أبريل 27, 2026
اقتصاد

الاستدامة ليست رفاهية — إنها مسألة بقاء

bayanelm 25 1 دقيقة 0
الاستدامة ليست رفاهية — إنها مسألة بقاء

ثمة كلمات تبدأ حياتها شعاراتٍ على واجهات المؤتمرات، ثم تتسلل ببطء إلى صميم الواقع حتى تصبح ضرورةً لا خياراً. “الاستدامة” واحدة من هذه الكلمات. منذ سنوات، كان يكفي المؤسسة أن تضع شعار “أخضر” على منتجاتها لتبدو مسؤولة. أما اليوم، فقد أصبحت الاستدامة امتحاناً وجودياً حقيقياً — لا للشركات وحدها، بل للمدن والدول والأجيال القادمة.

حين تصبح الأرقام صرخة

المنطقة العربية تسخن بوتيرة تكاد تكون ضعف المتوسط العالمي، وسُجّلت في عام 2024 درجات حرارة تجاوزت الخمسين درجة مئوية في عدد من الدول، في حين كانت درجات الحرارة الإقليمية أعلى بـ1.08 درجة مئوية من متوسط الفترة 1991-2020. والكوارث الطبيعية المسجّلة في الدول العربية ارتفعت بنسبة 83% بين الفترتين 1980-1999 و2000-2019. UN News وفق أول تقرير شامل أصدرته المنظمة العالمية للأرصاد الجوية خصيصاً للمنطقة، تحذر نماذج المناخ من ارتفاع محتمل في متوسط درجات الحرارة يصل إلى 5 درجات مئوية بحلول نهاية القرن في سيناريوهات الانبعاثات المرتفعة، فضلاً عن ارتفاع منسوب البحار الذي يهدد المدن الساحلية. WMO

الماء: المورد الذي نستهلكه كأنه لا ينضب

ما يزيد على 75% من المياه المحلاة في العالم كله يُنتج في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفي كثير من دول المنطقة يستهلك القطاع الزراعي نحو 85% من الموارد المائية. وسياسات الري المتبعة منذ ثمانينيات القرن الماضي وحدها كانت مسؤولة عن استنزاف ثلثي احتياطي المياه الجوفية في المملكة العربية السعودية. World Bank Blogs

الاستدامة بوصفها فلسفة

الاستدامة في جوهرها فلسفة علاقة الإنسان بالزمن. النموذج الاقتصادي السائد يقوم على منطق استخراج الثروة من المستقبل لصرفها في الحاضر: نحرق النفط المدخَّر ملايين السنين في قرن واحد، ونستنزف المياه الجوفية التي راكمتها الأمطار عبر آلاف السنين في عقود. الاستدامة تسأل ببساطة: هل لدينا الحق في هذا الاستعجال؟

المفارقة العربية

تقديرات تشير إلى أن شُح المياه المرتبط بتغير المناخ قد يُكلّف دول المنطقة ما يصل إلى 14% من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول 2050. CSIS دول الخليج تملك من الثروة ورأس المال البشري ما يكفي لتكون رائدةً في الاقتصاد الأخضر، لا مجرد شاهدة عليه. وتُشير التقارير الأممية إلى أن المنطقة العربية حققت تحسينات ملحوظة في مجالات الصحة والصرف الصحي، غير أن تحديات جوهرية لا تزال قائمة في مواجهة تغير المناخ والحدّ من الفقر وتقليص التفاوت. United Nations Economic and Social Commission for Western Asia

جذور في التراث

من الظلم المعرفي أن يُقدَّم نقاش الاستدامة كاختراع غربي حديث. الحضارة العربية الإسلامية عرفت ما يشبه مبادئها باكراً: مفهوم “الحِمى” المحمية من الرعي الجائر، والأفلاج العُمانية التي تُدار حتى اليوم بمبدأ التوازن بين احتياجات المجتمع وطاقة المورد المائي — حكمة عملية تراكمت عبر أجيال أدركت أنها تعيش في بيئة لا تسامح فيها.

خاتمة

الاستدامة، في نهاية المطاف، ليست علماً بيئياً فحسب. إنها عدالة ممتدة عبر الزمن — رهان على أن للحاضر حدوداً يجب أن يحترمها أمام مستقبل لا يستطيع أصحابه حضور مؤتمراتنا، ولا التصويت في انتخاباتنا، ولا الاحتجاج في شوارعنا.

رابط المقالة القصير
مشاركة:
25 مشاهدة

اترك تعليقاً