مايو 13, 2026
السعودية

يوم التأسيس السعودي: جذور ضاربة في التاريخ وهوية وطنية متجددة

bayanelm 18 1 دقيقة 0
يوم التأسيس السعودي: جذور ضاربة في التاريخ وهوية وطنية متجددة

نقدم لكم مقالة عن يوم التأسيس السعودي: جذور ضاربة في التاريخ وهوية وطنية متجددة

مقدمة: حين يتوقف الزمن ليستحضر الذاكرة

في الثاني والعشرين من فبراير من كل عام، تتوقف المملكة العربية السعودية توقفاً وطنياً جامعاً، لا للاستراحة من وتيرة الحياة المتسارعة فحسب، بل لاستحضار لحظة تأسيسية كبرى غيّرت مسار التاريخ في شبه الجزيرة العربية. إنه يوم التأسيس، ذلك الحدث الذي يمزج بين عمق الماضي وزخم الحاضر وتطلع المستقبل في مناسبة وطنية فريدة.

ولا يُعدّ هذا اليوم مجرد ذكرى تقويمية تمرّ كما تمرّ سائر الذكريات، بل هو محطة تأمل وطني عميق، يُعيد فيها الإنسان السعودي اكتشاف ذاته وجذوره، ويجدد صلته بتلك الشجرة الضاربة في التاريخ والتي بدأت بزرعها يد إمام في قلب نجد، قبل ما يزيد على ثلاثة قرون.

إن الأمم التي تعرف من أين جاءت هي وحدها القادرة على تحديد إلى أين تتجه. وهذه المعادلة البسيطة هي لبّ ما يحتفل به السعوديون في هذا اليوم المميز.

الجذور السحيقة: ما قبل 1727م

لفهم يوم التأسيس حقّ الفهم، لا بدّ من الرجوع إلى ما هو أبعد من تاريخ 1727م، إذ تمتد الجذور التاريخية لهذه المنطقة إلى أعماق التاريخ الإنساني. استقرّ بنو حنيفة في وسط الجزيرة العربية في مطلع القرن الخامس الميلادي، مما أدى إلى تأسيس مملكة اليمامة التي أصبحت لاحقاً جزءاً من الدولة النبوية عند ظهور الإسلام، وكان الاستقرار متمركزاً في منطقة العارض في نجد وخاصة في وادي حنيفة. 1

هذا الوادي العريق الذي شهد أولى تجمعات الحضارة في قلب الجزيرة العربية، كان المهد الذي احتضن تلاحق الأجيال وتراكم الخبرات والتقاليد التي مهّدت لظهور الدولة السعودية. فالحضارة لا تنبثق من فراغ، بل تتراكم طبقةً فوق طبقة، وجيلاً يرث من جيل، حتى تنضج البيئة الخصبة لقيام كيان سياسي متماسك.

وخلال أكثر من 280 عاماً تعاقب فيها أبناء مانع المريدي وأحفاده على إمارة الدرعية، تهيأت المنطقة لمرحلة جديدة حين تولى الإمام محمد بن سعود الحكم في الدرعية في منتصف عام 1139هـ/1727م. وكان هذا الإرث التراكمي من الحكم والإدارة والتجربة هو ما جعل الأرض خصبة لبناء دولة لا إمارة صغيرة عابرة. 2

الإمام محمد بن سعود: الرجل الذي غيّر مسار التاريخ

لا يمكن الحديث عن يوم التأسيس دون الوقوف طويلاً أمام شخصية محورية بالغة الأثر، هي شخصية الإمام محمد بن سعود، مؤسس الدولة السعودية الأولى. فهو ليس مجرد اسم يُذكر في السجلات التاريخية، بل هو صاحب مشروع حضاري كامل نجح في أن يتجاوز زمنه ليصل إلينا اليوم في صورة دولة عظيمة.

وُلد الإمام محمد بن سعود بن محمد بن مقرن في الدرعية عام 1090هـ/1679م، ونشأ وترعرع فيها، وشارك في الأحداث أثناء عهد جده وأبيه حين توليا الإمارة فيها، مما أكسبه خبرة راسخة في الحكم. 3

تلك الخبرة التي تراكمت في وعيه على مدى عقود من المراقبة والمشاركة كانت رأسماله الحقيقي حين آن أوان قيادة الدرعية. فحين توفر فيه العمر والتجربة والرؤية معاً، كان قادراً على أن يرى ما لا يراه غيره: أن هذه الأرض المتشعبة بين قبائل وإمارات متفرقة تستطيع أن تكون شيئاً أعظم بكثير.

وعندما تولى الإمام محمد بن سعود أمارة الدرعية، قام بالعمل على تأسيس الوحدة فيها وتأمين الاستقرار داخلها وفي محيطها من البلدات والقبائل، وحماية طريق الحج والتجارة.

هذه النقطة الأخيرة بالغة الدلالة؛ فحماية طريق الحج لم تكن مجرد واجب أمني، بل كانت رسالة سياسية ودينية بامتياز، تقول للعالم الإسلامي المحيط أن ثمة دولة ناشئة تضطلع بمهام الرعاية والحماية، وتُعلن حضورها على ساحة التاريخ.

وقد تحددت لحظة التأسيس بدقة تاريخية حين اختير تاريخ 30 جمادى الآخرة 1139هـ الموافق لـ22 فبراير 1727م ليكون تاريخاً لتأسيس الدولة السعودية، وذلك بناءً على بدء عهد الإمام محمد بن سعود بتوليه الحكم في الدرعية. 4

الدرعية: العاصمة التي حفظت السرّ

لو زرت الدرعية اليوم لوجدت نفسك في مكان يستعصي على الوصف البسيط؛ فهو ليس مجرد موقع أثري بالمعنى الأكاديمي الجافّ، بل هو مكان تنبض فيه روح التاريخ في كل حجر وكل زاوية وكل أطلال. يمثل حي الطريف التاريخي في الدرعية حجر الزاوية في فهم التحولات السياسية والاجتماعية التي واكبت مراحل البناء المبكرة، إذ يعود تاريخ هذا الموقع العريق إلى القرن الخامس عشر الميلادي، وقد شهد طفرة عمرانية هائلة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ليصبح مركزاً سياسياً ودينياً محورياً انطلقت منه سلطة آل سعود. 5

ما يشدّ الانتباه في عمارة الدرعية القديمة أنها لم تكن محاكاة لأساليب الجوار ولا استيراداً لأنماط الحضارات الأخرى، بل كانت تعبيراً خالصاً عن الطبيعة والبيئة والإنسان المحلي. فقد تميزت أساليب البناء النجدي القديم باستخدام الطين وجذوع النخيل لمقاومة العوامل البيئية الصعبة. هذا الذكاء المعماري الذي حوّل مواد البيئة الصحراوية إلى مسكن يصمد أمام قسوة المناخ، يعكس براغماتية الإنسان النجدي وإبداعه في التعامل مع ما أتاحته له الطبيعة. 6

ولم يمرّ هذا الإرث المعماري مرور الكرام على العين العالمية؛ إذ حظي الحي باعتراف دولي واسع عبر إدراجه في لائحة التراث العالمي التابعة لليونسكو عام 2010، نظراً لمكانته كنموذج فريد للاستيطان البشري في المناطق الصحراوية. 7

ويضم حي الطريف اليوم قصر سلوى الممتد على مساحة 10 آلاف متر مربع مع تاريخ يرجع إلى 1765م، ومتحف الحياة الاجتماعية الذي يعرّف الزائرين إلى تفاصيل البيت السعودي وأساليب التعليم والكتابة القديمة، ومتحف الخيل العربية للمهتمين بسلالاتها. كما يقع فيه مسجد الإمام محمد بن سعود الذي يتسع لنحو 2000 مصلٍ مع منطقة منفصلة لـ700 مصلية، وحديقة ضخمة تعرض عينات نباتية من أنحاء المملكة المختلفة. 8

هذه المجمّعات المعمارية ليست مجرد متاحف صامتة، بل هي محاضرات حجرية مفتوحة تروي قصة أمة بلغة البناء والمكان.

ثلاث دول وإرث واحد: الاستمرارية عبر الأزمات

ما يميّز التجربة السعودية في تأسيس الدولة هو قدرتها الاستثنائية على البعث والتجدد في مواجهة الانكسارات. فالتاريخ يحفل بتجارب دول انهارت ولم تقم لها قائمة، غير أن الدولة السعودية كسرت هذه القاعدة مرتين على التوالي.

تأسست الدولة السعودية الأولى في منتصف عام 1139هـ/1727م وعاصمتها الدرعية، ودستورها القرآن الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واستمرت إلى عام 1233هـ/1818م. وما إن مضت سبع سنوات على انتهائها حتى تمكّن الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود عام 1240هـ/1824م من استعادتها وتأسيس الدولة السعودية الثانية التي امتدت إلى عام 1309هـ/1891م. 9

هذا الانبعاث المزدوج يحمل دلالة عميقة؛ فهو يقول أن الدولة السعودية لم تكن حوادث عرضية أوجدتها ظروف مؤقتة، بل كانت تعبيراً عن حاجة حقيقية وإرادة شعبية وشرعية تاريخية لا تُطفأ. وكل انتهاء كان بداية لبعث جديد، كالنار التي تنطفئ ثم تتوقد من بقايا الجمر.

ثم جاءت المرحلة الثالثة والأعظم؛ تلك التي حوّلت المشروع السعودي من دولة إقليمية إلى ممكلة راسخة. في يوم السابع عشر من شهر جمادى الأولى عام 1351هـ الموافق 23 سبتمبر 1932م، أعلن الملك عبد العزيز آل سعود توحيد البلاد تحت اسم “المملكة العربية السعودية” بعد أحداث تاريخية استمرت 30 عاماً. 10

ما أنجزه الملك المؤسس عبد العزيز كان في حقيقته امتداداً عضوياً لما أرسى دعائمه الإمام محمد بن سعود قبله بأكثر من قرنين. وبذلك تكون المملكة كما هي اليوم ثمرة يانعة لشجرة زُرع بذرتها الأولى في تربة الدرعية عام 1727م، وسُقيت على مدى ثلاثة قرون من التضحيات والعزيمة.

الأمر الملكي الذي أعاد الاعتبار للذاكرة

على الرغم من هذا الإرث الثري، لم تكن المملكة تحتفل رسمياً بذكرى التأسيس حتى وقت قريب جداً. وقد جاء قرار إحياء هذه المناسبة ليصحح هذا الغياب ويُعيد ما استحق الاحتفاء والتكريم إلى مكانته اللائقة.

صدر الأمر الملكي من الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود في 24 جمادى الآخرة 1443هـ الموافق 27 يناير 2022م، اعتزازاً بالجذور الراسخة لهذه الدولة المباركة، وارتباط مواطنيها الوثيق بقادتها منذ عهد الإمام محمد بن سعود قبل ثلاثة قرون. 11

كان اختيار التوقيت دالاً في حد ذاته؛ فإعلان يوم التأسيس جاء في خضم مرحلة تحولية كبرى تمر بها المملكة في ظل رؤية 2030، وكأن القيادة أرادت أن تقول: إننا نبني المستقبل لأننا نعرف ماضينا، وإننا نسرع نحو الغد لأننا ضاربو الجذور في التاريخ.

ارتبط التأسيس بالإمام محمد بن سعود كونه مؤسس الدولة السعودية الأولى وواضع اللبنة الأولى لهذا الكيان الذي بدأ قبل أكثر من ثلاثة قرون. وهذا التحديد ليس تجاهلاً لما جاء بعده من ملوك وإنجازات، بل هو تأريخ للبداية الحقيقية، للجذر الأصيل الذي نبت منه كل ما تلاه. 12

العمق الحضاري: ماذا يعني أن تكون دولة تاريخية؟

في عالم يعيش تسارعاً غير مسبوق وتحولات متلاحقة، قد يبدو الحديث عن التاريخ ترفاً أو نوستالجيا. لكن يوم التأسيس يحمل وعياً مختلفاً تماماً بالعلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل.

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يصوغ هذه الفكرة بجلاء حين يقول: “لدينا عمق تاريخي مهم جداً موغل بالقدم ويتلاقى مع الكثير من الحضارات، والكثير يربط تاريخ جزيرة العرب بتاريخ قصير جداً، والعكس أننا أمة موغلة في القدم.” 13

وهذا الإعلان ليس مجرد خطاب رومانسي عاطفي، بل هو توجيه استراتيجي لكيفية تموضع المملكة في خارطة الحضارات. فالدول التي لا تعرف تاريخها تفقد ثقتها بنفسها، وتفتقر إلى الموارد الروحية والثقافية اللازمة لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.

ويقول الملك سلمان بن عبد العزيز في هذا الصدد: “نعتز بذكرى تأسيس هذه الدولة المباركة في العام 1139هـ/1727م، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم أرست ركائز السلم والاستقرار وتحقيق العدل.” 14

إن الاعتزاز بالتاريخ ليس فقراً فكرياً كما يظن بعضهم، بل هو ثروة. فالأمة التي تعرف من أين استمدت قوتها تعرف أيضاً كيف تستمدها مستقبلاً من المصادر ذاتها: الوحدة والاستقرار والعدل وحماية الطريق.

الهوية البصرية: حين تتحدث الرموز لغة الأجداد

لكل يوم وطني رموزه ولغته البصرية التي تعبّر عن روحه. ويوم التأسيس ليس استثناءً، بل هو في هذا الجانب نموذج يُحتذى في كيفية توظيف عناصر التراث لبناء هوية بصرية معاصرة دون أن تفقد صلتها بالجذور.

كُتبت عبارة “يوم التأسيس – 1727م” بخط مستلهم من مخطوطات عديدة وثّقت تاريخ الدولة السعودية الأولى، لتكون الرسالة الشاملة للشعار مرتبطةً بالقيم التي تمثّل الثقافة السعودية المشتركة، وموصِلةً لمعاني الفخر والحماس والأصالة والترابط، ومرتبطةً بالضيافة والكرم والمعرفة والعلوم. 15

وتتناغم خمسة عناصر في شعار يوم التأسيس، هي: العلم السعودي، والنخلة، والصقر، والخيل العربية، والسوق، لتعكس في مضمونها تراثاً وطنياً حياً وأنماطاً مستمرة، رُسمت بنمط الخط التاريخي الذي دُوّنت به إحدى المخطوطات التاريخية التي تؤرخ أحداث الدولة السعودية الأولى. 16

كل عنصر من هذه العناصر الخمسة يحمل قصة وراءه: فالنخلة رمز العطاء في أرض شحيحة الماء، والصقر رمز العزة والإباء، والخيل رمز القوة والأصالة، والسوق رمز التبادل والازدهار والتلاقي الإنساني، والعلم رمز الانتماء والهوية. مجتمعةً، هذه العناصر تروي سردية كاملة عن نمط حياة وقيم مجتمع.

وترمز النخلة للعطاء، والخيل للأصالة، والصقر للعزة والقوة، والسوق للازدهار الاقتصادي، والعلم للوحدة والهوية الوطنية. 17

أما على صعيد “نخوة العوجا”، فهي نخوة الدولة السعودية؛ ذلك النداء الذي يبثّ الحماس والفخر وروح الانتماء للوطن، ويعبّر عنها أبناء الوطن في أهازيجهم الوطنية. وهذا النداء ليس مجرد هتاف عاطفي بل هو سلسلة صوتية تربط الإنسان السعودي اليوم بأسلافه الأوائل في لحظة من لحظات الانتماء الخالص. 18

الاحتفالات: حين يتحوّل التاريخ إلى تجربة حية

ما يجعل يوم التأسيس مناسبة استثنائية بحق أنه لا يكتفي بالذكرى الذهنية أو التأمل الصامت، بل يترجم التاريخ إلى تجربة يعيشها الإنسان بحواسه كلها.

تنطلق فعاليات ثقافية وترفيهية في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية، حيث تستضيف المدن على مستوى البلاد أنشطة واسعة النطاق احتفالاً بالذكرى السنوية. وتُزيَّن الشوارع باللون الأخضر، وتنتشر الملابس التقليدية على نطاق واسع، مع تحوّل العاصمة الرياض ومدن أخرى إلى وجهات ثقافية وسياحية تستقطب آلاف المواطنين والمقيمين والزوار. 19

وتتصدر الدرعية المشهد الاحتفالي باعتبارها المهد والمنبع. تُشكل مدينة الدرعية التاريخية نقطة ارتكاز هامة للاحتفال بالهوية الثقافية والتراثية، كونها مهد الدولة السعودية الأولى. 20

ويقدم البرنامج الثقافي في حي الطريف مجموعة من العروض الحية وورش العمل التفاعلية التي تسلط الضوء على الحرف التقليدية، مثل صناعة أبواب الدرعية القديمة وأساليب البناء النجدية التاريخية. كما تتضمن الفعالية عروضاً تمثيلية ضخمة وموسيقى تراثية، ومشاركين يرتدون أزياء تاريخية تجسّد مراحل مختلفة من تاريخ السعودية، ما يجعلها تجربة بصرية وثقافية مبهرة للعائلات والزوار. 21

وقد احتفلت الدرعية عام 2026 بيوم التأسيس تحت شعار “ساسها خير”، تأكيداً لمكانة العطاء بوصفه قيمة راسخة في تاريخها، إذ يعكس الشعار نهج الدرعية في ترسيخ الجود بوصفه ركيزة أساسية من ركائز قيام الدولة إلى جانب الأمن والتوحيد. 22

وفي الرياض تتكامل الاحتفالات لتخلق تجربة شاملة. استضاف قصر الحكم وساحة العدل فعاليات وطنية تحت إشراف الهيئة الملكية لمدينة الرياض، منها معرض “مخيال حل العوجة” الذي عرض مراحل تأسيس المملكة من خلال تقنيات بصرية معاصرة. وقامت أمانة الرياض بتزيين الشوارع والطرق الرئيسية بأكثر من 5000 وحدة إنارة عبر المحاور الرئيسية والساحات والأماكن العامة. 23

ويحرص الرجال والنساء والشباب والفتيات والأطفال على ارتداء ملابس تُجسّد تراث تلك الحقبة التاريخية المشرّفة، إضافة إلى توزيع الحلوى التراثية وتقديم الهدايا الرمزية التي تحمل سمات ورمزيات يوم التأسيس. 24

الفنون والموروث: لغة التواصل عبر الأجيال

الأزياء التراثية التي يرتديها الناس في يوم التأسيس، مثل العقال المقصب للرجال والبرقع للنساء، ليست مجرد ملابس، بل هي رموز تحكي قصة الأصالة والارتباط بالأرض. كما أن فنجان القهوة السعودية الذي يُقدَّم كرمز للضيافة والكرم يمثل جزءاً لا يتجزأ من التراث الاجتماعي. 25

وتعمل الفنون الأدائية كالعرضة والسامري على تجديد العلاقة بالماضي وتأكيد فرادة الهوية في عالم متغير. إن يوم التأسيس يعمل كجسر متين يربط بين الأجيال. 26

رقصة العرضة تحديداً تستحق وقفة خاصة؛ فهي ليست أداءً فنياً مجرداً، بل هي تعبير عن روح الجماعة والانتماء للأرض والاستعداد للدفاع عنها. وحين تتشابك صفوف الرجال في إيقاع موحد وأصوات متناغمة، فإنهم يعيدون تمثيل لحظات من التاريخ كانت فيها الوحدة هي الفرق بين الصمود والانهيار.

وتناولت المناقشات الأكاديمية تراث الدرعية والتوسع التاريخي للدولة السعودية، إلى جانب عروض الخيول العربية والجولات المصحوبة بمرشدين لتتبع الأدوار القيادية والمجتمعية خلال فترة التأسيس. 27

يوم التأسيس ورؤية 2030: الماضي يُغذّي المستقبل

لا يقف يوم التأسيس عند حدود الاحتفاء العاطفي بالماضي، بل يندرج في سياق مشروع وطني تحديثي شامل يسعى إلى بناء مستقبل نهضوي على أسس راسخة.

فرؤية 2030 التي تنهض عليها اليوم مشاريع التنويع الاقتصادي وتمكين الشباب والانفتاح الثقافي لم تسقط من فراغ، بل استمدت طاقتها الروحية من الإيمان بأن هذا الشعب قادر على صنع المستقبل لأنه أثبت تاريخياً قدرته على صنع الدولة من لا شيء. إن الدولة السعودية الأولى قامت في بيئة صحراوية قاسية وفي ظروف سياسية بالغة التعقيد، ومع ذلك نجحت. وهذا الدرس التاريخي يقول للسعودي المعاصر: أنت وارث لحضارة تجيد إنجاز المستحيل.

وقد تجسّد هذا الربط الواضح بين الماضي والمستقبل في فعاليات الدرعية تحت شعار “رحلة وطن” التي توفر للزوار إمكانية الاطلاع على تاريخ الدولة السعودية واستشراف المستقبل المشرق لمشروعاتها النابضة بالحياة، وفق رؤية 2030. 28

يوم التأسيس والهوية الوطنية: ما وراء الاحتفال

في عالم تتصارع فيه الهويات وتتآكل فيه الخصوصيات أمام موجات العولمة المتدفقة، يكتسب يوم التأسيس أهمية استراتيجية بالغة. فهو بحق ليس مجرد إجازة رسمية يسعد فيها الناس بيوم راحة، بل هو لحظة للتساؤل الجوهري: من نحن؟ ومن أين جئنا؟ وما الذي يجمعنا فوق هذه الأرض؟

والإجابات لا تأتي من الكتب المدرسية وحدها، بل من المشاركة الحية في الاحتفالات، من قرع الطبول ومن رائحة الحلوى التراثية ومن حركة خيول العرضة ومن نقوش الطين القديم في حي الطريف. إنها إجابات تعيشها الجسد قبل أن يستوعبها العقل.

يُعدّ يوم التأسيس للمملكة العربية السعودية بمثابة نقطة تحول في تاريخ البلاد، حيث أنها البداية الرسمية لوجود دولة قوية وموحدة تحت قيادة واحدة. ومن خلاله تمتلك المملكة فرصة لتعزيز الوحدة الوطنية بين مختلف مكونات المجتمع، وتعزيز الانتماء إلى الوطن. 29

هذا التعزيز ليس مجرد شعار؛ فالمجتمع السعودي الذي يحتفل معاً في يوم التأسيس يؤكد في كل مرة أن ما يجمعه أكبر وأعمق مما قد يفرقه.

خاتمة: من الدرعية إلى الأفق

في كل الثاني والعشرين من فبراير، حين تُضاء الشوارع بالأخضر وتتعالى أصوات العرضة وتفوح روائح القهوة العربية، ثمة شيء خفي يحدث في وعي الإنسان السعودي. إنه لا يحتفل بيوم فحسب، بل يُجدد عقداً مع الأجداد ومع الأرض ومع المستقبل في آن واحد.

اعتزازاً بالوحدة الوطنية للمملكة العربية السعودية التي أرساها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود، واعتزازاً بإنجازات الملوك أبناء الملك عبدالعزيز في تعزيز البناء والوحدة؛ يُدرك كل سعودي اليوم أنه ليس مجرد مواطن في دولة معاصرة، بل هو حلقة في سلسلة مديدة بدأت في الدرعية ولا يزال يكتب فصولها. 30

الدولة التي أسسها إمام واحد في وادٍ صحراوي قبل ثلاثة قرون، والتي صمدت أمام التحديات ونهضت من كبواتها وأعادت بناء ذاتها مرتين ثم توحّدت وازدهرت؛ هذه الدولة تُعلّم أبناءها درساً واحداً لا يُنسى: أن الإرادة الحقيقية والإيمان بالرسالة كفيلان بتحويل كل بداية صغيرة إلى بناء عظيم. وهذا هو الجوهر الحقيقي ليوم التأسيس.

رابط المقالة القصير
مشاركة:
18 مشاهدة

اترك تعليقاً