مايو 15, 2026
تاريخ

دولة اليعاربة: أول من طرد البرتغاليين وأسس عُمان الحديثة

bayanelm 3 1 دقيقة 0
دولة اليعاربة: أول من طرد البرتغاليين وأسس عُمان الحديثة

دولة اليعاربة: أول من طرد البرتغاليين وأسس عُمان الحديثة


مقدمة: فجر نهضة عُمانية

في مطلع القرن السابع عشر الميلادي، كانت عُمان تئنّ تحت وطأة احتلال برتغالي امتدّ لأكثر من مئة عام، احتلال نهب ثرواتها وأذلّ أبناءها وقيّد تجارتها وأخضع موانئها لسيطرة أجنبية غاشمة. لم يكن أحد يتخيّل أن تنبثق من رحم تلك المحنة دولةٌ عريقة ستُعيد رسم خريطة المنطقة، وتُطهّر شواطئ عُمان من الوجود البرتغالي، وتمدّ نفوذها حتى سواحل أفريقيا الشرقية وشبه القارة الهندية. تلك هي دولة اليعاربة، الدولة التي لم تكتفِ بتحرير وطنها، بل حوّلته إلى قوة بحرية إقليمية مهابة، وأرست دعائم ما نُسمّيه اليوم عُمان الحديثة.


أولاً: الجذور والنشأة — من هم اليعاربة؟

اليعاربة قبيلةٌ عربية أصيلة تنتسب إلى يَعرُب بن قحطان، أحد أعمدة النسب العربي القحطاني اليمني الأصيل. استوطنت هذه القبيلة منطقة الجوف والرستاق وما جاورها في الداخل العُماني، واشتُهرت بالشجاعة والكرم وحبّ الاستقلال، وهي صفات لم تفارقها حين آنَ أوان الفعل التاريخي الكبير.

قبل قيام دولتهم، كانت عُمان تعيش حالة من التشرذم السياسي الحاد؛ الإمامة الإباضية كانت قد ضعفت، والقبائل منقسمة على نفسها، والبرتغاليون يحكمون قبضتهم على مسقط وصور وقلهات وسائر المدن الساحلية منذ عام 1507م حين استولى عليها أفونسو دي ألبوكيرك. في هذا الفراغ السياسي والأزمة الوجودية، برزت الحاجة الماسّة إلى قيادة تُعيد توحيد العُمانيين وتُوجّه طاقاتهم نحو التحرر.


ثانياً: الاحتلال البرتغالي — جرح مفتوح لقرن كامل

لفهم عظمة ما أنجزته دولة اليعاربة، لا بدّ من استيعاب حجم المأساة التي عاشها العُمانيون في ظل الاحتلال البرتغالي الذي دام من 1507م حتى 1650م.

حين وطأت أقدام البرتغاليين شواطئ عُمان في مطلع القرن السادس عشر، لم يأتوا تجاراً يبتغون الربح وحسب، بل جاءوا غُزاةً يرمون إلى السيطرة على طرق التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا. فرضوا ضرائب جائرة على السفن المارّة، وفرضوا احتكاراً خانقاً على تجارة التوابل والبخور والأحجار الكريمة. شيّدوا القلاع والحصون في مسقط وجزيرة هرمز وممباسا، وحوّلوا الموانئ العُمانية إلى قواعد عسكرية تخدم مشروعهم الاستعماري في المحيط الهندي.

لم يقتصر الأذى على الجانب الاقتصادي؛ بل امتدّ إلى الكرامة والهوية. أساء البرتغاليون معاملة السكان، ومنعوا ممارسة بعض الشعائر، وحاولوا فرض نفوذهم الديني والثقافي. ظلّ العُمانيون يقاومون بين الحين والآخر، لكن المقاومة كانت مجزّأة وبلا قيادة موحّدة حتى جاء اليعاربة.


ثالثاً: ناصر بن مرشد — المؤسس الذي أشعل الشرارة

في عام 1624م، انعقد في الرستاق اجتماع تاريخي اختار فيه علماء عُمان وقادتها ناصر بن مرشد بن سليمان اليعربي إماماً على عُمان. كان ناصر شاباً في مقتبل العمر، لكنه جمع بين حكمة الشيوخ وحماسة الفتيان، وكان يحمل في صدره حلماً واحداً: توحيد عُمان وتحريرها.

لم يكن طريق ناصر مفروشاً بالورود؛ فقد ورث بلاداً ممزّقة، قبائلها في حروب متواصلة، وخزينتها فارغة، وعدوّها راسخ القلاع. لكنه اتّبع سياسة ذكية قوامها التحالف قبل المواجهة، والإقناع قبل الإكراه. طاف أرجاء عُمان، يُصالح بين القبائل ويجمع شملها، ويُذكّرها بعدوّ مشترك يجثم على صدر الوطن.

حين شعر بأن الأرضية الداخلية باتت متماسكة، بدأ ناصر يشدّ الخناق على المواقع البرتغالية تدريجياً. لم يكن يملك في البداية أسطولاً بحرياً يُذكر، فركّز على الداخل وحرر المدن الداخلية واحدة تلو الأخرى، قاطعاً خطوط الإمداد البرية عن الحاميات البرتغالية في الساحل. بنى جيشاً نظامياً وأرسى نظام حكم يقوم على مبادئ الإمامة الإباضية من شورى وعدل وشفافية.

توفي ناصر بن مرشد عام 1649م قبل أن يرى حلمه مكتملاً، لكنه ترك خلفه دولة موحّدة وجيشاً جاهزاً وشعباً متحفّزاً. كان البناء قد اكتمل، ولم يبقَ إلا الحصاد.


رابعاً: سلطان بن سيف — الرجل الذي طرد البرتغاليين

إذا كان ناصر بن مرشد هو من زرع البذرة وروى الشجرة، فإن ابن عمّه سلطان بن سيف اليعربي هو من قطف الثمرة في أبهى صورها. خلف سلطان ناصر في الإمامة عام 1649م، وكان أمامه مهمة واحدة لا تقبل التأجيل: طرد البرتغاليين من مسقط.

جمع سلطان بن سيف قواته واتّجه نحو مسقط عام 1650م. كانت المدينة محصّنة بقلعتين عاتيتين هما ميراني والجلالي، وكان البرتغاليون يعتقدون أنهما منيعتان لا تُستردّان. لكن سلطان لم يلجأ إلى الحصار الطويل وحده؛ بل نسّق هجوماً برياً وبحرياً متزامناً، واستثمر الروح المعنوية المرتفعة لجنوده ومساندة السكان المحليين الذين فتحوا أبواب المدينة لأبنائهم المحرّرين.

في عام 1650م، رُفع علم اليعاربة فوق أسوار مسقط، وانتهى احتلال دام أكثر من مئة وأربعين عاماً. كان الحدث صاعقاً في أثره المعنوي؛ لأن مسقط لم تكن مجرد مدينة، بل كانت رمز السيادة والباب الرئيس لعُمان على العالم. تحرير مسقط كان يعني أن عُمان عادت سيّدة نفسها.

لم يتوقف سلطان عند هذا الحدّ؛ بل تابع العمليات العسكرية لتطهير بقية الجيوب البرتغالية على الساحل العُماني، وشرع في بناء أسطول بحري قوي، مستعيناً بالخشب الوفير من الجبال العُمانية وبالبحّارة العُمانيين المهرة الذين توارثوا فنون الملاحة جيلاً بعد جيل. كان يدرك أن بقاء عُمان حرّة رهين بقوتها البحرية، وأن البحر الذي كان طريق الغزاة يمكن أن يتحوّل إلى طريق النصر والثروة.


خامساً: التوسع البحري — حين أصبحت عُمان قوة عظمى

ما أنجزه اليعاربة بعد تحرير مسقط يفوق في أهميته التحرير ذاته؛ لأنهم لم يكتفوا بإخراج الغزاة، بل حوّلوا عُمان إلى قوة بحرية إمبراطورية امتدّت من الخليج العربي حتى أعماق المحيط الهندي.

الأسطول العُماني: شيّد سلطان بن سيف وخلفاؤه أسطولاً حربياً بحرياً لم تعرف المنطقة مثيله. كانت السفن العُمانية تُبنى من أخشاب جبال الحجر، وتُجهَّز بالمدافع والأسلحة المنتزعة من الغنائم البرتغالية، ويقودها بحّارة نشأوا على حبّ البحر ومعرفة نجومه ومساراته. في أقل من عقدين، تحوّل الأسطول العُماني من قوة دفاعية إلى قوة هجومية رادعة.

الامتداد إلى أفريقيا الشرقية: كان البرتغاليون يسيطرون على شريط طويل من سواحل أفريقيا الشرقية، من ممباسا في كينيا حتى موزمبيق، وكانوا يستعبدون سكانها ويستنزفون ثرواتها. طلبت مدن كثيرة مساعدة اليعاربة للتخلص من هذا الاحتلال، فلبّى العُمانيون النداء. شنّوا حملات بحرية متتالية، وفي عام 1698م، بعد حصار طويل لقلعة جيسوس في ممباسا، انتزع العُمانيون هذه القلعة الرمزية من البرتغاليين وأخضعوا الساحل الأفريقي لنفوذهم.

امتدّ النفوذ العُماني ليشمل زنجبار وبمبا وكيلوا ومقديشو وسواحل واسعة من شرق أفريقيا، وأصبحت هذه المناطق مصدراً للثروة والتجارة، إذ ربط العُمانيون بين أسواق الخليج والهند وأفريقيا في شبكة تجارية متكاملة. لم يكن هذا استعماراً بالمفهوم الأوروبي القائم على النهب والإذلال، بل كان في جوهره نظاماً من العلاقات التجارية والسياسية والثقافية أفاد منه الجميع.

الصراع مع الهند والفرس: لم يقتصر الوجود العُماني على أفريقيا؛ بل امتدّ لتأديب القراصنة وحماية طرق التجارة في المحيط الهندي، وخاض العُمانيون معارك بحرية ضد القوى الأوروبية والمحلية المختلفة. أصبح الاسم العُماني مهاباً في الموانئ الهندية وفي ممرات التجارة الكبرى.


سادساً: الازدهار الداخلي — عُمان تبني نفسها

لم يكن اليعاربة مجرد محاربين؛ بل كانوا بُناةً وحكاماً على درجة عالية من الفطنة السياسية. خلال حكمهم الذي امتدّ من 1624م حتى 1744م، شهدت عُمان نهضة داخلية شاملة لم تقتصر على الجانب العسكري.

الزراعة والأفلاج: اهتمّ أئمة اليعاربة اهتماماً بالغاً بنظام الأفلاج، تلك الشبكة المعجزة من القنوات المائية التي تجلب المياه من أعماق الجبال إلى السهول والواحات. رمّموا الأفلاج القديمة وشقّوا جديدة، فاتّسعت الرقعة الزراعية وزادت المحاصيل وأمكن إعالة سكان أكثر. كانت الزراعة عماد الاقتصاد الداخلي، والأفلاج هي شريانه الحيوي.

العمارة والتحصين: أقام اليعاربة قلاعاً ومحصّنات لا تزال صامدة حتى اليوم. قلعة الرستاق، مركز الإمامة وعاصمتهم الأولى، شهدت توسعات وتجميلات واسعة. قلعة نزوى بقبّتها العظيمة التي يبلغ قطرها نحو خمسة وثلاثين متراً وتُعدّ من أضخم الأبراج الدفاعية في التاريخ العربي، قلعة بهلاء، قلعة جبرين التي تعدّ تحفة معمارية بامتياز بنقوشها الفريدة ونقوش سقوفها المدهشة — كلّ هذه الصروح العمرانية هي إرث اليعاربة الخالد في التراب العُماني.

التجارة والاقتصاد: مع تأمين الطرق البحرية وطرد البرتغاليين، انطلقت التجارة العُمانية من عقالها. صادرت عُمان التمور والخيول والأسماح والبخور، واستوردت الأقمشة الهندية والتوابل والأخشاب والأرز. أصبحت مسقط ملتقى للتجار من شتى أنحاء العالم، سوقاً حرّة نابضة بالحياة.

العلم والدين: كان أئمة اليعاربة بوجه عام علماء أو على الأقل راعين للعلم. حرصوا على ترسيخ المذهب الإباضي بوصفه هوية دينية وفكرية مستقلة تميّز عُمان، ودعموا المدارس والعلماء والقضاة. كان الفقه والتاريخ والأدب يُدرَّسون في الرستاق ونزوى وبقية المدن، وكانت المخطوطات تُستنسخ وتُحفظ.


سابعاً: أبرز أئمة اليعاربة — صانعو التاريخ

تعاقب على حكم دولة اليعاربة سلسلة من الأئمة، كلٌّ منهم أضاف لبنةً إلى البناء الكبير:

ناصر بن مرشد (1624–1649م): المؤسس والموحّد، أرسى دعائم الدولة وجمع شمل القبائل.

سلطان بن سيف الأول (1649–1668م): المحرّر العظيم، طرد البرتغاليين من مسقط وبنى الأسطول.

بلعرب بن سلطان (1668–1692م): الحاكم المثقّف، اهتمّ بالعمران والعلم وبنى قلعة جبرين الشهيرة. كان شاعراً وأديباً وراعياً للفنون، ولعهده مكانة خاصة في الذاكرة الثقافية العُمانية.

سيف بن سلطان الأول “قيد الأرض” (1692–1711م): الموسّع الكبير، أكمل فتح أفريقيا الشرقية ووسّع رقعة النفوذ العُماني وسيطر على سواحل شرق أفريقيا، وكان من أبرز حكام اليعاربة قدرةً وذكاءً. لُقّب بـ”قيد الأرض” تعظيماً لمكانته، وتشير الروايات إلى أنه كان يملك ثروات طائلة وأساطيل ضخمة.

سلطان بن سيف الثاني (1711–1718م): واصل مسيرة التوسع.

سيف بن سلطان الثاني (1718–1743م): شهد عهده بوادر الضعف والخلافات الداخلية التي مهّدت لأفول دولة اليعاربة.


ثامناً: العوامل التي أعانت اليعاربة على النجاح

لم يكن نجاح اليعاربة محض صدفة أو حظ عابر؛ بل قامت عليه جملة من العوامل الموضوعية والذاتية:

الشرعية الدينية: استندت دولة اليعاربة إلى نظام الإمامة الإباضية، وهو نظام يُعطي الحاكم شرعيته من العلماء والشعب معاً. هذه الشرعية الدينية والسياسية المزدوجة منحت الإمام صلاحية استنهاض الهمم والجمع بين السيف والعلم.

الطبيعة الجغرافية: الجبال العُمانية الوعرة كانت حصناً طبيعياً أعجز البرتغاليين عن التوغّل الداخلي. وفّرت هذه الجغرافيا للعُمانيين ملاذاً آمناً وقاعدة إمداد بعيدة عن متناول العدو.

الروح البحرية: العُمانيون أمة بحريين بالفطرة؛ توارثوا فنون الملاحة والبناء البحري أجيالاً، وهذا الإرث الملاحي العريق كان سلاحاً استراتيجياً حين جاء وقت تحويله من تجارة إلى حرب.

الضعف البرتغالي: بحلول القرن السابع عشر، كانت البرتغال قد استنزفتها تعهّداتها العالمية الواسعة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، وبدأ نجمها يأفل أمام القوى الأوروبية الصاعدة كهولندا وإنجلترا. الحاميات البرتغالية في عُمان كانت معزولة وقليلة العدد وصعبة الإمداد.

الوحدة الداخلية: ربما كان هذا العامل الأهم؛ فقد نجح ناصر بن مرشد فيما فشل فيه كثيرون قبله: توحيد القبائل العُمانية تحت راية واحدة. حين تصرّف العُمانيون كأمة واحدة، لم تستطع أي قوة أجنبية مواجهتهم.


تاسعاً: الأثر الحضاري — ما تركه اليعاربة للأجيال

بعيداً عن الانتصارات العسكرية والتوسعات الجغرافية، خلّف اليعاربة إرثاً حضارياً راسخاً لا يزال ماثلاً في عُمان حتى اليوم:

إرث معماري: تزيّن عُمان اليوم بعشرات القلاع والحصون والأبراج التي شيّدها اليعاربة أو رمّموها، وقد أُدرج بعضها على قائمة التراث العالمي لليونسكو. قلعة بهلاء، قلعة نزوى، قلعة الرستاق، قلعة جبرين — كلّها شواهد حجرية على عبقرية معمارية وإرادة بناء لا تتزعزع.

إرث بحري: أرسى اليعاربة تقليداً بحرياً جعل عُمان قوة محيطية. هذا التقليد ورثته الدولة البوسعيدية التي أعقبتها، واستمرّ ليُجعل من عُمان دولةً بحرية بامتياز حتى يومنا هذا.

الهوية الوطنية: ربما كان الإرث الأعمق هو خلق هوية وطنية عُمانية متماسكة. قبل اليعاربة، كانت “عُمان” مفهوماً جغرافياً أكثر من كونه مفهوماً سياسياً. بعد اليعاربة، أصبحت عُمان وطناً بهوية وتاريخ وكرامة مشتركة.

التراث الديني والفكري: ترسيخ المذهب الإباضي بوصفه هوية دينية ومدنية مستقلة أعطى عُمان خصوصيتها بين الأمم الإسلامية، وجعل منها نموذجاً فريداً في التسامح والانفتاح مع الإبقاء على الخصوصية.


عاشراً: أفول الدولة — نهاية حقبة وبداية أخرى

كما هو شأن الدول العظيمة عبر التاريخ، لم تسلم دولة اليعاربة من داء الخلافات الداخلية. بعد وفاة سيف بن سلطان الأول عام 1711م، دبّ الخلاف بين أبناء البيت اليعربي على الإمامة، وانقسمت القبائل تبعاً لانتماءاتها وولاءاتها. استمرّت هذه الخلافات والصراعات لعقود، استنزفت خلالها موارد الدولة وقوّضت وحدتها.

في هذا الفراغ، استُدعيت قوات إيرانية بوصفها حليفاً في الصراع الداخلي، وهو ما فتح باباً جديداً للتدخل الأجنبي. تعقّدت الأمور أكثر حين برز أحمد بن سعيد البوسعيدي، الوالي على صحار، ليُصفيَ الوجود الإيراني ويُعيد توحيد عُمان. عام 1744م، أُعلن أحمد بن سعيد إماماً، وبذلك انتهت دولة اليعاربة رسمياً وبدأت الدولة البوسعيدية التي لا تزال تحكم عُمان حتى اليوم.

لكن الانتهاء لم يعنِ الانمحاء؛ فقد كان البوسعيديون في حقيقتهم وُرثاءَ اليعاربة وحاملي مشعلهم، وأسّسوا دولتهم على الأرضية التي رسّختها دولة اليعاربة: وحدة داخلية، قوة بحرية، واعتداد بالهوية العُمانية.


الخاتمة: درس اليعاربة الخالد

حين نتأمّل مسيرة دولة اليعاربة من ذلك الاجتماع المتواضع في الرستاق عام 1624م حتى انتهاء الدولة عام 1744م، نجد أنفسنا أمام درس تاريخي نادر في كيفية تحوّل الشعوب من ضحية إلى فاعلة، ومن مستعمَرة إلى قوة إقليمية.

نجح اليعاربة لأنهم آمنوا بأن التحرر الحقيقي لا يُبنى على الحقد وحده، بل على الرؤية والبناء والانضباط. لم يكتفوا بطرد البرتغاليين — وإن كان هذا وحده إنجازاً يستحق أن يُحتفل به — بل شمّروا عن سواعدهم لبناء دولة قادرة على الدفاع عن نفسها وتوفير الرخاء لأبنائها والتأثير في محيطها الإقليمي.

دولة اليعاربة ليست مجرد صفحة في كتب التاريخ؛ إنها روح عُمان ذاتها، تلك الروح التي جمعت بين صلابة الجبل ومرونة البحر، وبين الوفاء للموروث والانفتاح على الآفاق. في كل حجر من أحجار قلعة نزوى، وفي كل موجة من أمواج مسقط، تتردّد أصداء تلك الحقبة الذهبية حين قرّر العُمانيون ذات يوم أن يأخذوا أقدارهم بأيديهم، فصنعوا تاريخاً يستحقّ أن يُتذكّر إلى الأبد.


هذه المقالة تستعرض التاريخ العُماني في حقبة دولة اليعاربة (1624–1744م) استناداً إلى المصادر التاريخية المتاحة.

رابط المقالة القصير
مشاركة:
3 مشاهدة

اترك تعليقاً