسة حول زوالها، لنصل في النهاية إلى السؤال الأكثر إيلاماً: ماذا ضاع من المعرفة الإنسانية ولن يُستعاد؟
✦ ✦ ✦
الميلاد: مدينة الحلم
حين أسّس الإسكندر الأكبر مدينة الإسكندرية عام 331 قبل الميلاد على الشاطئ الشمالي لمصر، حيث يصبّ النيل في البحر المتوسط، لم يكن يعلم أن اسمه سيرتبط بأعظم دار للمعرفة عرفتها الإنسانية. اختار لمدينته موقعاً استراتيجياً بامتياز: ميناء طبيعي محمي، وأرض صالحة للبناء، وموقع يجمع بين التجارة البحرية والطريق البرية نحو أفريقيا. لكن ما أراده الإسكندر مدينةً تجارية، حوّله خلفاؤه إلى عاصمة فكرية لا تُنافَس في العالم القديم كله.
بعد وفاة الإسكندر عام 323 قبل الميلاد، آلت مصر إلى قائده بطليموس الأول سوتر، الذي كان أذكى خلفاء الإسكندر وأبعدهم نظراً. أدرك بطليموس أن الشرعية السياسية في العالم الهيليني لا تنبني على القوة العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى رعاية الثقافة والعلم والفن. فأسّس ما عُرف بـ”الموسيون” — معبد ربّات الفنون — مؤسسةً أكاديمية ملكية لا نظير لها. وكانت مكتبة الإسكندرية جزءاً عضوياً من هذا المجمع المعرفي الضخم.
لم تكن المكتبة مجرد مستودع للمخطوطات، بل كانت أكاديمية حية نابضة بالنشاط: يقطن فيها العلماء ويأكلون ويبحثون على نفقة الدولة، في بيئة توفر لهم الكتب والحدائق وقاعات النقاش والمختبرات والمسرح. كان الملك يدفع للعلماء رواتب سخية ويعفيهم من الضرائب، ويوفر لهم الخدم والمسكن، مقابل أن يكرّسوا وقتهم للبحث والتأليف. كان المكان، بتعبير العصر الحديث، أقرب إلى جامعة بحثية ممولة من الدولة منه إلى مكتبة عامة.
كان الملوك البطالمة يأمرون بمصادرة الكتب من السفن الراسية في ميناء الإسكندرية، ونسخها وإعادة النسخة إلى أصحابها، مع احتجاز الأصل في المكتبة — حرصاً على امتلاك النص الأصلي لا نسخة منه.
الغاية كانت صريحة ومذهلة في طموحها: جمع كل الكتب التي كُتبت على وجه الأرض. ليس الكتب المهمة، ولا الكتب الكلاسيكية فحسب، بل كل الكتب. أرسل البطالمة وكلاء مدرّبين إلى أثينا ورودس وأنطاكية وغيرها من مراكز الثقافة اليونانية، لشراء المخطوطات أو استعارتها أو نسخها. وروى غالينوس الطبيب الشهير أن الملوك البطالمة كانوا يصادرون الكتب من السفن الداخلة إلى الميناء، ثم ينسخونها ويعيدون النسخ إلى أصحابها محتجزين الأصول في المكتبة. حتى إن نسخة مخطوطات أيسخيليوس وسوفوكليس ويوريبيدس الرسمية التي استعارتها مصر من أثينا مقابل وديعة ضخمة، احتجزتها ولم تُعدها، مفضّلةً أن تخسر الوديعة بدلاً من التفريط في تلك النصوص النفيسة.
✦ ✦ ✦
حجم المكتبة: أرقام وأساطير
تتفاوت الروايات القديمة في تقدير حجم مجموعة المكتبة تفاوتاً كبيراً: من مئة ألف “مجلد” إلى سبعمئة ألف. لكن علينا أن نفهم ماذا تعني كلمة “مجلد” في السياق القديم؛ فالـ”فيلوس” اليوناني كان يُقصد به لفافة بردية، وكثيراً ما كان عمل أدبي أو فلسفي واحد موزعاً على عشر لفافات أو عشرين. بمعيار اليوم، ربما كانت المكتبة تحتوي على ما يعادل أربعين إلى مئة ألف “كتاب” بالمفهوم الحديث — عدد هائل قياساً بما كانت عليه الحضارة في ذلك العصر.
والمثير للاهتمام أن كاليماخوس القيرواني، أحد أعظم علماء المكتبة في القرن الثالث قبل الميلاد، أنشأ ما يُعدّ أول فهرس ببليوغرافي في تاريخ البشرية: كتاب “بيناكيس” أي “اللوائح”، الذي أدرج فيه الكتب مرتّبةً حسب الموضوع والمؤلف، مع نبذة عن كل مؤلف. وكان هذا الفهرس ذاته يقع في مئة وعشرين مجلداً. والمفارقة المؤلمة أن الفهرس ضاع هو أيضاً، كما ضاعت معظم الكتب التي كان يُفهرسها.
والأهم من الأرقام أن ما أنتجه علماء هذه المكتبة كان من الثراء والأصالة بحيث يصعب تصوّر كيف تطوّر العلم لولاهم. إراتوستينس قاس محيط الأرض بدقة مذهلة باستخدام عصا وظل شمس في بئر، وتوصّل إلى نتيجة لا تبتعد عن القياسات الحديثة إلا بنسبة صغيرة. وأريستارخوس الساموسي اقترح أن الأرض تدور حول الشمس، وليس العكس، قبل كوبرنيكوس بألفي عام كاملين. وهيروفيلوس وضع أسس علم التشريح البشري بعد تشريحه الجثث البشرية لأول مرة في التاريخ. وأقليدس بنى صرحه الرياضي في الهندسة الذي لا يزال يُدرَّس في مدارس العالم بعد ألفي سنة ونيّف.
✦ ✦ ✦
الحريق الكبير: أسطورة الدمار في لحظة واحدة
يتصوّر كثيرون أن مكتبة الإسكندرية دُمِّرت في ليلة واحدة بنيران هائلة، كما يُصوِّر بعض الأفلام والروايات الحديثة. الحقيقة التاريخية أكثر تعقيداً وأقل دراماتيكية بكثير: المكتبة لم تختفِ في حدث كارثي واحد، بل تراجعت وتدهورت على مدى قرون بفعل عوامل متشابكة تتضافر فيها السياسة والإهمال والحروب والكوارث الطبيعية.
أولاً: حريق قيصر — 48 قبل الميلاد
الحادثة الأوثق توثيقاً هي تلك التي جرت إبان حرب يوليوس قيصر الأهلية في الإسكندرية. حين حاصر الأسطول الإسكندري سفنَ قيصر في الميناء، لم يجد قيصر مفرّاً فأمر بإحراق السفن المعادية. انتقلت النيران إلى الشاطئ وأتت على مستودعات قريبة من الميناء كانت تخزن لفافات بردية. بلوتارخ في سيرة قيصر يذكر أن النيران أتلفت مكتباً كبيراً، بينما يذكر المؤرخ ديو كاسيوس أن السفن المشحونة بالحبوب وبالكتب احترقت معاً.
لكن المؤرخين المحدثين يذهبون إلى أن هذا المكتب المحترق لم يكن المكتبة الرئيسية في حي الموسيون الملكي، بل على الأرجح مستودعات الميناء التي كانت تحتوي على كتب معدّة للبيع والتصدير. الدليل القاطع على أن المكتبة لم تُدمَّر كلياً في تلك الحادثة أنها استمرت في العمل لقرون بعدها: فبعد سنوات قليلة من الحريق، أهدى مارك أنتوني كليوباترا مئتي ألف مجلد من مكتبة برغاموس كتعويض، ما يعني أن ثمة مكتبة قائمة ومُستقبَلة.
ثانياً: أحداث عهد ثيودوسيوس — 391 ميلادي
في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الأول، أصدر الأسقف ثيوفيلوس أوامره بتدمير المعابد الوثنية في الإسكندرية تنفيذاً للمراسيم الإمبراطورية التي حرّمت الوثنية. كان السيرابيوم — معبد الإله سيرابيس — من أبرز ما أُتي عليه في ذلك الحين. وكان بعض المؤرخين القدامى يذكرون أن السيرابيوم احتوى على “مكتبة بنت” أو فرع للمكتبة الكبرى، وإن كانت العلاقة بين هذا الفرع والمكتبة الأم غير محدّدة المعالم.
هل دُمِّرت كتب في أحداث عام 391 الميلادي؟ الأرجح أن الجواب نعم. لكن هل كانت المكتبة الكبرى لا تزال موجودة بكامل ثرواتها حتى ذلك الوقت؟ هذا ما يشكّكه كثير من الباحثين المعاصرين، الذين يرون أن المكتبة كانت قد تراجعت بشكل جوهري قبل تلك التواريخ بفعل قرون من الإهمال النسبي وانعدام التمويل الملكي وتقلّب الأوضاع السياسية.
ثالثاً: أسطورة عمرو بن العاص — 642 ميلادي
تنتشر رواية شهيرة تقول إن القائد العربي عمرو بن العاص حين فتح الإسكندرية راسل الخليفة عمر بن الخطاب سائلاً إياه عما يفعله بكتب المكتبة، فكان جواب الخليفة المنسوب إليه: “إن كانت توافق كتاب الله فهي فضلٌ عنه، وإن كانت تخالفه فلا حاجة إليها، فأحرقها.” ويُقال إن الكتب أُحرقت وأُوقد بها حمامات المدينة ستة أشهر كاملة.
هذه الرواية لم تظهر في أي مصدر تاريخي قبل القرن الثالث عشر الميلادي، أي بعد الفتح بأكثر من ستة قرون. وأقدم من رواها هو ابن القفطي، بينما المصادر العربية الأقدم منه صمتت عنها تماماً.
النقد التاريخي الرصين يهدم هذه الرواية من عدة زوايا: أولاً، أنها لم تُذكر في أي مصدر — عربي أو بيزنطي أو قبطي — في القرون الستة التي أعقبت الفتح الإسلامي. ثانياً، أقدم من رواها هو ابن القفطي في القرن الثالث عشر، وهو شخصية متأخرة جداً. ثالثاً، أن الحضارة الإسلامية كانت في تلك الحقبة بالذات في ذروة اهتمامها بالتراث اليوناني؛ إذ كان علماء بيت الحكمة في بغداد يترجمون أرسطو وإقليدس وجالينوس بحماس منقطع النظير. رابعاً، الأرجح تاريخياً أن المكتبة لم تكن موجودة بشكل ذي بال حين وقع الفتح الإسلامي، فقد كانت قد أُنهكت بقرون من الاضطرابات.
✦ ✦ ✦
التدهور التدريجي: الحقيقة الأكثر مرارة
الإجابة الأدق والأكثر أمانة عن مصير مكتبة الإسكندرية ليست درامية كما نتمنى. لم يكن ثمة حريق واحد عظيم أتى على كل شيء في ليلة مشؤومة. بدلاً من ذلك، تآكلت المكتبة ببطء على مدى قرون بفعل عوامل متعددة لا يختلف أيٌّ منها عن الأسباب التي تُفنى بها المؤسسات الثقافية في كل عصر.
مع تراجع النفوذ البطلمي ثم خضوع مصر لروما عام 30 قبل الميلاد، جفّ المال الملكي الذي كان يُضخّ بسخاء في شراء الكتب وصيانة المجموعات ورواتب العلماء. كانت لفافات البردي مادةً عضوية عُرضة للتلف السريع بفعل الرطوبة والحشرات والزمن، وصيانتها تتطلب نسخها باستمرار وعملاً دؤوباً لا يتوقف. فحين يتوقف المال، تبدأ المجموعات في التفتت والاندثار بصمت.
ثم جاءت الاضطرابات السياسية المتكررة في الإسكندرية، تلك المدينة العصيّة دائماً على الحُكّام، وبلغت ذروتها حين هاجم الإمبراطور الروماني أورليانوس المدينة عام 270 ميلادي رداً على تمرّدها، ودمّر الربع الملكي الذي كان يضم مجمع الموسيون. وبعدها بأقل من قرن، جاء هجوم الإمبراطور ديوكلتيانوس عام 297 ميلادي وما خلّفه من دمار في المدينة.
كلّ هذه الضربات المتراكمة تجعل المؤرخين يُرجّحون أن المكتبة كانت قد فقدت معظم مجموعاتها قبل أي من الأحداث الدرامية التي يُلقي عليها المؤرخون اللوم. ما يُسمى “حريق المكتبة” هو في حقيقته استعارة تاريخية تصف حقبة طويلة من الانحدار، لا حدثاً واحداً يمكن تحديد تاريخه.
✦ ✦ ✦
ما الذي ضاع فعلاً؟
لعلّ هذا هو السؤال الأشد وجعاً والأكثر إثارةً للفضول في آن. نعرف ما فُقد لأن كتّاب العصور القديمة استشهدوا به أو أشاروا إليه في مؤلفاتهم التي وصلت إلينا، فنعرف الأسماء والعناوين، لكن لا نجد النصوص. وهذا النوع من الحزن — حزن معرفة أن شيئاً عظيماً وُجد ثم انمحى — هو أشد أنواع الحزن ألماً.
يُقدّر الباحثون اليوم أننا نمتلك أقل من عشرة بالمئة مما أنتجه الكتّاب الإغريق القدماء. أيسخيليوس كتب نحو تسعين مسرحية، لم يصلنا منها سوى سبع. سوفوكليس ألّف ما بين مئة وعشرين مسرحية، لا نملك اليوم إلا سبعاً منها. أريستوفانيس كتب أربعين كوميدياً، وصلنا أحد عشر. والحال أن كثيراً مما فُقد من هؤلاء كان من أعمالهم التي نالت جوائز في حفلات ديونيسوس الشهيرة — أي من خيرة ما كتبوه.
أما أريستارخوس الساموسي فقد اقترح مركزية الشمس قبل كوبرنيكوس بألفي عام، غير أن كتابه الرئيسي في هذا الشأن ضاع كلياً ولم يبقَ منه إلا إشارات عند غيره. ولو وصل إلينا، لكان التاريخ أوفر له حقاً ولكان كوبرنيكوس ربما يجد طريقه ممهّداً بدرجة أكبر. وكتب ديمقريطس عن النظرية الذرية التي تُشكّل أساس الفيزياء الحديثة، لكن أعماله اندثرت كلها وبقيت منها شذرات متفرقة فحسب.
وثمة خسارة أكثر غموضاً وأشد إيلاماً: ما كانت تحتويه كتب الحضارات غير الإغريقية التي جمعها البطالمة. كانت المكتبة، في طموحها، تستهدف جمع كتب كل الأمم، فكانت تحتوي على نصوص بابلية ومصرية قديمة وفارسية وربما هندية. كم من علم تلك الحضارات العريقة اندثر في هذه العملية دون أن نعلم حتى بوجوده؟
✦ ✦ ✦
ما الذي نجا وكيف؟
القصة ليست مأساة خالصة بلا بصيص أمل. جزء معتبر من تراث العالم القديم نجا بطرق مثيرة للاهتمام، وكثيراً ما تكون هذه الطرق نفسها قصصاً مدهشة. الدور الذي أدّاه العلماء العرب والمسلمون في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين لحفظ التراث اليوناني وترجمته في بيت الحكمة ببغداد وفي المدارس المختلفة لا يقل أهميةً عن المكتبة ذاتها، بل ربما يفوقها في الأثر التاريخي الفعلي. كثير من أعمال أرسطو وأقليدس وجالينوس وبقراط وصلت إلى أوروبا في القرون الوسطى عبر ترجمات عربية أولاً، قبل أن يجد الأوروبيون النصوص اليونانية الأصلية.
وكانت مكتبة القسطنطينية البيزنطية الحلقة الأخرى الحاسمة في سلسلة الحفظ: حافظت على نسخ خطية من التراث الكلاسيكي حتى سقوط القسطنطينية عام 1453 ميلادي، حين فرّ العلماء البيزنطيون حاملين مخطوطاتهم نحو الغرب، مما أشعل فتيل عصر النهضة الأوروبية. ولا ننسى الأديرة الأوروبية التي كان رهبانها ينسخون المخطوطات جيلاً بعد جيل، محافظين على خيوط رفيعة من التراث الكلاسيكي في زمن كانت أوروبا غارقة في ظلام القرون الوسطى.
بل إن اكتشافات مدهشة لا تزال تقع حتى يومنا هذا. عام 1998 ظهرت ما عُرفت بـ”بردية أرخيمدس”، وهي مخطوطة من القرن العاشر الميلادي كُشف عنها في كتاب صلاة وكانت تحتوي على أعمال رياضية لأرخيمدس لم تكن معروفة، ضمنها براهين حول حساب التفاضل والتكامل سبق بها الرياضيين الأوروبيين بألف وسبعمئة عام. يُذكّرنا هذا بأن الاكتشافات لم تنته، وأن مكتبات ومستودعات وكهوف وكنائس حول العالم قد تحتضن نصوصاً لم يرَها أحد منذ قرون.
✦ ✦ ✦
دلالة الأسطورة: لماذا نحتاج إلى قصة الحريق؟
من المثير للتساؤل الفلسفي أن نسأل: لماذا تعلّقنا كبشر بأسطورة الحريق العظيم في ليلة واحدة، رغم أن الحقيقة التاريخية تكشف أن الأمر كان أكثر تدرجاً وأقل دراماتيكية؟
الجواب ربما يكمن في أن قصة الحريق المفاجئ تمنحنا راحة نفسية غريبة. إذا كانت المعرفة قد ضاعت في حدث واحد عرضي — جندي مندفع، قائد متعصب، حشد غاضب — فذلك يعني أن التاريخ كان يمكن أن يسير في اتجاه مختلف لو لم تقع تلك الحادثة بالذات. يعني أن الكارثة كانت حادثة لا قانوناً. لكن الحقيقة الأصعب أن المعرفة تضيع بصمت وببطء من الإهمال والفقر وتغيّر الأولويات، لا في نيران مسرحية واحدة.
وهذا يجعل الموضوع أكثر إلحاحاً وأقل راحةً لعالمنا المعاصر. المكتبات والأرشيفات والتراث الرقمي اليوم لا تواجه الحرائق الحرفية بالقدر الذي تواجه فيه تهديدات التمويل المتراجع والإهمال المؤسسي وضغوط الجدوى الاقتصادية. نحن لسنا بمنأى عن الخطأ ذاته الذي وقعت فيه حضارة الإسكندرية، وعقابه الذي دفعته البشرية جمعاء.
✦ ✦ ✦
خاتمة: ما الذي ضاع حقاً؟
مكتبة الإسكندرية لم تحترق في ليلة واحدة. تراجعت وتفتّتت عبر قرون طويلة، بفعل عوامل متعددة لا يتحمّل أيٌّ منها المسؤولية الكاملة وحده. بعض كتبها نجا بطرق غير متوقعة عبر السريان البيزنطيين والعلماء المسلمين والرهبان الأوروبيين. وما ضاع، ضاع في معظمه بفعل الزمن والإهمال والاضطراب، لا بفعل شرارة واحدة.
لكن الخسارة الحقيقية الموجعة هي خسارة الاحتمالات لا الكتب. لا نعرف ما الذي كنّا سنعرفه لو بقيت تلك النصوص. ربما توصّلنا إلى الثورة العلمية في القرن الثالث الميلادي لا السابع عشر. ربما عرف الناس آنذاك أن الأرض كروية وتدور حول الشمس وأن المادة مؤلفة من ذرات. ربما أمكن اختصار ألف عام أو أكثر من التخبّط الحضاري البطيء.
ذلك اللايقين المؤلم — الجهل بما كنّا يمكن أن نعرفه — هو الخسارة الحقيقية لمكتبة الإسكندرية. ليست الكتب وحدها، بل كل المستقبل الذي كانت تلك الكتب قد تفتحه. وهذا وحده كافٍ لأن نتذكّر تلك المكتبة بشيء من الحزن والهيبة والحذر من أن نكرر أخطاء الماضي في حفظ ما تبقّى من إرث البشرية.
― نهاية المقالة ―


