مشروع مسقط الكبرى

في قلب العاصمة العُمانية مسقط، حيث تلتقي مياه بحر العرب بجبال الحجر الشامخة، يشهد قطاع التخطيط العمراني تحولاً تاريخياً. يوم الأحد الموافق 10 مايو 2026، أعلنت نافذة عُمان السياحية عن توقيع مذكرة تفاهم رسمية لتطوير مشروع “وسط الخوير” (المعروف سابقاً باسم الخوير داون تاون)، ليصبح مركزاً حضرياً واقتصادياً متكاملاً يواكب تطلعات رؤية عمان 2040.
يمتد المشروع على مساحة تزيد عن 1.6 مليون متر مربع (مع بعض المصادر تشير إلى 3.3-3.6 مليون متر مربع للواجهة البحرية بأكملها)، ويُصمم بواسطة شركة زها حديد للهندسة المعمارية (ZHA) الشهيرة عالمياً. هذا المشروع ليس مجرد تطوير عقاري، بل رؤية شاملة تحول منطقة إدارية وصناعية سابقة إلى وجهة حيوية تجمع بين السكن والتجارة والترفيه والثقافة، مع التركيز على الاستدامة والابتكار.
يأتي هذا الإعلان في توقيت استراتيجي، إذ تتوقع السلطنة تضاعف عدد سكان مسقط من 1.5 مليون نسمة حالياً إلى نحو 2.7 مليون بحلول عام 2040، مع استقبال أكثر من 3 ملايين سائح سنوياً. يهدف “وسط الخوير” إلى استيعاب 64,500 نسمة، وتوفير أكثر من 18,000 فرصة عمل، باستثمارات تقدر بنحو 6.6 مليار دولار أمريكي. كما أصبح المشروع أول مشروع في الشرق الأوسط ينضم إلى نادي الابتكار للمناطق التجارية العالمية (Global Business Districts Innovation Club)، مما يعزز مكانة عُمان كوجهة استثمارية عالمية.
خلفية المشروع وارتباطه برؤية عمان 2040
يعود مفهوم “وسط الخوير” إلى جهود وزارة الإسكان والتخطيط العمراني لإعادة تأهيل قلب مسقط الكبرى. المنطقة، التي كانت تضم مباني إدارية وصناعية، تقع في موقع استراتيجي يربط بين المطار الدولي والساحل والجبال، وتبعد دقائق قليلة عن المعالم التاريخية لمسقط.
في فبراير 2024، وقعت الوزارة اتفاقيات مع ZHA لإعداد المخطط التفصيلي والتصاميم الهندسية، بالتعاون مع شركة CBRE للاستشارات الاستراتيجية، ومجموعة الطاؤوس لتطوير أبراج متعددة الاستخدامات على مساحة 12 ألف متر مربع (مع بناء 60 ألف متر مربع).
يندرج المشروع ضمن أولويات رؤية عمان 2040، التي تركز على التنويع الاقتصادي، الاستدامة البيئية، وتحسين جودة الحياة. كما أنشأت الحكومة شركة حكومية خاصة لتنفيذه بالشراكة مع مشروع “الجبل العالي”، مع تمويل خارج الموازنة العامة للدولة، ونقاشات مع مطورين دوليين. بدأ العمل الفعلي متوقعاً نهاية 2024 أو مطلع 2026، وفقاً لتصريحات معالي الدكتور خلفان بن سعيد الشعيلي، وزير الإسكان والتخطيط العمراني.
يُعد تغيير الاسم من “الخوير داون تاون” إلى “وسط الخوير” خطوة رمزية تعكس الهوية العُمانية الأصيلة، بعيداً عن التسميات الغربية، وتجعله أقرب إلى المجتمع والثقافة المحلية. كما يركز على أربعة محاور رئيسية: الأنشطة الاقتصادية، السكنية، الترفيهية، والبنية التحتية المتكاملة.
التصميم المعماري: رؤية زها حديد في قلب مسقط
تتولى شركة زها حديد للهندسة المعمارية تصميم المشروع، مستلهمة تراث مسقط كمدينة ميناء تاريخية. يصف باولو زيلي، مدير المشروع والمدير المساعد في ZHA، التصميم بأنه “جسر يربط بين المناظر الساحلية لبحر العرب وجبال الحجر المحيطة بالمدينة”. التصاميم تدمج بسلاسة بين الحداثة والتراث، مع التركيز على الاستدامة والرفاهية.
من أبرز العناصر المعمارية، كما تظهر في الفيديو الترويجي الرسمي: أبراج منحنية شاهقة مغطاة بالخضرة المتدفقة، تبدو كأنها تنمو من الأرض، مع واجهات زجاجية منحنية تعكس السماء والمياه. تتدفق الحدائق العمودية على الواجهات، مما يقلل من تأثير الجزر الحرارية الحضرية. تشمل المساحات العامة ممرات مشاة مظللة بأسقف منحنية مغطاة بالنباتات، ومناطق ترفيهية مفتوحة مع مقاعد ومساحات خضراء. يظهر الترام الحديث (light rail) يمر بسلاسة بين المباني، بينما تتناثر السيارات الكهربائية والدراجات في الشوارع الواسعة.
في المشهد المائي، يبرز المرسى (المرينا) كعنصر أساسي، محاطاً بممرات قنوات مائية، وواجهة بحرية مع شواطئ ومرافق رياضية. يتضمن الحرم الوزاري (Ministry Campus) إعادة تأهيل المباني القائمة، مع إضافة مناطق ثقافية تضم معارض ومسارح. التصميم يعتمد مبادئ “التطوير الموجه بالنقل” (Transit-Oriented Development)، حيث تقلل المسافات بين المباني من الحاجة إلى السيارات الخاصة، وتشجع المشي والدراجات مع أنظمة تبريد سلبية.
يصل إجمالي الوحدات السكنية إلى أكثر من 7500 وحدة، مع فنادق فاخرة، مراكز تسوق، مطاعم، ومرافق صحية وعافية. كما يشمل منطقة ثقافية نابضة بالحياة، تجمع بين الفنون والتراث العُماني.
الاستدامة: نموذج للمدن الخضراء في الخليج
يُعد “وسط الخوير” نموذجاً للتنمية المستدامة. يتعاون ZHA مع Buro Happold لضمان المرونة المناخية والساحلية، بما في ذلك إدارة مياه الأمطار، كسر الأمواج، وتقليل تأثير الجزر الحرارية. يستهدف المشروع زيادة التنوع البيولوجي بنسبة 10% من خلال حفظ وزراعة النباتات المحلية.
يعتمد على الطاقة المتجددة، خاصة الشمسية، مع إعادة تدوير المواد في البناء وتقليل استهلاك المياه. التصميم السلبي يقلل الطلب على الطاقة، بينما توفر المساحات الخضراء الظلال الطبيعية. يقول فيدريكو كاساني، شريك في Buro Happold: “المشروع مثال استثنائي للتميز الهندسي متعدد التخصصات، يضع رفاهية المجتمع المحلي والبيئة في المقدمة”.
هذا النهج يتوافق مع أهداف عُمان البيئية، ويجعل المشروع مرجعاً دولياً للمدن الساحلية في المناطق الحارة.
التأثير الاقتصادي والسياحي
سيكون “وسط الخوير” دفعة اقتصادية هائلة. يتوقع أن يولد فرص عمل في قطاعات السياحة، التجارة، والخدمات، مع جذب الاستثمارات الأجنبية. يشمل مرافق تجارية عالية الكثافة، ومراكز أعمال، مما يعزز الإنتاجية الاقتصادية.
سياحياً، يحول الواجهة البحرية إلى وجهة عالمية: مرسى لليخوت، شواطئ عامة، ومناطق ترفيهية تجذب السياح. مع قربه من المطار، سيصبح بوابة لمسقط، يعزز السياحة المستدامة ويحافظ على التراث.
اجتماعياً، يحسن جودة الحياة من خلال مساحات عامة نابضة، نقل حديث، ومجتمع 24 ساعة. يدعم التوازن بين العمل والحياة، مع مرافق للعائلات والشباب.
التحديات والآفاق المستقبلية
رغم الطموح، يواجه المشروع تحديات مثل التكلفة والتنفيذ في بيئة ساحلية. ومع ذلك، الشراكات الدولية والتمويل الخارجي يضمنان النجاح. يتوقع اكتمال المراحل الأولى خلال السنوات المقبلة، ليصبح رمزاً لمسقط المستقبل.
في الختام
“وسط الخوير” ليس مجرد مبانٍ، بل حلم عُماني يجسد التوازن بين الماضي والمستقبل. بتصاميمه الجريئة من زها حديد، واستدامته الرائدة، وارتباطه برؤية 2040، سيحول مسقط إلى مدينة عالمية نابضة. كما قال الوزير الشعيلي: “سيساهم في تحقيق عُمان 2040، ويخلق وجهة جديدة ترحب بالعالم”.
مع اقتراب التنفيذ، ينتظر العُمانيون والعالم مشروعاً يعيد رسم ملامح العاصمة، ويؤكد أن عُمان تنبض بالحياة والمستقبل.


