إدارة موارد المياه في سلطنة عُمان: بين الموروث الحضاري وتحديات المستقبل

نقدم لكم مقالة بعنوان إدارة موارد المياه في سلطنة عُمان: بين الموروث الحضاري وتحديات المستقبل
مقدمة: الماء في قلب الحضارة العُمانية
منذ فجر التاريخ، شكّل الماء عصب الحياة في شبه الجزيرة العربية، وكان لسلطنة عُمان نصيبٌ وافر من هذه المعادلة الوجودية الدقيقة. فعلى الرغم من موقعها في إحدى أكثر مناطق العالم جفافاً، استطاع الإنسان العُماني عبر آلاف السنين أن يُطوّع الطبيعة ويُحسن التعامل معها، مبتكراً حلولاً هندسية بديعة لجمع المياه والحفاظ عليها وتوزيعها. وحتى اليوم، تقف سلطنة عُمان أمام تحديات مائية جسيمة، دفعتها إلى تبني سياسات طموحة وبرامج متكاملة لإدارة مواردها المائية بكفاءة وحكمة، متكئةً على إرثها العريق وناظرةً نحو مستقبل مستدام.
تُصنَّف عُمان من بين أشد دول العالم ندرةً للمياه، إذ تقع ضمن المنطقة الجافة وشبه الجافة التي تتميز بمعدلات هطول مطري منخفضة وغير منتظمة. يبلغ متوسط هطول الأمطار السنوي نحو 100 ملم على مستوى البلاد، وإن تفاوتت هذه النسبة تفاوتاً ملحوظاً بين المناطق؛ فالمرتفعات الجبلية كجبل الأخضر وجبل شمس قد تستقبل ما يزيد على 300 ملم سنوياً، بينما قد لا تتجاوز الأمطار في بعض المناطق الصحراوية بضعة ملمترات. ومع التزايد السكاني المطرد والنمو الاقتصادي المتسارع، باتت الضغوط على الموارد المائية أشد وطأةً من أي وقت مضى، مما يجعل إدارة هذه الموارد قضيةً وطنية من الدرجة الأولى.
أولاً: الإرث التاريخي — نظام الأفلاج، معجزة الهندسة المائية العُمانية
لا يمكن الحديث عن إدارة المياه في عُمان دون الوقوف طويلاً عند نظام الأفلاج، ذلك الإنجاز الهندسي الاستثنائي الذي يُجسّد عبقرية الإنسان العُماني في مواجهة التحديات الطبيعية. الفلج — جمعه أفلاج — هو قناة مائية تحت الأرض أو فوقها، تُستخرج بفضلها المياه الجوفية من باطن الجبال وتُوجَّه بدقة متناهية إلى المناطق المأهولة والأراضي الزراعية.
يعود تاريخ الأفلاج في عُمان إلى ما يزيد على ثلاثة آلاف سنة، إذ تشير الأدلة الأثرية إلى أن بعض هذه الشبكات المائية تعود إلى العصر البرونزي. وقد اعترفت منظمة اليونسكو بهذا الإرث الإنساني الفريد، فأدرجت خمسة أفلاج عُمانية على قائمة التراث العالمي عام 2006، وهي: فلج الخطمين، وفلج الدارس، وفلج العلية، وفلج الميالي، وفلج الجيلة.
يعتمد نظام الأفلاج على مبدأ فيزيائي بسيط لكنه دقيق: يبدأ الفلج من نقطة تجميع للمياه الجوفية في الجبال — تسمى “الأم” — ثم يمتد بزاوية ميل طفيفة تتراوح عادةً بين 1:1000 و1:3000، مستغلاً قانون الجاذبية لتدفق الماء بصورة طبيعية دون الحاجة إلى أي طاقة ميكانيكية. يمتد بعض هذه الأنفاق المائية لمسافات تتجاوز عشرين كيلومتراً تحت الأرض، ما يستدعي بناء آبار عمودية دورية تُعرف بـ”العيون” أو “الحلق”، تُستخدم للتهوية والصيانة والمراقبة.
الأبعاد الاجتماعية للأفلاج لا تقل أهمية عن أبعادها الهندسية؛ فقد طوّر المجتمع العُماني على مر القرون نظاماً قانونياً وتنظيمياً متكاملاً لإدارة مياه الأفلاج وتوزيعها. يُقسَّم تدفق الفلج إلى حصص زمنية تُسمى “الأثوار” أو “الأدوار”، وكان الحساب يُجرى تاريخياً بمراقبة الشمس والنجوم — ومن هنا جاء دور “السقّاء” أو ناظر الفلج — للتحقق من وصول كل مزارع إلى حصته المائية في وقتها المحدد. وقد كانت لكل قرية لجنة تُعنى بصيانة الفلج وحل النزاعات المتعلقة بالمياه، تجسيداً رائعاً للحوكمة المجتمعية المحلية.
اليوم، لا تزال عُمان تمتلك نحو 4500 فلج نشط، تُوفّر نحو 20% من إجمالي احتياجات المياه في القطاع الزراعي. وقد أسست الحكومة العُمانية برامج حماية وصيانة لهذه الأفلاج، مدركةً أن الإبقاء عليها ليس مجرد حفاظ على التراث، بل استدامة لمصدر مائي حي وفعّال.
ثانياً: واقع الموارد المائية في عُمان — تشخيص دقيق
المصادر المائية المتاحة
تتوزع الموارد المائية في سلطنة عُمان بين عدة مصادر رئيسية:
المياه الجوفية: تمثل الركيزة الأساسية لإمدادات المياه في عُمان، إذ تُشكّل نحو 80% من إجمالي استخدامات المياه. تتوزع طبقات المياه الجوفية في مناطق متعددة، أبرزها حوض ظفار، وحوض البطينة، وحوض الباطنة في الشمال، وأحواض الداخلية. غير أن الاستنزاف الجائر لهذه المياه فاق معدلات التجدد الطبيعي بصورة مثيرة للقلق، مما أفضى إلى تراجع منسوب المياه الجوفية وتسرب المياه المالحة في بعض المناطق الساحلية، ولا سيما في سهل الباطنة.
مياه الأمطار والسيول: رغم شُح الأمطار في معظم أرجاء السلطنة، تأتي موجات الأمطار الموسمية وأحياناً الأعاصير المدارية لتمنح الأرض دفقاً مائياً مهماً. تستقبل منطقة ظفار في جنوب السلطنة موسم الخريف (المعروف بالخريف) من يونيو إلى سبتمبر، وهو موسم مطري موسمي يُحوّل الجبال الخضراء إلى مشهد مذهل ويُعيد شحن خزانات المياه الجوفية. في المقابل، قد تُسبّب الأعاصير المدارية — كإعصار شاهين وإعصار غونو — فيضانات مفاجئة وأضراراً جسيمة، إلا أنها في الوقت ذاته تُساهم في رفع مستوى المياه الجوفية إذا أُحسن تحصيلها.
التحلية: باتت محطات تحلية المياه تُشكّل ركيزة أساسية لإمدادات المياه في المناطق الحضرية، ولا سيما مسقط والمنطقة الساحلية الشمالية، كما تزداد أهميتها في المناطق الصناعية والسياحية.
مياه الصرف الصحي المُعالجة: تُعد إعادة استخدام المياه المُعالجة من الأولويات المتنامية في إستراتيجية إدارة المياه الوطنية.
أرقام وحقائق صارخة
تُقدَّر الموارد المائية المتجددة في عُمان بنحو 1.4 مليار متر مكعب سنوياً، في حين يبلغ الطلب على المياه أكثر من 1.7 مليار متر مكعب سنوياً، ما يعني أن هناك عجزاً مائياً حقيقياً يُستكمل بالاستنزاف غير المستدام للمياه الجوفية. يستهلك القطاع الزراعي النصيب الأكبر من هذه المياه بنسبة تتراوح بين 80 و85%، يليه قطاع الشرب والاستخدام المنزلي، ثم القطاع الصناعي.
ومن الأرقام اللافتة للنظر أن فاقد المياه في شبكات التوزيع يصل في بعض المناطق إلى 30%، مما يستدعي استثمارات ضخمة في تحديث البنية التحتية وتقليص هذا الهدر.
ثالثاً: السياسات والإستراتيجيات الوطنية لإدارة المياه
الإطار التشريعي والمؤسسي
أولت سلطنة عُمان إدارة مواردها المائية أهمية قصوى، وتجلى ذلك في منظومة تشريعية متطورة تُنظّم استغلال هذه الموارد والحفاظ عليها. يُعدّ قانون المياه الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 42 لعام 2000 وتعديلاته اللاحقة، الركيزة القانونية الأساسية لهذا القطاع، إذ يُنظّم ملكية المياه واستخدامها وحقوق الوصول إليها.
على الصعيد المؤسسي، تتعدد الجهات المعنية بإدارة قطاع المياه، وفي مقدمتها:
- هيئة تنظيم الخدمات العامة (أرسبا): المنظّم القطاعي المستقل المسؤول عن الإشراف على خدمات المياه والصرف الصحي.
- شركة إنماء للمياه: الذراع التنفيذية لقطاع المياه والصرف الصحي على المستوى الوطني.
- وزارة الزراعة والثروة السمكية وموارد المياه: المسؤولة عن رسم السياسات المائية للقطاع الزراعي وصون الموارد المائية الجوفية.
- وزارة الإسكان والتخطيط العمراني: فيما يتعلق بخدمات المياه والصرف الصحي في التجمعات السكانية.
رؤية عُمان 2040 وقطاع المياه
تُولي رؤية عُمان 2040، الإطار الشامل للتنمية الوطنية المستدامة، قطاعَ المياه اهتماماً بالغاً ضمن منظومة التنمية المستدامة وتنويع الاقتصاد. تتضمن الرؤية أهدافاً طموحة تشمل: خفض الطلب على المياه في القطاع الزراعي، ورفع كفاءة استخدام المياه في جميع القطاعات، وزيادة الاعتماد على مصادر المياه غير التقليدية، وإعادة استخدام المياه المُعالجة على نطاق واسع.
تتوافق هذه الأهداف مع الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (SDG 6) الذي يدعو إلى ضمان الوصول للمياه النظيفة والصرف الصحي للجميع بحلول عام 2030، وهو هدف تعمل عُمان جاهدة على تحقيقه.
رابعاً: تحلية المياه — العمود الفقري لإمدادات المياه الحضرية
في ظل ندرة المياه العذبة وتنامي الطلب الحضري، أصبحت تحلية مياه البحر خياراً إستراتيجياً لا غنى عنه في سلطنة عُمان. تمتلك عُمان عدداً من محطات التحلية الكبرى، أبرزها:
محطة صلالة للتحلية وتوليد الكهرباء: إحدى أكبر محطات التحلية في البلاد، تُزوّد محافظة ظفار بالمياه العذبة.
محطة بركاء للطاقة والمياه: من أضخم مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتُعد من أكبر محطات الطاقة الحرارية ومحطات التحلية في عُمان.
مشروع المدينة السعيدة: مشروع متكامل للطاقة والمياه في محافظة مسقط، يُساهم بقدر كبير في تلبية احتياجات العاصمة.
غير أن الاعتماد المتزايد على التحلية يُفرز تحديات جوهرية؛ إذ تستهلك محطات التحلية كميات ضخمة من الطاقة، مما يُرتّب أعباءً اقتصادية وبيئية كبيرة. وقد دفع ذلك عُمان إلى البحث عن تحلية المياه بالطاقة الشمسية كخيار مستدام يُلائم مناخها المشمس طوال العام. وفي هذا السياق، أعلنت شركة إنماء عن مشاريع رائدة لتحلية المياه بالطاقة الشمسية، تُشكّل جزءاً من التحول الشامل نحو اقتصاد أخضر.
كما يُثير التصريف المنتظم لمحاليل الملح المُتركّزة الناجمة عن عملية التحلية مخاوف بيئية جدية تتعلق بصحة النظام البيئي البحري في خليج عُمان وبحر العرب. وتعمل الجهات المعنية على وضع لوائح بيئية صارمة للحد من هذه التأثيرات.
خامساً: الزراعة وترشيد استهلاك المياه
أزمة المياه الزراعية
يُشكّل القطاع الزراعي التحدي الأكبر في منظومة إدارة المياه بعُمان، نظراً لاستحواذه على الجزء الأكبر من الاستهلاك المائي. تقليدياً، اعتمدت الزراعة العُمانية على الري بالغمر وأساليب الري التقليدية المرتبطة بالأفلاج، وهي طرق فعّالة في سياقها التاريخي، لكنها تفقد كميات كبيرة من المياه عبر التبخر والتسرب.
واجهت المزارع في سهل الباطنة على وجه الخصوص مشكلة خطيرة تمثلت في الضخ الجائر من المياه الجوفية، الأمر الذي أفضى إلى تراجع حاد في منسوب هذه المياه، وتسرب مياه البحر المالحة إلى طبقات المياه الجوفية القريبة من الساحل، مما أتلف آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية الخصبة التي كانت تُنتج النخيل والليمون والمانغو.
برامج الترشيد وتحديث الري
استجابت الحكومة العُمانية لهذه الأزمة بحزمة من البرامج والسياسات، أبرزها:
تعميم الري بالتنقيط والرش: أطلقت وزارة الزراعة برامج دعم ومحفزات للمزارعين للتحول من الري بالغمر إلى أساليب الري الحديثة، ولا سيما الري بالتنقيط الذي يُقلّص استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 50% مقارنةً بالري التقليدي.
تسعير المياه الزراعية: شرعت الحكومة في مراجعة سياسات دعم المياه بهدف تعكس أسعار المياه كلفتها الحقيقية، مما يُحفّز المزارعين على الترشيد والكفاءة.
تنظيم حفر الآبار: فُرضت قيود صارمة على حفر الآبار الجديدة في المناطق التي تعاني من شُح المياه الجوفية، وأُنشئ نظام تراخيص مشدد للآبار القائمة.
تشجيع زراعة المحاصيل الموفّرة للمياه: تُقدّم الحكومة دعماً فنياً ومادياً للتحول نحو محاصيل تتحمل الجفاف وتستهلك مياهاً أقل، مع الحفاظ على الإنتاجية الاقتصادية.
سادساً: إعادة استخدام المياه المُعالجة — فرصة واعدة
تُدرك سلطنة عُمان إمكانات الخير الكامنة في المياه المُعالجة، وتعمل على توسيع نطاق استخدامها. تبلغ الطاقة الإجمالية لمحطات معالجة مياه الصرف الصحي في عُمان مئات الآلاف من الأمتار المكعبة يومياً، لكن نسبة كبيرة من هذه المياه لا تُعاد إلى الدورة الاقتصادية بشكل مُثلى.
الاستخدامات الرئيسية للمياه المُعالجة تشمل:
- ري الحدائق والمساحات الخضراء في المدن والطرق
- الري الزراعي لبعض المحاصيل غير الغذائية
- التبريد في المنشآت الصناعية
- إعادة الشحن الاصطناعي لطبقات المياه الجوفية
تسعى عُمان إلى رفع نسبة إعادة استخدام المياه المُعالجة من نحو 35% حالياً إلى 60% أو أكثر بحلول عام 2040، وهو هدف يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية لمعالجة مياه الصرف وشبكات التوزيع.
سابعاً: الحصاد المائي ومشاريع السدود
شبكة السدود العُمانية
تمتلك سلطنة عُمان شبكة متنامية من السدود التي تُوفّر احتياطيات استراتيجية من المياه وتُساهم في شحن طبقات المياه الجوفية. يُعدّ سد وادي ضيقة في ولاية قريات بمحافظة مسقط من أبرز هذه السدود، بطاقة تخزينية ضخمة تجعله ركيزة أساسية لإمدادات مياه الشرب للعاصمة.
تخدم السدود في عُمان أغراضاً متعددة متشابكة: فهي تحمي المجتمعات من مخاطر الفيضانات التي تضرب عُمان بين حين وآخر نتيجة الأعاصير، وفي الوقت ذاته تسمح بتغلغل المياه المُحتجزة تدريجياً إلى الطبقات الجوفية، وتُمد المزارع بمياه الري في المواسم الجافة.
تقنيات الحصاد المائي التقليدية والحديثة
إلى جانب السدود الكبرى، اهتمت عُمان بتطوير تقنيات الحصاد المائي على مستوى المجتمعات الريفية، من خلال إنشاء حواجز مائية صغيرة في الأودية، وتشييد الحواجز الترابية، وتطوير أحواض التغذية الاصطناعية للمياه الجوفية. كما تنتشر في المناطق الريفية أساليب تقليدية راسخة كتجميع مياه الأسطح وخزانها في صهاريج تسمى “الغوامي” أو “الغيالي”.
ثامناً: التغير المناخي وتحدياته المستقبلية
تقف عُمان في مواجهة مباشرة مع التغيرات المناخية التي تُهدد بتفاقم أزمة المياه. تشير التوقعات المناخية إلى احتمالية ارتفاع درجات الحرارة في منطقة الخليج العربي وجنوب شبه الجزيرة بمعدل يتراوح بين 1.5 و2.5 درجة مئوية بحلول منتصف القرن، مما يُعني زيادة ملموسة في معدلات التبخر وتراجع إضافي في الإمدادات المائية الطبيعية.
كما أن التطرف المناخي — الذي شهدت عُمان نماذج صارخة منه في إعصاري غونو 2007 وشاهين 2021 — يُفرز معضلة مزدوجة: فيضانات مفاجئة مدمرة تُتلف البنية التحتية، يعقبها جفاف مطوّل يستنزف الموارد المائية. إدارة هذا التناقض تستلزم بنية تحتية مائية مرنة قادرة على التكيف مع السيناريوهين.
كذلك يُشكّل ارتفاع منسوب البحر تهديداً حقيقياً للمياه الجوفية في المناطق الساحلية، حيث يُسرّع التسرب الملحي إلى الخزانات الجوفية، مما يُكثّف الضغوط على سهل الباطنة والمناطق الساحلية الأخرى.
تاسعاً: التوعية والمشاركة المجتمعية
لا تكتمل معادلة إدارة المياه الناجحة دون إشراك المجتمع وتعزيز ثقافة الترشيد. أطلقت الحكومة العُمانية والجهات المعنية حملات توعوية متعددة، تستهدف التغيير الحقيقي في أنماط الاستهلاك على مستوى الأسرة والمؤسسة. تشمل هذه المبادرات:
- برامج التثقيف المدرسي: إدراج مفاهيم الترشيد المائي في المناهج الدراسية لترسيخ الوعي المائي لدى الأجيال الناشئة.
- حملات التوعية الإعلامية: استغلال وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام التقليدي للوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع.
- تحفيز المؤسسات: إلزام المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى بتبني برامج ترشيد المياه وقياس بصمتها المائية.
- المسابقات والجوائز: تكريم الأفراد والمؤسسات المتميزة في ترشيد استخدام المياه.
كما تُشكّل لجان الأفلاج نموذجاً مجتمعياً راسخاً للحوكمة المائية المحلية، يمكن توظيفه في تطوير نماذج مشاركة مجتمعية معاصرة لإدارة الموارد المائية على مستوى المجتمعات والمحافظات.
عاشراً: التعاون الإقليمي والدولي
تنخرط سلطنة عُمان في منظومة التعاون الدولي لإدارة الموارد المائية، من خلال عضويتها في المجلس العالمي للمياه، ومشاركتها في أسابيع المياه العالمية وإقليمية، وشراكاتها مع منظمات دولية كالفاو وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. كما تُشارك عُمان بفاعلية في مجلس التعاون الخليجي في ملفات المياه المشتركة والسياسات البيئية المتعلقة بها.
على المستوى البحثي، تعمل جامعة السلطان قابوس والمؤسسات الأكاديمية العُمانية الأخرى على تطوير الدراسات والبحوث المتعلقة بالموارد المائية، من خلال شراكات مع جامعات دولية مرموقة، بهدف توليد معرفة علمية محلية تُغذّي صنع السياسات بالأدلة والبيانات.
خاتمة: نحو مستقبل مائي مستدام
تقف سلطنة عُمان اليوم عند منعطف حاسم في مسيرتها نحو إدارة مائية رشيدة ومستدامة. إنها تحمل في يد موروثاً حضارياً عريقاً يتمثل في نظام الأفلاج وحكمة أجداد أحسنوا التعامل مع ندرة الماء، وفي اليد الأخرى تملك إمكانات تكنولوجية وموارد اقتصادية تُمكّنها من مواجهة تحديات المستقبل بثقة وقدرة.
المعادلة الصعبة التي يجب على صانعي القرار حلّها تجمع بين الحاجة المتزايدة للماء — مع نمو السكان والاقتصاد والطموح السياحي — وبين محدودية الموارد المائية المتجددة في ظل مناخ جاف يزداد قسوةً مع تحولات المناخ العالمي. حل هذه المعادلة يستلزم مقاربة شاملة ومتكاملة تقوم على أربعة محاور:
أولاً — الكفاءة: رفع كفاءة استخدام المياه في جميع القطاعات، لا سيما الزراعة، من خلال تحديث أساليب الري والحد من الهدر في شبكات التوزيع.
ثانياً — التنويع: تطوير مصادر مائية غير تقليدية — من تحلية بالطاقة المتجددة وإعادة استخدام للمياه المُعالجة وحصاد لمياه الأمطار — لتقليص الاعتماد على المياه الجوفية غير المتجددة.
ثالثاً — الحوكمة: تطوير الإطار التشريعي والمؤسسي ليكون أكثر مرونة وفاعلية، مع إشراك المجتمعات المحلية في القرارات المتعلقة بإدارة المياه، مستلهمةً من تجربة الأفلاج نموذجاً للحوكمة التشاركية.
رابعاً — الثقافة: ترسيخ ثقافة مائية وطنية تحترم قيمة الماء ولا تُبذّره، في مجتمع يعلم في أعماق وعيه الجماعي كم كلّف أجداده جهداً ودأباً لاستخراج كل قطرة من باطن الأرض.
عُمان، التي أبهرت العالم بإبداعها الهندسي في الأفلاج قبل ثلاثة آلاف عام، قادرة اليوم على أن تُبهره مجدداً بنموذج حديث للإدارة المائية المستدامة، يُلهم الأمم الأخرى في عالم يعاني تحديات مائية متصاعدة. فالماء سرّ الحياة، وإدارته بحكمة هي سرّ النهضة والاستدامة.
المصادر والمراجع: وزارة الزراعة والثروة السمكية وموارد المياه — سلطنة عُمان | هيئة تنظيم الخدمات العامة (أرسبا) | اليونسكو — قائمة التراث العالمي | تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول المياه في منطقة الشرق الأوسط | رؤية عُمان 2040


