جهاز الاستثمار العُماني يستثمر في «نيورالينك»: نحو مستقبل التقنيات العصبية وتنويع الاقتصاد

أعلن جهاز الاستثمار العُماني (OIA) عن استثماره في شركة «نيورالينك» الأمريكية الرائدة في مجال تقنيات واجهات الدماغ والحاسوب (Brain-Computer Interfaces – BCI). جاء الإعلان مصحوباً بصورة إعلانية احترافية مذهلة، تعكس رؤية استراتيجية طموحة تجمع بين التراث العُماني والابتكار التكنولوجي العالمي. هذه الصورة ليست مجرد عنصر بصري؛ بل هي رسالة مرئية متكاملة تُلخص الشراكة بين سلطنة عُمان وشركة تُعدّ من أبرز رموز الثورة العصبية في عصرنا.
خلفية جهاز الاستثمار العُماني: استراتيجية التنويع الاقتصادي
يُعد جهاز الاستثمار العُماني (OIA) أحد أبرز الصناديق السيادية في المنطقة، تأسس لإدارة احتياطيات السلطنة المالية وضمان استدامتها بعيداً عن الاعتماد على النفط. وفقاً لرؤية عُمان 2040، يركز الجهاز على تنويع الاستثمارات عبر أكثر من 52 دولة، مع التركيز على القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة المتجددة، التقنية، والرعاية الصحية.
هذا الاستثمار في «نيورالينك» يأتي ضمن جهود الجهاز لدعم «التقنيات الطبية المستقبلية والقطاعات المبتكرة»، كما جاء في نص الإعلان الرسمي. لم يُكشف عن قيمة الاستثمار، لكن الخبراء يرونه خطوة نوعية نحو الاستثمار في «التقنيات العميقة» (Deep Tech) التي تعد بمعدلات عائد طويلة الأجل.
في السنوات الأخيرة، شهدت استثمارات OIA توسعاً في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، مما يعكس تحولاً في الاقتصاد العُماني من النموذج النفطي إلى نموذج المعرفة. هذا الاستثمار يعزز حضور عُمان على الخريطة العالمية كلاعب في سباق الابتكار العصبي، خاصة مع المنافسة الشديدة من دول الخليج الأخرى مثل السعودية والإمارات في مجالات الذكاء الاصطناعي.
نيورالينك: من فكرة إيلون ماسك إلى واقع الزرعات العصبية
تأسست «نيورالينك» في عام 2016 على يد إيلون ماسك، الذي يمتلكها حالياً، بهدف تطوير واجهات دماغية تسمح بالتواصل المباشر بين الدماغ البشري والحواسيب. الشركة، ومقرها في الولايات المتحدة، تركز على زرع أجهزة دقيقة (مثل N1) في الدماغ باستخدام روبوت جراحي متخصص.
الهدف الأولي: علاج الاضطرابات العصبية مثل الشلل، التصلب الجانبي الضموري (ALS)، والسكتات الدماغية. حتى يناير 2026، أعلنت الشركة عن «عامين من التليباثي» (Two Years of Telepathy)، مع 21 مشاركاً (يُطلق عليهم «Neuralnauts») مزودين بالزرع. في عام 2025 وحدها، أجريت 17 عملية زرع. وتخطط الشركة للوصول إلى 1000 عملية بحلول نهاية 2026.
أولى النجاحات شملت مرضى يتحكمون في أجهزة الكمبيوتر بمجرد التفكير، مما يعيد الاستقلالية لمن فقدوها بسبب الإعاقات. أحد أبرز المشاريع هو «Blindsight» (الرؤية العمياء)، الذي حصل على تصنيف «جهاز طبي رائد» من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) في سبتمبر 2024. يعمل المشروع على استعادة الرؤية للمكفوفين تماماً بتحفيز القشرة البصرية مباشرة عبر كاميرا خارجية، متجاوزاً العين والعصب البصري. في البداية، ستوفر رؤية منخفضة الدقة، لكنها ستتطور إلى رؤية عالية الدقة مع الزمن. يُعد هذا التقدم ثورياً، إذ يفتح أبواباً لعلاج ملايين المكفوفين حول العالم.
التأثيرات الطبية والاجتماعية: ثورة في الرعاية الصحية
يُمثل استثمار OIA في «نيورالينك» خطوة نحو دمج التقنية العصبية في المنظومة الصحية العُمانية. تخيل مريضاً عُمانياً يعاني من الشلل يستطيع التحكم في كرسيه المتحرك أو جهازه اللوحي بقوة الإرادة فقط. أو شخصاً كفيفاً يرى وجوه أحبائه مرة أخرى عبر «Blindsight». هذه ليست أحلاماً خيالية؛ بل واقع يقترب بفضل 21 حالة ناجحة حتى الآن.
السياق الإقليمي والعالمي: عُمان في سباق التقنيات العميقة
يأتي هذا الاستثمار في وقت تشهد فيه دول الخليج سباقاً نحو التقنية. السعودية تستثمر في الذكاء الاصطناعي عبر نيوم، والإمارات في الابتكار الطبي. أما عُمان، فتركز على الاستدامة والتنويع، مستفيدة من موقعها الجيوستراتيجي وعلاقاتها الدولية. الاستثمار في «نيورالينك» يعزز هذه الاستراتيجية، خاصة مع خطط الشركة لإنتاج جماعي للزرعات في 2026.
عالمياً، تتنافس شركات مثل Synchron وBlackrock Neurotech، لكن «نيورالينك» تتقدم بفضل دعم ماسك وتقنياتها الروبوتية الدقيقة. الاستثمار العُماني يُعد سابقة خليجية في التقنيات العصبية، وقد يفتح أبواب تعاون بحثي أو نقل تقنية إلى المنطقة.
الآفاق المستقبلية: نحو اقتصاد معرفي مستدام
مع اقتراب رؤية عُمان 2040، يُمثل هذا الاستثمار خطوة عملية نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة. يمكن أن يؤدي إلى شراكات في البحث والتطوير، أو حتى إنشاء مراكز تدريب عصبي في مسقط. كما سيساهم في تعزيز القطاع الصحي العُماني، خاصة في علاج الأمراض العصبية الشائعة.
في الختام، يُعد إعلان جهاز الاستثمار العُماني وصورته الإعلانية المصاحبة رمزاً لعصر جديد. ليست مجرد صفقة مالية؛ بل استثمار في الإنسانية نفسها. من دماغ إيلون ماسك المصور بالأرجواني في الصورة، إلى أمل المرضى في استعادة حياتهم، تُجسد هذه الخطوة طموح عُمان في أن تكون جزءاً من صناعة المستقبل. مع استمرار تطور «نيورالينك» نحو 1000 زرعة، وتوسع Blindsight، فإن سلطنة عُمان تضع بصمتها على خريطة الابتكار العالمي. هذا الاستثمار ليس نهاية الطريق، بل بداية لرحلة تُعيد تعريف علاقة الإنسان بالتقنية، وتضمن للأجيال القادمة اقتصاداً مزدهراً وصحة أفضل.


