الامير محمد بن سلمان آل سعود: مهندس التحول السعودي الكبير

محمد بن سلمان آل سعود: معمار التحول السعودي الكبير
في عالم السياسة المعاصرة، نادرًا ما يظهر قائد يجمع بين حجم الطموح وسرعة التنفيذ وعمق التأثير في آنٍ واحد. غير أن الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي عهد المملكة العربية السعودية ورئيس مجلس وزرائها، يبدو واحدًا من هؤلاء النادرين الذين تصنعهم اللحظات التاريخية الفارقة، ويصنعونها في الوقت ذاته. لم يكن في الحسبان قبل عقد من الزمن أن شابًا في الثلاثينيات من عمره سيُعيد رسم خارطة مملكة عملاقة تمتد على مساحة تناهز مليوني كيلومتر مربع، تحتضن أقدس البقاع الإسلامية، وتُمسك بزمام ربع احتياطيات النفط العالمية.
منذ أن تربّع على عرش القرار في المملكة، حوّل محمد بن سلمان —الذي بات يُعرف اختصارًا بـ”محمد بن سلمان” أو MBS— خطاب الإصلاح من شعارات لامعة إلى مشاريع تُنفَّذ على أرض الواقع بمليارات الدولارات، ومن توجهات ضبابية إلى رؤية واضحة المعالم حملت اسم “رؤية 2030”. وقد دفع بالمملكة نحو منعطفات حادة في ملفات الحوكمة والاقتصاد والمجتمع والسياسة الخارجية، بعضها جلب الإشادة الدولية، وبعضها الآخر أثار انتقادات حادة لا تزال مادةً للجدل حتى اليوم.
هذه المقالة رحلة في سيرة رجل يصعب الحكم عليه بالأسود أو الأبيض، لأن تجربته تنطوي على ألوان متعددة ومتداخلة.
أولًا: النشأة والتكوين
وُلد محمد بن سلمان في الحادي والثلاثين من أغسطس عام 1985م، الموافق الخامس عشر من ذي الحجة 1405هـ، في مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية. وهو السادس في ترتيب أبناء الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وينتسب من جهة أمه إلى الأميرة فهدة بنت فلاح بن سلطان آل حثلين، التي تنحدر من قبيلة العجمان ذات الأصول العريقة في شبه الجزيرة العربية.
نشأ الأمير الشاب في بيئة سياسية وأسرية متميزة؛ فوالده الملك سلمان كان من أبرز أمراء آل سعود وأكثرهم حضورًا وتأثيرًا، إذ تولى إمارة منطقة الرياض لعقود طويلة، وكانت الرياض في عهده تتحول من مدينة متوسطة الحجم إلى عاصمة خليجية كبرى. وقد أتاح هذا المحيط الخاص للفتى محمد فرصة الاطلاع على آليات الحكم وفهم دواليب الدولة منذ نعومة أظفاره.
على صعيد التعليم، تلقى دراسته العامة في مدارس الرياض، وأثبت نبوغًا مبكرًا إذ كان من بين العشرة الأوائل على مستوى المملكة في الثانوية العامة. ثم التحق بكلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة الملك سعود، حيث حصل على درجة البكالوريوس في القانون عام 2007م، متخرجًا في المرتبة الثانية على دفعته. وخلال فترة دراسته، انخرط في عدد من الدورات والبرامج المتخصصة التي صقلت مهاراته القيادية والإدارية.
ثانيًا: التدرج في سلم المناصب
لم تكن مسيرة محمد بن سلمان المهنية تقليدية بأي معنى من المعاني. بدأ بالعمل الحر بعد تخرجه، إذ أسس عددًا من الشركات التجارية، وامتلك مؤسسة خيرية تحت اسمه المعروف بـ”مسك الخيرية” التي رأس مجلس إدارتها وسعت إلى تطوير مشاريع الشباب والتعليم في المجتمع السعودي.
على الصعيد الحكومي، بدأ مستشارًا متفرغًا في هيئة الخبراء التابعة لمجلس الوزراء بين عامَي 2007 و2009. ثم شغل منصب أمين عام لمركز الرياض للتنافسية، ومستشارًا خاصًا لرئيس مجلس إدارة دارة الملك عبد العزيز. وفي ديسمبر 2009، عُيِّن مستشارًا خاصًا لوالده أمير منطقة الرياض آنذاك، وهو منصب أتاح له الانغماس الفعلي في العمل الحكومي وصنع القرار الميداني.
في مارس 2013، ارتقى ليصبح رئيسًا لديوان ولي العهد الأمير سلمان، ثم وزيرًا للدولة في أبريل 2014. وحين وافت المنية الملك عبد الله بن عبد العزيز في يناير 2015، وتقلّد أبوه الملكَ سلمانُ مقاليد الحكم، كانت صفحة جديدة قد بدأت تُكتب في تاريخ الأسرة الحاكمة وفي تاريخ المملكة.
ثالثًا: الصعود إلى قمة السلطة
في يناير 2015، تحديدًا مع جلوس الملك سلمان على العرش، جاء التعيين السريع لمحمد بن سلمان وزيرًا للدفاع ورئيسًا لديوان الملك. وكان لافتًا أنه بات في ذلك الوقت من أصغر وزراء الدفاع في العالم، وهو لم يتجاوز التاسعة والعشرين من عمره. وفي الثامن والعشرين من أبريل 2015، صدر أمر ملكي باختياره وليًا لولي العهد ونائبًا ثانيًا لرئيس مجلس الوزراء.
غير أن الصعود الأبرز جاء في الحادي والعشرين من يونيو 2017، حين أصدر الملك سلمان أمرًا ملكيًا بتعيين نجله محمد بن سلمان وليًا للعهد خلفًا للأمير محمد بن نايف الذي أُعفي من منصبه. وبذلك أصبح محمد بن سلمان في مرتبة الوارث المباشر للعرش، وهو في الثانية والثلاثين من عمره فحسب. ثم جاء تعيينه رئيسًا لمجلس الوزراء في سبتمبر 2022، ليجمع بذلك بين يديه خيوط السلطة السياسية والتنفيذية بصورة غير مسبوقة في تاريخ المملكة الحديث.
رابعًا: رؤية 2030 — الحلم الذي صار مشروعًا وطنيًا
ربما تُمثّل رؤية 2030 أبرز إرث محمد بن سلمان القابل للقياس والتحليل. أُعلن عنها رسميًا في الخامس والعشرين من أبريل 2016، وهي في جوهرها خارطة طريق شاملة لإعادة هيكلة الاقتصاد السعودي وتنويع مصادر دخله بعيدًا عن الاعتماد شبه الكلي على النفط، مع إجراء إصلاحات اجتماعية موازية تحدث في نمط الحياة السعودية تحولات جذرية.
تقوم الرؤية على ثلاثة محاور رئيسية متشابكة: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح. وتنضوي تحت هذه المحاور 13 برنامجًا لتحقيق 96 هدفًا استراتيجيًا. وقد رصدت لها الدولة موارد ضخمة، في مقدمتها صندوق الاستثمارات العامة الذي ارتفعت أصوله المُدارة من نحو 720 مليار ريال عام 2015 إلى ما يزيد على 3.4 تريليون ريال في وقت لاحق.
ومنذ إطلاق الرؤية، أكدت التقارير أن نحو 93% من مؤشرات أدائها استوفت مستهدفاتها السنوية، فيما اكتملت أكثر من 1000 إصلاح هيكلي شمل ميادين الاقتصاد والتعليم والصحة والقضاء والخدمات الحكومية.
المشاريع العملاقة
ولعل أبرز ما يميز رؤية 2030 عن سابقاتها من الخطط التنموية أنها أفرزت جيلًا من المشاريع العملاقة التي لا تنظر إلى المستقبل القريب فحسب، بل تتطلع إلى تشكيل المشهد الحضاري والاقتصادي على مدى عقود:
نيوم: المشروع الأكثر طموحًا وجرأة على الإطلاق. أُعلن عنه عام 2017، ويمتد على مساحة تتجاوز 26 ألف كيلومتر مربع في شمال غرب المملكة، على سواحل البحر الأحمر وخليج العقبة. يضم في طياته مشاريع فرعية لا مثيل لها، أبرزها “ذا لاين”، المدينة الخطية التي تمتد 170 كيلومترًا بلا سيارات ولا طرق سطحية، وتعتمد اعتمادًا كليًا على الطاقة المتجددة. وقد بلغ حجم الاستثمار المُخطط له نحو 500 مليار دولار. ومن المتوقع أن يُسهم المشروع بما يصل إلى 48 مليار دولار في الناتج المحلي بحلول 2030، ويوفر نحو 380,000 وظيفة. غير أن المشروع شهد في السنوات الأخيرة تعديلات وتقليصات في بعض مكوناته نتيجة ضغوط تمويلية وتحديات تنفيذية.
مشروع البحر الأحمر: أُطلق عام 2017، ويهدف إلى تحويل الساحل الشمالي الغربي للمملكة إلى وجهة سياحية فاخرة عالمية المستوى، تضم منتجعات بحرية على واحد من أكبر الحيود المرجانية في العالم.
القدية: المدينة الترفيهية والثقافية والرياضية الكبرى، التي تقع على بعد 40 كيلومترًا من وسط الرياض وتمتد على مساحة 335 كيلومترًا مربعًا. تضم في مراحلها الأولى مدينة Six Flags الترفيهية، ومنتزهًا مائيًا، وملعبًا للجولف، وستاد رياضي ضخم. وتستهدف القدية استقبال نحو 48 مليون زائر سنويًا عند اكتمالها، مع مساهمة متوقعة تبلغ 36 مليار دولار سنويًا في الاقتصاد السعودي.
بوابة الدرعية: مشروع لاستعادة الإرث التاريخي والحضاري في منطقة الدرعية، مهد الدولة السعودية الأولى، وتحويلها إلى وجهة ثقافية وسياحية عالمية تجمع بين الأصالة والمعاصرة.
أمالا: مشروع سياحي ضخم في محمية الأمير محمد بن سلمان الطبيعية شمال غرب المملكة، يتبنى نهج السياحة البيئية المستدامة ويضم أكثر من 2800 غرفة فندقية وعدة منتجعات متخصصة.
خامسًا: الإصلاحات الاجتماعية — السعودية الجديدة
لعل الإصلاحات الاجتماعية التي شهدتها المملكة في عهد محمد بن سلمان هي الأكثر وضوحًا وملموسية في حياة المواطن السعودي اليومية. فقد أفضى صعوده إلى تحولات جوهرية في بنية المجتمع:
قيادة المرأة للسيارة: في سبتمبر 2017، أصدر الملك سلمان أمرًا ملكيًا تاريخيًا يمنح المرأة السعودية حق قيادة السيارة لأول مرة في تاريخ المملكة. وفي يونيو 2018 صدرت أولى رخص القيادة لنساء سعوديات، وهو قرار لقي ترحيبًا دوليًا واسعًا. ويُنسب الفضل في هذا القرار على نطاق واسع إلى ضغط ولي العهد ودفعه في هذا الاتجاه.
نظام الولاية: شهد عهد محمد بن سلمان إجراءات فعلية لتقليص نظام الولاية الذكورية الذي طالما قيّد استقلالية المرأة، إذ باتت المرأة تستطيع استخراج جواز سفرها والسفر والإقامة باستقلالية دون الحاجة إلى إذن وليّها في مراحل أولى من حياتها.
الترفيه والانفتاح الثقافي: أُعيد تفعيل دور السينما في المملكة بعد توقف دام أكثر من ثلاثين عامًا، وانطلقت الحفلات الموسيقية والعروض المسرحية وفعاليات الترفيه الكبرى. وبات مهرجان موسم الرياض وموسم جدة وغيرهما من الفعاليات الضخمة سمةً ثابتة في تقويم الحياة الاجتماعية السعودية.
مشاركة المرأة في سوق العمل: ارتفعت نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل ارتفاعًا ملحوظًا، مدفوعةً بمستهدفات رؤية 2030 الرامية إلى رفع هذه النسبة لتتجاوز 30%.
التعليم والقضاء: شهد القطاعان إصلاحات جوهرية، وأُقرّت منظومة تشريعية متخصصة تضم نظام الأحوال الشخصية ونظام المعاملات المدنية والنظام الجزائي للعقوبات التعزيرية ونظام الإثبات، بهدف تعزيز سيادة القانون وتقليص الفردية في إصدار الأحكام.
مكافحة التشدد الديني: تحدّث محمد بن سلمان بصراحة وحسم غير مسبوقَين عن ضرورة استئصال ما سمّاه “التشدد الديني الدخيل” على المجتمع السعودي، وهو ما عُرف محليًا بـ”الصحوة”. وقد أفضى هذا التوجه إلى اعتقال عدد من رجال الدين والمشايخ، وتحجيم دور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (“الشرطة الدينية”).
سادسًا: الملف الاقتصادي — إعادة هيكلة دولة
تجاوزت الإصلاحات الاقتصادية في عهد محمد بن سلمان حدود الخطط التنموية المعتادة لتمس بنية الدولة في أعماقها:
تنويع مصادر الدخل: رُفعت الضريبة على القيمة المضافة، وأُدخلت رسوم على الخدمات الحكومية، وخُففت الدعوم الحكومية على الوقود والطاقة، في خطوات طالما تهيبتها الحكومات السابقة.
برنامج الخصخصة: طُرح برنامج خصخصة طموح يشمل 160 فرصة في 16 قطاعًا متنوعًا.
طرح أرامكو للعموم: في عام 2019، طُرح جزء من أسهم شركة أرامكو السعودية —عملاق النفط— للاكتتاب العام، وجاء الطرح الأولي الأكبر في تاريخ أسواق الأسهم العالمية، مما جعل أرامكو لفترة أكبر شركة في العالم من حيث القيمة السوقية.
صندوق الاستثمارات العامة: تحوّل من صندوق ثروة سيادي تقليدي إلى محرك رئيسي للتنويع الاقتصادي، بمحفظة استثمارية تمتد عبر القارات وتشمل قطاعات التقنية والترفيه والرياضة والبنية التحتية.
قطاع الرياضة: استثمرت المملكة بضخامة في قطاع الرياضة العالمي، من استضافة مباريات الملاكمة وسباقات الفورمولا 1 إلى الاستحواذ على نادي نيوكاسل الإنجليزي، وإطلاق دوري LIV للغولف، وتنظيم بطولات كرة قدم عالمية.
سابعًا: الملف الأمني والخارجي — القوة الناعمة والصلبة
حرب اليمن: في مارس 2015، بعد أشهر قليلة من تعيينه وزيرًا للدفاع، أطلق محمد بن سلمان عملية “عاصفة الحزم” التي قادت بموجبها المملكة تحالفًا عربيًا واسعًا لدعم الحكومة اليمنية الشرعية في مواجهة جماعة الحوثيين المدعومين من إيران. وقد تحوّل الصراع إلى حرب استنزاف طويلة خلّفت تداعيات إنسانية وخيمة، وتحوّلت إلى مثار انتقادات دولية حادة.
الأزمة الخليجية مع قطر: في يونيو 2017، قادت المملكة مع ثلاث دول خليجية وعربية أخرى حصارًا شاملًا على قطر، في خطوة أسفرت عن أزمة دبلوماسية حادة دامت أكثر من ثلاث سنوات قبل أن يُعلن عن المصالحة في يناير 2021.
مواجهة النفوذ الإيراني: يُمثّل الملف الإيراني أحد أبرز ثوابت السياسة الخارجية لمحمد بن سلمان، الذي يرى في إيران التهديد الأكبر للاستقرار الإقليمي، وقد تجلى ذلك في مواقف متشددة عبر سنوات. ومع ذلك، شهد عام 2023 مصالحة تاريخية بين الرياض وطهران برعاية صينية، أذهلت المراقبين وكشفت عن براغماتية واضحة في التعامل مع الملفات الإقليمية.
التطبيع مع إسرائيل: ظلت مسألة التطبيع السعودي-الإسرائيلي على أجندة الحديث الدبلوماسي العالمي، خاصة بعد اتفاقيات أبراهام التي شملت دولًا عربية عدة. وقد أشارت تقارير متعددة إلى أن محادثات كانت جارية قبل أن تتعطل جراء اندلاع الصراع في غزة في أكتوبر 2023.
دور الوساطة الدولية: أسهمت المملكة في حقبة محمد بن سلمان بدور الوسيط الفاعل في ملفات دولية حساسة، من بينها دورها في ملف تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، مما كشف عن طموح لبناء دور إقليمي ودولي أوسع.
الحصانة القانونية الدولية: في نوفمبر 2022، قضت وثيقة أمام محكمة وزارة العدل الأمريكية بمنح محمد بن سلمان الحصانة في القضايا المرفوعة ضده، وهو ما يعكس اعترافًا دوليًا عمليًا بوضعه بوصفه رئيسًا فعليًا للحكومة السعودية.
ثامنًا: الملف الحقوقي — الظل الداكن
لا يمكن تناول مسيرة محمد بن سلمان بموضوعية دون التوقف عند الجانب الحقوقي الذي ألقى بظلاله القاتمة على صورته الدولية:
مقتل الصحفي جمال خاشقجي: في أكتوبر 2018، لقي الصحفي السعودي جمال خاشقجي حتفه داخل القنصلية السعودية في إسطنبول. وخلص تقرير المقررة الأممية الخاصة إلى أن القتل كان “إعدامًا متعمدًا ومتعمدًا مسبقًا” نفّذه عناصر سعودية، وأن ثمة “أدلة موثوقة تستوجب التحقيق مع ولي العهد السعودي”. وقد نفى محمد بن سلمان شخصيًا أي أمر بالقتل، غير أن هذه القضية ألحقت بسمعته ضررًا بالغًا على المستوى الدولي وأربكت علاقاته مع عدد من العواصم الغربية لسنوات.
حملة مكافحة الفساد: في نوفمبر 2017، جرى احتجاز مئات من الأمراء ورجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين في فندق ريتز كارلتون بالرياض بتهم الفساد. ورأى المؤيدون أن الحملة ضرورية لاجتثاث فساد متجذر، فيما رأى المنتقدون أنها كانت في جانب منها أداةً لتوطيد السلطة وتحييد المنافسين المحتملين.
اعتقال ناشطين وعلماء: طالت حملات الاعتقال ناشطين في مجال حقوق المرأة —وكان بعضهم قد طالب بحق القيادة الذي مُنح لاحقًا— فضلًا عن رجال دين وأكاديميين. وقد أثار هذا التناقض استغراب منظمات حقوق الإنسان الدولية.
تاسعًا: الزواج والحياة الشخصية
تزوج الأمير محمد بن سلمان عام 2008 من الأميرة سارة بنت مشهور بن عبد العزيز آل سعود، وأنجب منها ثلاثة أبناء وبنتين. ويُعرف عنه ميله للخصوصية في شؤونه الشخصية وحياته الأسرية، وهو ما يتناقض مع بروزه الطاغي على الساحتين الإقليمية والدولية.
عاشرًا: التكريم الدولي والحضور العالمي
حظي محمد بن سلمان باهتمام دولي استثنائي. ففي عام 2017، اختارته مجلة “تايم” الأمريكية صاحب لقب “الشخصية الأكثر تأثيرًا على مستوى العالم”، وكان الشخصية العربية الوحيدة في قائمة ضمّت 33 شخصية عالمية بارزة. كما قُلِّد أوسمة رفيعة من عدد من دول العالم، منها وسام الجمهورية التونسي، ووسام نيشان باكستان، ووسام عمان المدني من الدرجة الأولى، ووسام زايد الإماراتي.
حادي عشر: استشراف المستقبل
مع دخول رؤية 2030 مرحلتها الثالثة والأخيرة بين عامَي 2026 و2030، يبدو محمد بن سلمان مصمّمًا على مواصلة مسيرة التحول الكبرى. وقد أكد أن الاستثمار في “أبناء وبنات الوطن” يظل أثمن الاستثمارات على الإطلاق، وهو ما يفسر الاهتمام المتصاعد بتطوير التعليم وتمكين الشباب وبناء كفاءات وطنية قادرة على قيادة القطاعات المستقبلية.
تواجه المملكة تحديات جوهرية على الصعيد الاقتصادي، في مقدمتها ضغوط الميزانية في ظل تقلبات أسعار النفط، وتباطؤ بعض المشاريع العملاقة نتيجة أعباء التمويل. ومع ذلك، تحتفظ المملكة بمرونة مالية كافية وقنوات تمويل متعددة تمكّنها من مواصلة مسيرتها.
على الصعيد الدولي، تسعى المملكة في عهد محمد بن سلمان إلى موقع الوسيط الفاعل والشريك الموثوق في المحيطين الإقليمي والعالمي، مستثمرةً ثقلها الاقتصادي ومكانتها الدينية وتحالفاتها الاستراتيجية.
خاتمة: قراءة في مرآة التاريخ
في نهاية المطاف، يظل محمد بن سلمان شخصية تاريخية معقدة من العسير اختزالها في حكم قاطع. هو معمار تحوّل استراتيجي غير مسبوق بمقاييس تاريخ دولة شبه الجزيرة العربية، ومؤسس لمشاريع عملاقة ستُعيد رسم معالم المملكة لعقود، وصاحب قرارات اجتماعية جريئة غيّرت حياة ملايين السعوديين.
غير أنه في الوقت ذاته تُثار حوله تساؤلات حقوقية وسياسية لم تتلقَّ إجابات مُرضية بعد، وتُرمى بساحته اتهامات لا تزال عالقة في الأجواء الدولية. والأرجح أن التاريخ لن يحسم حكمه النهائي عليه اليوم ولا غدًا، بل حين تُكشف في مستقبل قريب أو بعيد نتائج التجربة الكبرى التي أطلقها وراهن عليها: هل تتحوّل السعودية فعلًا إلى نموذج للاقتصاد المتنوع والمجتمع المنفتح، أم تبقى المسيرة ناقصة تتعثر في منتصف الطريق؟
ما لا خلاف فيه أن محمد بن سلمان حرّك مياهًا راكدة، وفتح نوافذ ظلّت موصدة عقودًا، وقاد بلده نحو منعطف تاريخي لن يكون بعده كما كان قبله. وهذا وحده يكفي لأن يحجز له مكانًا لا يُحذف في سجلات تاريخ المنطقة والعالم.


