أبريل 24, 2026
تاريخ

المدن والدول التي أسسها العمانيون من موزمبيق إلى دار السلام — كيف رسم العمانيون خريطة العالم

bayanelm 17 1 دقيقة 0

نقدم لكم مقالة عن المدن والدول التي أسسها العمانيون من موزمبيق إلى دار السلام — كيف رسم العمانيون خريطة العالم

شعب كتب اسمه على خريطة العالم

ثمة حقيقة يجهلها كثيرون: أن اسم دولة موزمبيق بأكملها، وهي دولة يبلغ عدد سكانها نحو خمسة وثلاثين مليون إنسان وتمتد ساحلها على أكثر من ألفي كيلومتر على المحيط الهندي، لا يعدو أن يكون توثيقاً أبدياً لاسم تاجر عماني واحد أقام على جزيرتها قبل خمسة قرون. وأن مدينة دار السلام، أكبر مدن شرق أفريقيا اليوم وعاصمة تنزانيا الاقتصادية، أسسها سلطان عماني من آل بوسعيد واختار لها اسمها العربي بيده. وأن لامو الكينية، المدينة التي صنّفتها اليونسكو تراثاً إنسانياً عالمياً، نشأت أولاً على أيدي أميرين عُمانيين فارّين من بطش الحجاج بن يوسف الثقفي في مطلع القرن الثامن الميلادي.

هذه ليست مصادفات. إنها نمط ممتد لأكثر من ألف وثلاثمائة عام من التواجد العماني المنظم خارج حدود عُمان؛ تواجد لم يكن يوماً احتلالاً بالمعنى الغربي، بل كان خليطاً من الهجرة والتجارة والحكم والتعليم والتمازج، صنع مدناً وممالك ودولاً لا تزال قائمة حتى اليوم تحمل ذاكرة العمانيين في عمارتها ولغتها ودينها وثقافتها.

هذه المقالة تتناول هذه المدن والدول خارج الأرض العمانية، مرتّبةً جغرافياً من الشمال إلى الجنوب، من الساحل الصومالي حتى جزر القمر.


أولاً: مملكة الجلندانيين في أرخبيل لامو — أقدم دولة عمانية خارج عُمان

في عام 82 للهجرة، أي نحو 700 للميلاد، وقع حدث بدا في ظاهره هزيمة، لكنه تحوّل في باطنه إلى نقطة انطلاق لأول حضور سياسي عماني منظّم خارج عُمان. حين أرسل الحجاج بن يوسف الثقفي جيشاً إلى عُمان لقمع ثورة سعيد وسليمان ابني عبد بن الجلندى، فرّ الأميران العُمانيان إلى الساحل الشرقي لأفريقيا، ونزلا في جزيرة بات/باتى بأرخبيل لامو، وذلك في خلال الفترة 75-85هـ/ 694-704م. 1

استقر الأخوان في جزيرة باتى التي تضم ثلاث مدن تاريخية هي: سييو وباتى وشانجا، ثم توسع نفوذهم على طول الساحل الكيني وصولاً إلى جيدي الواقعة بين ممباسا ولامو، ثم امتدوا إلى جنوب الصومال وزمبابوي وموزمبيق وجزر القمر وتنزانيا. 2

ما نشأ عن هذه الهجرة لم يكن مجرد مجموعة لاجئين، بل كان دولة حقيقية. أسهمت مملكة الجلندانيين في انتشار الإسلام في ساحل شرق إفريقيا في أواخر القرن الهجري الأول بسبب نفوذ الجلندايين الممتد من مقديشو شمالاً حتى جزر القمر ومدغشقر جنوباً، وكان لها دور مهم في التجارة والملاحة من خلال تحويل المراكز التجارية الصغيرة إلى مدن عمرانية وتجارية. 3 وقد استمرت هذه المملكة العمانية الأفريقية خمسة قرون كاملة، من عام 80 حتى 565 للهجرة.

ولامو اليوم مدينة كينية مدرجة في قائمة التراث العالمي، لكن أزقتها الضيقة وأبوابها المحفورة ومساجدها العتيقة تحكي قصة بداياتها العمانية قبل أن تكون لها قصة أخرى.


ثانياً: مقديشو — دولة عمانية في عاصمة الصومال

يتحدث المؤرخون عن استيطان قبيلة الحرث العمانية في مقديشو بين عامي 291 و301 للهجرة، حيث أسست هذه القبيلة دولة خاصة بها استمرت في حكمها حتى قدوم البرتغاليين، وبذلت جهدها في تعريب الكثير من القبائل الصومالية، وخاصة الساحلية التي دخلت الإسلام على أيديهم. 4

وهذه حقيقة تستحق التوقف؛ فمقديشو التي نعرفها اليوم عاصمةً للصومال كانت قبل ألف عام أقرب إلى مستعمرة عمانية منها إلى أي شيء آخر. وكانت السلطة العمانية في عصورها المتعاقبة تمتد إلى مومباسا وماليندي ومقديشو وأسمرة وبعض المدن في وسط أفريقيا. 5

بحلول القرن الثالث عشر أصبحت مدينة مقديشو مركز سيطرة على طول ساحل شرق أفريقيا بسبب سيطرتها على تجارة الذهب الذي يأتي من داخل أفريقيا عبر منطقة سفالة في موزمبيق. 6 وقد طبع العمانيون على مقديشو طابعهم المعماري والثقافي والديني الذي لا يزال يمكن رؤية بعض ملامحه حتى اليوم في التراث المعماري للمدينة القديمة.

أما أثرهم اللغوي فقد تجاوز مقديشو ليطال الساحل الصومالي كله؛ إذ إن اللغة السواحيلية، ذلك الخليط الفريد من العربية والبانتو، هي في جوهرها ثمرة من ثمار اللقاء العماني الأفريقي الطويل.


ثالثاً: مومباسا — المدينة التي بناها التجار العمانيون

مومباسا واحدة من المدن الأفريقية العديدة التي شيّدها العرب في القارة السمراء، وكان ذلك في وقت مبكر من القرن الثالث الهجري، حين أسسها التجار العمانيون لخدمة أغراض التجارة المزدهرة مع شرق أفريقيا، وظلّت الأسر العمانية تحكم مومباسا حتى القرن السادس. 7

ومومباسا تحكي قصة طويلة من السيطرة والتنافس؛ كانت حلبة صراع بين العمانيين والبرتغاليين، انتهت في النهاية لصالح العمانيين. في عام 1698م، هُزم البرتغاليون في مومباسا على يد العرب العمانيين، الذين مارسوا هيمنتهم الخاصة باحتلال حصن جيسوس، وعيّنوا أحد أفراد عائلة المزروعي حاكماً، وعزّزوا هذا الاحتلال بإضافة أنماط معمارية عربية إلى حصون الحصن. 8

خلال فترة المزروعي من حوالي 1735 إلى 1837م، كانت مومباسا دولة مدينة مستقلة تتمتع بالهيمنة السياسية على معظم سواحل كينيا وشمال تنزانيا. 9

ما تركه العمانيون في مومباسا يتجاوز التاريخ السياسي ليصل إلى صميم الحياة اليومية. اللغة السواحيلية تتألف من تسعين بالمئة من مفردات اللغة العربية والباقي من لغة “البانتو” المحلية، وكانت تُكتب بالحروف العربية حتى منتصف القرن الماضي. والأزياء العربية وخاصة ملابس النساء السوداء فهي عمانية تماماً، وكذلك المنازل التي تشبه إلى حد كبير عمارة البيوت العمانية ولا سيما استخدام الأخشاب المزخرفة في عمل الأبواب والنوافذ. 10

من أهم العائلات العمانية التي حكمت مومباسا عائلة المزروعي التي ينحدر منها العالم والمؤرخ الشهير البروفيسور علي المزروعي المتوفى في سبتمبر 2014. 11 وهو مفكر عالمي بارز درّس في كبريات جامعات العالم، يحمل إرث مومباسا العمانية في اسمه ووجدانه.


رابعاً: جزيرة لامو وأرخبيلها — مدينة يونسكو ذات الجذور العمانية

إذا كانت باتى هي أول موطئ قدم عماني في أرخبيل لامو، فإن لامو نفسها هي المدينة التي ازدهرت في ذلك الأرخبيل وحملت الإرث العماني أبعد من غيرها. أسهمت مملكة الجلندانيين العمانية في تحويل المراكز التجارية الصغيرة في الأرخبيل إلى مدن عمرانية وتجارية، وكان نفوذها يمتد من مقديشو شمالاً حتى جزر القمر ومدغشقر جنوباً. 12

ولامو اليوم واحدة من أقل المدن الأفريقية تغيراً بمرور الزمن؛ فلا سيارات في شوارعها الضيقة، ويتنقل أهلها على الحمير والقوارب، ومساجدها وبيوتها الحجرية المحفورة بالزخارف العربية تعيد زائرها إلى قرون خلت. وقد صنّفت اليونسكو المدينة القديمة في لامو تراثاً عالمياً، وهي شهادة إنسانية على أن ما بناه العمانيون لا يزال يستحق الإعجاب بعد أكثر من ألف عام.


خامساً: زنجبار — عاصمة الإمبراطورية التي اختارها سلطان عماني على مسقط

زنجبار ليست مجرد جزيرة في المحيط الهندي؛ إنها الفصل الأهم والأطول في رواية عُمان خارج حدودها. دخلت زنجبار في الإسلام عن طريق الهجرات العربية في نهاية القرن الأول الهجري في عهد الدولة الأموية، حين فرّ حاكما عُمان سليمان وسعيد ابنا الجلندي إلى بر الزنج هرباً من جيش الحجاج. 13

ظلّت سيطرة العمانيين على زنجبار وساحل شرق أفريقيا حوالي ألف عام، ولم تنقطع السيطرة العمانية عن تلك المناطق إلا لفترات قصيرة بسبب الاستعمار البرتغالي الذي انتزعها منهم عام 1503م، وبقيت في أيديهم إلى أن طرد الإمام سلطان بن سيف البرتغاليين من عُمان ومن ساحل شرق أفريقيا. 14

في عام 1828م قام السلطان سعيد بن سلطان بزيارة إلى الجزيرة، وعندما وصل إليها استهواه جمالها وطيب مناخها مقارنةً بهجير عُمان، فجعل من الجزيرة مقره الرسمي وعاصمة لمملكة يحكم منها عُمان وساحل أفريقيا، وأصبحت زنجبار منذ ذلك التاريخ عاصمة مملكة عُمان. 15

وقد أحدث السلطان سعيد بن سلطان ثورة اقتصادية حقيقية في زنجبار؛ كان هو أول من أدخل القرنفل إلى زنجبار من جزيرة موريشيوس 16، وهو ما حوّل الجزيرة إلى أكبر منتج للقرنفل في العالم لعقود متتالية، وجعلها مركزاً اقتصادياً لا يُنافَس في المنطقة.

أنشأ السلطان سعيد في زنجبار عاصمته المعروفة بـ”مجي مكونجوي” أو ما تُسمى اليوم “ستون تاون” أو “المدينة الحجرية”، وأسس سلالة حاكمة من ذريته. 17 وتُعدّ المدينة الحجرية في زنجبار اليوم من أجمل المدن التاريخية في العالم، وقد أدرجتها اليونسكو على قائمة التراث العالمي، وهي في كل زقاق وباب وحجر تحكي قصة العمانيين الذين بنوها.

وحتى عام 1886 كان سلطان زنجبار العماني يمتد نفوذه على طول ساحل أفريقيا الشرقي بالخطوط التجارية الممتدة إلى عمق القارة الأفريقية وصولاً إلى كوندو على نهر الكونغو. 18


سادساً: سلطنة زنجبار — الدولة العمانية المستقلة في أفريقيا

تُعرف سلطنة زنجبار سابقاً في بعض الأحيان حتى تفكك الإمبراطورية العمانية عام 1856 باسم “الشطر الأفريقي من سلطنة عُمان”. 19 وبعد وفاة السلطان سعيد بن سلطان وتقسيم الإمبراطورية، صار ابنه ماجد أول سلطان مستقل لزنجبار، لتستمر الدولة العمانية الأفريقية المستقلة حتى ثورة عام 1964.

كانت سلطنة زنجبار بمثابة نموذج فريد للدولة الإمبراطورية البحرية الصغيرة؛ دولة تعتمد على التجارة والملاحة ورأس المال البشري لا على القوة العسكرية وحدها، وقد شهدت في عهد سلاطينها البوسعيديين المتعاقبين ازدهاراً حضارياً تجلّى في المدارس والمساجد والموانئ والأسواق. وقد ترك هذا الميراث بصمة لا تُمحى في الهوية الثقافية لزنجبار، حتى إن نسبة المسلمين في الجزيرة تبلغ اليوم 98% من السكان.


سابعاً: دار السلام — المدينة التي أسّسها سلطان عماني وسمّاها بالعربية

أسّس ماجد بن سعيد سلطان زنجبار رسمياً مدينة دار السلام، بالاسم العربي، في عام 1866. 20 وكان ماجد بن سعيد يرى في هذه المدينة الساحلية التي كانت قرية صغيرة تُعرف بـ”مزيزيما”، عاصمةً مستقبلية لدولته.

بنى السلطان ماجد مدينة دار السلام وعمّرها وكان ينوي تحويلها إلى عاصمة لحكمه، ولكنه توفي قبل الانتهاء من عمارتها، فعمّرها الألمان عندما اتخذوها عاصمة لمستعمراتهم في أفريقيا وبنوا فيها محطة للسكة الحديدية. 21

من أقدم المباني التي شُيّدت في مدينة دار السلام “بوما القديمة” التي بُنيت عام 1866-1867م، وكان الهدف من بنائها استيعاب ضيوف سلطان زنجبار ماجد بن سعيد. 22

وكلمة “دار السلام” نفسها شاهد على الجذور العمانية للمدينة؛ فهي اسم عربي اختاره السلطان العماني لتعكس رؤيته لمدينة السلم والأمان، وقد ظلّ هذا الاسم يتردد على ألسنة ملايين الأفارقة منذ ذلك اليوم. وأصبحت دار السلام اليوم أكبر مدينة في شرق أفريقيا من حيث عدد السكان وسادس أكبر مدينة في أفريقيا، ومن أسرع مدن العالم نمواً.


ثامناً: موزمبيق — دولة سُمّيت باسم تاجر عماني

ترجع أصل تسمية موزمبيق بهذا الاسم إلى التاجر العماني موسى بن بيق، كان حاكم جزيرة موزمبيق قبل أن يحتلها البرتغاليون حوالي عام 1500. كان موسى بن بيق تاجراً عربياً من سلطنة عُمان وهو أول من زار الجزيرة من العرب وعاش فيها فيما بعد، وسُمّيت الجزيرة عليه، وبعد ذلك سُمّيت اليابسة المقابلة للجزيرة بأكملها باسمه موزامبيق. 23

توقف عند هذه الحقيقة قليلاً: تاجر عماني واحد، زار جزيرة صغيرة قبل خمسة قرون، فأصبح اسمه اسم دولة بأسرها. موزمبيق بحدودها المرسومة على أطلس العالم اليوم، بعواصمها ومدنها ومواطنيها الخمسة والثلاثين مليوناً، كلها تحمل في اسمها توقيع عماني واحد. سُمّيت موزمبيق على اسم جزيرة موزمبيق، والتي اشتق اسمها من موسى البيك أو موسى البيكي، التاجر العربي الذي كان أول من زار الجزيرة وعاش فيها. 24

وكان العمانيون في موزمبيق قبل البرتغاليين بقرون. وصف المؤرخ المسعودي “سفالة” وهي منطقة في موزمبيق فقال: “هي أقاصي بلاد الزنج، وإليها تقصد مراكب العُمانيين”. 25 وتشير حفريات الساحل الموزمبيقي إلى آثار عمرانية إسلامية تشبه تلك الموجودة في عُمان، مما يؤكد عمق الوجود العماني في هذا الساحل عبر القرون.


تاسعاً: كلوه — جزيرة التاجر العماني الذي حكمها اثنتي عشرة سنة

من أشهر المراكز والمدن التجارية الأفريقية على المحيط الهندي، مدينة كلوه، التي ظهرت بوضوح في العصور الوسطى، نظراً لموقعها المتوسط على ساحل شرق أفريقيا، فأصبحت مركزاً مهماً تقصده السفن العربية القادمة من شبه الجزيرة العربية. 26

وللعمانيين في كلوه قصة مثيرة؛ أشار كتاب “السلوة في أخبار كلوه” إلى أن العمانيين هم الذين كانوا أصلاً في كلوه حين وصلها الشيرازيون، وكان من بينهم التاجر العماني الواسع الثراء محمد بن الحسين المنذري الذي استطاع أن يحكم كلوه مدة اثنتي عشرة سنة، وهو من أمر ببناء المسجد في كلوه، وهو من أمر بتأليف كتاب السلوة، وتوفي في تلك المدينة. 27

آثار الأبنية في كلوه تتشابه مع نمط العمارة بالجزيرة العربية، من قلاع وحصون وأسوار، تدل على الترابط والعلاقة مع شعوب وأهالي كلوه. 28


عاشراً: جزيرة بمبا — الجزيرة الخضراء التحت الراية العمانية

تقع جزيرة بمبا شمال زنجبار، وهي تُسمى “الجزيرة الخضراء” بسبب خضرتها الكثيفة وإنتاجها الوفير للقرنفل. امتد النفوذ العماني ليشمل جزراً مثل زنجبار وبمبا ومافيا. 29 وقد أنشأ العمانيون في بمبا حاميات عسكرية ومراكز تجارية، وجعلوها ركيزة لسيطرتهم على المياه بين الساحل الأفريقي وزنجبار.

استرد العمانيون أرخبيل زنجبار من البرتغاليين وطردوهم منها عام 1698م، فأنشؤوا فيها الحاميات وفي جزيرة بمبا وجزيرة كيلوا. 30 وظلت بمبا تابعة لسلطنة زنجبار العمانية حتى القرن العشرين، وهي اليوم جزء من تنزانيا تحمل الثقافة السواحيلية ذات الجذور العمانية العريقة.


حادي عشر: ماليندي ولامو — مدن الساحل الكيني العمانية

كانت السلطة العمانية تمتد إلى مومباسا وماليندي ومقديشو وأسمرة وبعض المدن في وسط أفريقيا. 31 وماليندي مدينة ساحلية كينية تاريخية كانت من أهم موانئ الساحل الأفريقي في العصور الوسطى، ووصفها المؤرخون العرب والرحالة ابن بطوطة بتفصيل يكشف عن أهميتها التجارية الكبيرة.

وقد أسهم العمانيون في بناء هذه المدينة وتطويرها، وجعلوا منها حلقة في سلسلة المدن الساحلية التي ربطت التجارة من الخليج العربي والهند حتى عمق القارة الأفريقية. وفي ماليندي اليوم تجد أحياء قديمة وعمارة تراثية تحمل التأثير العربي واضحاً في ملامحها وأبوابها وزخارفها.


ثاني عشر: جوادر الباكستانية — المدينة العمانية على بحر العرب

جوادر مدينة باكستانية اليوم، وهي تعيش صحوة اقتصادية كبرى بفضل الاستثمارات الصينية الضخمة في إطار مشروع “ممر الاقتصاد الصيني الباكستاني”. لكن القليلين يعرفون أن هذه المدينة ظلت عمانية لأكثر من قرنين ونصف.

ضم السيد سلطان بن أحمد جوادر إلى سلطته عام 1792م، وهي الأرض التي كان قد اتخذ منها مقراً له مبكراً في عام 1784م بمنحة من حاكم قلات. 32 وقد بنى العمانيون في جوادر حضوراً إدارياً وعمرانياً وثقافياً متكاملاً، وأصبحت المدينة جزءاً من منظومة الموانئ العمانية الممتدة على المحيط الهندي.

ظلّت جوادر تحت الإدارة العمانية حتى عام 1958م حين تنازل السلطان سعيد بن تيمور عنها لباكستان مقابل ثلاثة ملايين دولار. واليوم، رغم انضمامها للسيادة الباكستانية، لا يزال في جوادر عائلات تنحدر من أصول عمانية، وتراث معماري يحمل طابع تلك الحقبة، فضلاً عن ذاكرة شعبية تتذكر “الحكم العماني” بعين الاحترام والتقدير.


ثالث عشر: بندر عباس وجزر الخليج — النفوذ العماني في الساحل الفارسي

أحكم السيد سلطان بن أحمد سيطرته على موانئ الساحل الفارسي وجزره الاستراتيجية، ففرض نفوذه على شهبار عام 1791م، وأخضع جزر قشم وهرمز وهنجام وميناء ميناب. 33

وبندر عباس بالغة الأهمية الاستراتيجية؛ إذ تتحكم في مدخل الخليج العربي ومضيق هرمز. في عام 1798م وقّعت شركة الهند الشرقية مع السلطان العماني معاهدة تجارية سمحت بإنشاء وكالة لها في بندر عباس، وبعد عامين أصبح للشركة ممثل مقيم دائم في مسقط للمرة الأولى. 34

وكان النفوذ العماني على بندر عباس والجزر المجاورة يعني السيطرة على أهم ممر بحري في المنطقة، وهو ما أعطى الإمبراطورية العمانية قدرتها على إدارة حركة التجارة بين الخليج والمحيط الهندي. وقد ترك العمانيون في هذه المناطق أثراً ثقافياً ولغوياً وعمرانياً يشهد عليه المؤرخون حتى اليوم.


رابع عشر: جزر القمر — الأرخبيل الذي وصله العمانيون أول الأمر

وصل نفوذ مملكة الجلندانيين العمانية جنوباً حتى جزر القمر ومدغشقر. 35 وجزر القمر أرخبيل في المحيط الهندي تقع شمال غرب مدغشقر، وتُعدّ اليوم من أكثر دول العالم إسلاماً بنسبة تفوق 98% من سكانها. وقد كان العمانيون من أوائل من أوصلوا الإسلام إلى هذا الأرخبيل النائي من خلال رحلاتهم التجارية والهجرات المنظمة التي تبعتها.

امتدت النهضة العلمية التي أطلقها العمانيون لتعليم مبادئ الدين والقرآن الكريم في كل مدن الساحل وصولاً إلى جزر القمر، حتى إن سكان مدغشقر كانوا يكتبون بالأحرف العربية قبل احتلال فرنسا لها. 36


خامس عشر: سلطنة باتى في كينيا — الدولة العمانية التي امتدت لخمسة قرون

أسست قبيلة النباهنة العمانية في أوائل القرن السابع الهجري سلطنة إسلامية في “بات” ظلت موجودة حتى عام 1861م. 37 وسلطنة باتى لا يُذكر اسمها كثيراً في كتب التاريخ العربية، لكنها في الحقيقة كانت دولة عمانية متكاملة على الأرض الأفريقية حكمت ساحل كينيا لفترة تجاوزت أربعة قرون ونصف.

اتخذ سلاطين النباهنة العمانيون من باتى مركزاً لحكمهم وتمكنوا من التوسع شمالاً إلى مقديشو وجنوباً إلى سفالة، حيث أصبحت كل المدن الساحلية تحت رعاية سلطنة باتى، وأصبحت الحركة التجارية في عهد النباهنة العمانيين مزدهرة، وانعكس ذلك الرخاء الاقتصادي والتسامح الديني على أهل الساحل الشرقي لأفريقيا بشكل عام. 38


الإرث الباقي: ما الذي لا يزال حاضراً؟

خمسة قرون بعد موسى بن بيق، ويُنطق اسمه في كل خارطة. ألف عام بعد أميرَي الجلندى، والمساجد التي بنوها على الساحل الأفريقي لا تزال تُعقد فيها الصلوات. مئة وستون عاماً بعد أن تنازل سلطان زنجبار العماني عن السلطة، ولا تزال “المدينة الحجرية” بزنجبار تحتضن ملايين الزوار سنوياً.

ما يجعل الإرث العماني خارج الحدود استثنائياً حقاً هو أنه لم يكن إرثاً فارضاً يُزال بزوال السلطة. كان إرثاً نابعاً من الاندماج الحضاري الحقيقي؛ من الزواج والتعلم والتجارة والبناء المشترك. ولهذا لا يزال حاضراً:

في اللغة السواحيلية التي يتحدثها اليوم أكثر من مئتي مليون إنسان في شرق أفريقيا، وتستمد أكثر من ثلاثين بالمئة من مفرداتها من اللغة العربية عبر البوابة العمانية.

في العمارة التراثية لزنجبار ولامو ومومباسا وسواها من المدن الساحلية التي تشبه أبوابها الخشبية المنحوتة مثيلاتها في مسقط وصور.

في الإسلام الذي انتشر في كل القرن الأفريقي الشرقي، من مقديشو شمالاً حتى موزمبيق جنوباً، بأيدٍ عمانية في مراحله الأولى والحاسمة.

في أسماء الدول والمدن التي تنطوي على ذاكرة عمانية: موزمبيق التي تحمل اسم موسى بن بيق، ودار السلام التي اختار لها السلطان العماني اسمها العربي، وزنجبار التي كانت مدة ألف عام عمانية الروح قبل أي انتساب آخر.


خاتمة: التاريخ لا يموت بانتهاء السلطة

حين سأل صحفي غربي أحد المسؤولين الزنجباريين عن سبب بقاء الإسلام واللغة العربية راسخَين في الجزيرة حتى بعد مرور عقود على نهاية الحكم العماني، أجابه: “لأن العمانيين لم يبنوا قلاعاً فقط، بنوا مدارس أيضاً.”

هذه الجملة تلخّص كل شيء. لم يكن الوجود العماني خارج حدود عُمان مجرد غزو عسكري أو احتلال بحري يزول بزوال أسطول. كان حضارة كاملة تنقلت عبر المحيط الهندي في سفن خشبية تحمل قواميس اللغة العربية إلى جانب حبال الشراع، وتحمل المصاحف إلى جانب موازين التجارة.

العمانيون أسسوا مدناً لا تزال قائمة، وسمّوا دولاً لا تزال تحمل أسماءهم، وزرعوا إسلاماً لا يزال يجمع قارة. وكل ذلك بلا جيوش منتصرة دائماً، بل في الغالب بالعقل التجاري، والنفَس الديني، والعصا الحضارية اللينة التي تُحني ما لا تستطيع إبرة السيف إعوجاجه.

وفي دار السلام اليوم، وهي تنمو بأسرع مدن أفريقيا، يحمل ساكنوها في لاوعيهم ذاكرة مدينة أعطاها السلطان العماني اسمها من القرآن الكريم: دار السلام.

رابط المقالة القصير
مشاركة:
17 مشاهدة

اترك تعليقاً