مشروع عماني ضخم سينتج 60 ألف سيارة سنوياً و1.6 مليون خلية بطارية كهربائية

في خطوة استراتيجية تعكس التزام سلطنة عمان بتحقيق أهداف رؤية عمان 2040 والوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050، وقّعت الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة (OPAZ) اتفاقية استثمار مع شركة EL B&T الكورية الجنوبية المتخصصة في تقنيات المركبات الكهربائية.
تم التوقيع يوم الأحد 10 مايو 2026، لإنشاء مشروع متكامل لإنتاج السيارات الكهربائية وخلايا البطاريات في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم (SEZAD). يبلغ حجم الاستثمار حوالي 96.2 مليون ريال عماني (ما يعادل نحو 250 مليون دولار أمريكي)، ويهدف المشروع إلى تعزيز الصناعات النظيفة، توطين التقنيات المتقدمة، وخلق فرص عمل مستدامة للشباب العماني.[1]
يُعد هذا المشروع الثاني في قطاع السيارات بالدقم بعد مصنع كاروا موتورز، ويمثل نقلة نوعية في جهود السلطنة للتحول نحو اقتصاد أخضر يعتمد على الطاقة المتجددة والابتكار التكنولوجي.
في هذه المقالة الشاملة، نستعرض تفاصيل الاتفاقية، خلفية الأطراف المعنية، سياق المنطقة الاقتصادية، أبعاد رؤية عمان 2040، والتأثيرات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية المتوقعة، مع الإشارة إلى التحديات والفرص المستقبلية.
خلفية الاتفاقية وأطرافها
وقع الاتفاقية نيابة عن الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة سعادة قيس بن محمد اليوسف، رئيس الهيئة، بينما وقعها عن شركة EL B&T الدكتور يونغ إيل كيم، المؤسس ورئيس مجلس إدارة المجموعة.
يُنفذ المشروع على مرحلتين، حيث تبلغ مساحة المرحلة الأولى 467 ألف متر مربع، وتُخصص مساحة إضافية قدرها 429 ألف متر مربع للمرحلة الثانية. عند اكتمال المرحلتين، سيصل الإنتاج السنوي إلى 60 ألف سيارة كهربائية و1.6 مليون خلية بطارية.[2]
أكد المهندس أحمد بن علي، الرئيس التنفيذي للمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، أن المشروع يعكس جهود السلطنة في توطين الصناعات المتقدمة وجذب الاستثمارات الكبرى في قطاع السيارات.
ووصف المهندس أحمد بن ناصر الراجحي، مشرف مشاريع الطاقة النظيفة والخضراء بالمنطقة، المشروع بأنه إضافة نوعية تعزز مكانة الدقم كمركز إقليمي للصناعات الحديثة.
أما الدكتور يونغ إيل كيم، فقد أعلن أن العمليات التجارية ستبدأ في مارس 2028، مع التركيز على دمج الطاقة الخضراء من خلال محطة طاقة خضراء مخصصة لتشغيل المصنع. كما أشار إلى دراسة تطوير محركات كهربائية للقوارب السريعة وقوارب الصيد بالتعاون مع جهة عمانية، بهدف تقليل الانبعاثات الكربونية في المياه العمانية، وربما إنشاء مشروع مشترك لتصدير هذه القوارب إلى أسواق مثل إندونيسيا والهند وكوريا الجنوبية.[3]
عن شركة EL B&T: رائدة الكورية في تقنيات المركبات الكهربائية
تُعد EL B&T (أو ELB&T أو ELBNT) شركة كورية جنوبية مقرها الرئيسي في سيئول، متخصصة في تطوير وتصنيع وبيع المركبات الكهربائية ومكوناتها. تشمل منتجاتها السيارات الكهربائية الذكية، والدراجات الكهربائية، والثلاثية العجلات، والحافلات، والشاحنات الكهربائية، بالإضافة إلى أنظمة الدفع الكهربائي (powertrains) وقطع الغيار.
تمتلك الشركة تاريخاً حافلاً في الابتكار؛ فقد طورت أول سيارة كهربائية عالية السرعة في كوريا عام 2005 (EV-1)، وأول مركبة مدرعة كهربائية في العالم، وأول مركبة كهربائية منخفضة السرعة (SGK) عام 2007. ولها شركة تابعة هي ELEVATA متخصصة في خلايا البطاريات الثانوية.[4]
لدى EL B&T شراكات ومشاريع في دول مثل الهند وتركيا والمملكة العربية السعودية. في السياق السعودي، تخطط الشركة لإنشاء مصنع لإنتاج 30 ألف سيارة كهربائية وخطوط إنتاج بطاريات LFP ضمن مجمع صناعي مشترك.
هذه الخبرة الدولية تجعلها شريكاً مثالياً لعمان، حيث ستركز المرحلة الأولى من المشروع على تلبية الطلب المحلي العماني، قبل التوسع في التصدير إلى دول مجلس التعاون الخليجي والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يعكس اختيار EL B&T للدقم ثقة الشركات الكورية في البنية التحتية العمانية والحوافز الاستثمارية المرنة.
المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم: مركز التنمية الصناعية المستدامة
تقع المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم في محافظة الوسطى، على الساحل العماني، على بعد نحو 550 كيلومتراً جنوب مسقط. تمتد على مساحة شاسعة تشمل ميناء عميق المياه، وحوض جاف لإصلاح السفن، ومطار إقليمي، ومجمعات صناعية ثقيلة ومتوسطة وخفيفة، بالإضافة إلى مناطق سكنية وتجارية وسياحية ولوجستية وصناعات الأسماك.
يُعد ميناء الدقم أحد أكبر الموانئ في المنطقة، ويوفر وصولاً سريعاً إلى الأسواق العالمية عبر طريق الحرير الجديد والبحر الأحمر.
تتميز الدقم ببنيتها التحتية المتطورة، والتشريعات المرنة، والحوافز الاستثمارية مثل الإعفاءات الضريبية والتسهيلات اللوجستية. وقد جذب المشروع الحالي انتباه المستثمرين بفضل موقعها الاستراتيجي الذي يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا. سبق للدقم أن شهد اتفاقيات في صناعة توربينات الرياح والطاقة النظيفة، مما يجعلها مركزاً مثالياً للصناعات الخضراء.
يساهم المشروع في تعزيز سلاسل التوريد المحلية للبطاريات والمكونات، وجذب صناعات مكملة، مما يبني منظومة صناعية متكاملة للمركبات الكهربائية.[5]
رؤية عمان 2040 والالتزام بالحياد الكربوني
تُعد رؤية عمان 2040 الإطار الوطني للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي حتى عام 2040، مع التركيز على خمسة محاور رئيسية: الاقتصاد المتنوع، والمجتمع الحيوي، والحكومة الفعالة، والبيئة المستدامة، والتنمية المتوازنة. في مجال البيئة والموارد الطبيعية، تهدف الرؤية إلى تقليل الاعتماد على النفط (الذي يشكل نحو 70% من الإيرادات الحكومية تاريخياً) من خلال تنمية الصناعات التحويلية والطاقة المتجددة.
أعلنت عمان التزامها بالحياد الكربوني (Net Zero) بحلول 2050، وفق خطة وطنية منظمة تتوافق مع اتفاقية باريس. يُساهم قطاع النقل حالياً بنسبة 18% من انبعاثات غازات الدفيئة، لذا يركز التحول على السيارات الكهربائية والنقل العام المستدام. تشمل الأهداف: 25% من السيارات الجديدة المسجلة كهربائية بحلول 2030، و66% بحلول 2040، و100% بحلول منتصف القرن.
يدعم ذلك بناء بنية تحتية لشحن السيارات (200 نقطة شحن عامة بحلول 2026)، وإعفاءات ضريبية، وتخفيض رسوم التسجيل. كما يعزز الرؤية إنتاج الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، مما يجعل مشروع الدقم جزءاً لا يتجزأ من هذا التحول.[6]
تفاصيل المشروع الفنية والاقتصادية
سيُركز المشروع على إنتاج سيارات كهربائية متنوعة (سيارات شخصية، حافلات، شاحنات) وخلايا بطاريات LFP المتقدمة، مع الاستفادة من تقنيات EL B&T في الأداء العالي والكفاءة. في المرحلة الأولى، سيتجه الإنتاج نحو السوق العمانية لتلبية الطلب المحلي المتزايد، ثم التصدير إقليمياً.
يُتوقع أن يخلق المشروع مئات الوظائف المباشرة وغير المباشرة في مجالات الهندسة، التصنيع، اللوجستيات، والصيانة، مع برامج تدريب للكوادر العمانية لنقل التقنية.
اقتصادياً، سيُساهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، وتعزيز الصادرات، وتقليل فاتورة الواردات من الوقود. بيئياً، سيعتمد على الطاقة الخضراء، مما يقلل الانبعاثات ويدعم أهداف الاستدامة. كما سيُشجع على تطوير صناعات مكملة مثل معالجة المعادن للبطاريات وإعادة التدوير.
التأثيرات المتوقعة: اقتصادية وبيئية واجتماعية
اقتصادياً: يُقدر أن يجذب المشروع استثمارات إضافية في سلاسل التوريد، ويحسن التوازن التجاري، ويُعزز القدرة التنافسية العمانية في أسواق السيارات الكهربائية العالمية النامية (المتوقع نموها بنسبة 20-30% سنوياً حتى 2030).
اجتماعياً: يوفر فرصاً للشباب العماني في قطاعات المستقبل مثل الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، مما يقلل البطالة ويُعزز المهارات التقنية.
بيئياً: يدعم خفض الانبعاثات من خلال السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة، ويُساهم في حماية البيئة البحرية عبر تقنيات القوارب الكهربائية. يتوافق ذلك مع خطة عمان للانتقال المنظم، التي تشمل كفاءة الطاقة، والكهربة، وتخزين الكربون.
السياق الإقليمي: المنافسة والتعاون في الخليج
يأتي المشروع ضمن موجة استثمارات إقليمية في السيارات الكهربائية؛ فالسعودية تبني مجمعات صناعية مشابهة، والإمارات تطور مشاريع في أبوظبي ودبي. تتميز عمان بموقعها اللوجستي وتكاليفها التنافسية، مما يجعل الدقم بوابة للأسواق الأفريقية والآسيوية. يُعزز التعاون الكوري-العماني تبادل الخبرات، ويفتح أبواباً لشراكات مستقبلية في الهيدروجين الأخضر.
التحديات والفرص المستقبلية
تواجه السلطنة تحديات مثل بناء شبكة شحن وطنية، وتوفير المواد الخام للبطاريات، والمنافسة العالمية من الصين وأوروبا. كما يتطلب الأمر تطوير الإطار التنظيمي للسيارات الكهربائية. أما الفرص فتشمل الاستفادة من انخفاض تكاليف الطاقة الشمسية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير صناعة محلية لإعادة تدوير البطاريات.
خاتمة: مستقبل أخضر ومستدام
يمثل مشروع EL B&T في الدقم أكثر من مجرد مصنع؛ إنه رمز للرؤية العمانية في بناء اقتصاد متنوع ومستدام. بفضل الشراكة الكورية، ستكون السلطنة قادرة على المنافسة عالمياً في قطاع السيارات الكهربائية، مع الحفاظ على بيئتها وتوفير فرص لأجيالها القادمة.
مع اقتراب عام 2028، ينتظر العالم بفارغ الصبر أولى السيارات الكهربائية “صنع في عمان”، لتكون شاهداً على نجاح رؤية 2040 في تحويل التحديات إلى فرص ذهبية.
المراجع
[1] saudigulfprojects.com [2] muscatdaily.com [3] omanobserver.om [4] mk.co.kr [5] miga.org [6] greenoman.com


