كيف جاءت فكرة إرسال السفينة «سلطانة» العُمانية إلى أمريكا؟ القصة الكاملة لأول بعثة عُمانية إلى نيويورك عام 1840

حجم الخط:

كيف جاءت فكرة إرسال السفينة «سلطانة» العُمانية إلى أمريكا؟ القصة الكاملة لأول بعثة عُمانية إلى نيويورك عام 1840

في عام 1840م، شهد ميناء نيويورك حدثًا تاريخيًا غير مألوف؛ فقد وصلت إليه سفينة قادمة من سلطنة عُمان، قطعت آلاف الأميال البحرية حاملة بضائع شرقية ثمينة وهدايا من السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مارتن فان بورين. كانت تلك السفينة تُسمى «سلطانة»، وقد أصبحت رحلتها واحدة من أبرز الأحداث في تاريخ العلاقات العُمانية الأمريكية.

لكن السؤال الذي يستحق البحث هو: كيف جاءت فكرة إرسال سفينة عُمانية إلى أمريكا في زمن كانت فيه الرحلات عبر المحيطات تستغرق أشهرًا، وكانت الولايات المتحدة دولة حديثة نسبيًا لا تتمتع بعد بالنفوذ العالمي الذي نعرفه اليوم؟

هل كانت الفكرة مجرد رغبة في تبادل الهدايا؟ أم أنها جاءت نتيجة اتصالات مع التجار الأمريكيين؟ وهل كان السلطان سعيد بن سلطان يسعى إلى فتح سوق جديد لتجارته، أم كان وراء الرحلة هدف سياسي وعسكري أوسع؟

تكشف المصادر التاريخية أن رحلة «سلطانة» لم تكن قرارًا مفاجئًا، بل جاءت بعد سنوات من التواصل التجاري والمفاوضات الدبلوماسية، وفي ظل طموحات كبيرة لدى السلطان سعيد بن سلطان لتوسيع المصالح العُمانية في المحيط الهندي وخارجه.

أولًا: عُمان في عهد السلطان سعيد بن سلطان.. دولة بحرية تبحث عن أسواق العالم

لفهم فكرة إرسال السفينة «سلطانة» إلى نيويورك، لا بد من العودة إلى طبيعة الدولة العُمانية في عهد السلطان سعيد بن سلطان، الذي حكم بين عامي 1807 و1856م.

خلال تلك الفترة، كانت عُمان قوة بحرية وتجارية مهمة، تمتد مصالحها عبر بحر العرب والمحيط الهندي، وترتبط بموانئ الهند وبلاد فارس وشرق أفريقيا.

وكانت مسقط مركزًا مهمًا للتجارة البحرية، بينما أخذت زنجبار تتحول إلى مركز اقتصادي بارز ضمن الممتلكات العُمانية في شرق أفريقيا.

وقد أدرك السلطان سعيد بن سلطان أن قوة دولته لا تعتمد على السفن الحربية وحدها، بل ترتبط أيضًا بالقدرة على فتح الأسواق وتأمين طرق التجارة وإقامة علاقات مع القوى الأجنبية.

ومن أبرز السلع التي كانت تُتداول عبر الموانئ الخاضعة للحكم العُماني آنذاك القرنفل والعاج والصمغ والتمور والبن والمنسوجات.

لكن هذه التجارة كانت تواجه تحديًا كبيرًا؛ إذ كانت بريطانيا وفرنسا تتمتعان بنفوذ واسع في البحار والأسواق الآسيوية والأفريقية.

ولهذا كان من مصلحة السلطان البحث عن شركاء تجاريين آخرين، لا سيما الدول التي تستطيع شراء المنتجات المتداولة في موانئه وتزويده بالسلع التي يحتاج إليها.

وهنا بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تظهر بوصفها شريكًا واعدًا.

ثانيًا: التجار الأمريكيون هم الذين فتحوا الطريق أمام الفكرة

لم تبدأ قصة السفينة «سلطانة» عندما أمر السلطان بتجهيزها، بل بدأت قبل ذلك بسنوات، عندما أخذت السفن التجارية الأمريكية تصل إلى موانئ عُمان وزنجبار.

ففي العقود الأولى من القرن التاسع عشر، كان تجار مدينة سالم في ولاية ماساتشوستس الأمريكية ينشطون في التجارة البحرية البعيدة، بحثًا عن أسواق جديدة خارج المحيط الأطلسي.

ووصل بعض هؤلاء التجار إلى المحيط الهندي، حيث وجدوا فرصًا مهمة لشراء منتجات شرق أفريقيا والجزيرة العربية.

وكانوا يجلبون معهم المنسوجات القطنية وغيرها من المنتجات الأمريكية، ويعودون ببضائع مثل العاج والصمغ والقرنفل.

ومع مرور الوقت، أصبحت التجارة الأمريكية مع زنجبار أكثر نشاطًا.

وتشير دراسة تاريخية نشرتها مجلة «نزوى» إلى أنه بين سبتمبر 1833 ومايو 1834 وصلت إلى زنجبار 32 سفينة تجارية أمريكية، مقابل سبع سفن بريطانية وسفينة فرنسية وأخرى إسبانية خلال الفترة نفسها.

وهذه الأرقام تكشف مدى أهمية الحضور التجاري الأمريكي في زنجبار، وتساعد على تفسير اهتمام السلطان بإقامة علاقة مباشرة مع الولايات المتحدة.

لقد كان الأمريكيون يأتون إلى الموانئ العُمانية، فلماذا لا تذهب السفن العُمانية إلى الموانئ الأمريكية؟

يمثل هذا السؤال تلخيصًا منطقيًا للفكرة التجارية التي تقف وراء الرحلة، وإن لم يكن اقتباسًا موثقًا عن السلطان نفسه.

فبدل الاكتفاء ببيع البضائع للتجار الأمريكيين في زنجبار، كان بالإمكان إرسال سفينة محملة بالبضائع إلى نيويورك وبيعها هناك، ثم شراء منتجات أمريكية لإعادة بيعها في الأسواق الآسيوية والأفريقية.

ثالثًا: هل اقترح رجل أعمال أمريكي إقامة العلاقات بين البلدين؟

تذكر دراسة تاريخية منشورة في مجلة «نزوى» أن أحد رجال الأعمال الأمريكيين اقترح على السلطان سعيد بن سلطان، عام 1828م، عقد معاهدة تجارية مع الولايات المتحدة.

وقد لقي الاقتراح استحسان السلطان الذي رأى فيه فرصة لإقامة علاقات رسمية وتجارية مع دولة يمكن أن تصبح شريكًا اقتصاديًا مهمًا.

وهذه الرواية مهمة لأنها تشير إلى أن فكرة التقارب العُماني الأمريكي بدأت من المصالح التجارية المشتركة قبل وصول السفينة «سلطانة» بسنوات طويلة.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين اقتراح إقامة معاهدة تجارية وبين اقتراح إرسال السفينة نفسها؛ فالمصادر المتاحة لا تثبت أن رجل الأعمال الأمريكي صاحب الاقتراح الأول هو الذي اقترح رحلة «سلطانة» تحديدًا.

ما يمكن إثباته هو أن التواصل التجاري تطور تدريجيًا حتى وصل إلى توقيع أول معاهدة رسمية بين البلدين.

رابعًا: إدموند روبرتس ومعاهدة عام 1833.. الخطوة التي سبقت «سلطانة»

21 سبتمبر 1833م

كانت الخطوة الحاسمة في العلاقات العُمانية الأمريكية هي توقيع معاهدة الصداقة والتجارة بين السلطان سعيد بن سلطان والولايات المتحدة الأمريكية.

فقد أوفد الرئيس الأمريكي أندرو جاكسون مبعوثه إدموند روبرتس إلى المنطقة من أجل عقد اتفاقيات تجارية مع عدد من الدول الآسيوية.

ووصل روبرتس إلى مسقط، حيث جرت مفاوضات أسفرت عن توقيع المعاهدة في 21 سبتمبر 1833م.

وتؤكد السجلات الرسمية لوزارة الخارجية الأمريكية أن هذه المعاهدة مثّلت أول اعتراف وتواصل دبلوماسي رسمي متبادل بين الولايات المتحدة وسلطنة عُمان.

وكانت الاتفاقية تهدف إلى تسهيل التجارة وتوفير إطار قانوني للعلاقات الاقتصادية بين الطرفين.

وبذلك لم تعد العلاقات محصورة في تعاملات بين تجار مستقلين، بل أصبحت تستند إلى اتفاق رسمي.

ومن هنا يمكن فهم رحلة «سلطانة» باعتبارها مرحلة متقدمة من مراحل تطبيق هذه العلاقة، لا باعتبارها البداية الأولى للعلاقات الدبلوماسية.

فالمعاهدة وُقعت عام 1833م، بينما أبحرت «سلطانة» في رحلتها التاريخية بعد نحو ست سنوات.

خامسًا: حادثة السفينة الأمريكية «بيكوك» ودورها في التقارب

من الأحداث اللافتة التي سبقت رحلة «سلطانة» حادثة جنوح السفينة الأمريكية «بيكوك» قرب جزيرة مصيرة العُمانية عام 1835م.

وكانت السفينة مرتبطة بمهمة أمريكية في المنطقة، وقد تعرضت لصعوبات بحرية عندما جنحت بالقرب من الجزيرة.

وتذكر مصادر تاريخية أن السلطان سعيد بن سلطان قدم المساعدة لإنقاذ السفينة وطاقمها، وأن السفينة «سلطانة» شاركت في عمليات المساعدة والإنقاذ.

وكان لهذا الحدث أثر رمزي مهم في العلاقات بين البلدين.

فالمساعدة العُمانية لسفينة أمريكية أظهرت استعداد السلطان للتعاون مع الأمريكيين، وأكدت أهمية العلاقات البحرية الناشئة.

ومن التفاصيل المثيرة أن بعض الدراسات تربط اختيار السفينة «سلطانة» لاحقًا لهذه المهمة بحضورها السابق في حادثة «بيكوك»، إلى جانب مكانتها بوصفها واحدة من أبرز سفن الأسطول العُماني.

لكن لا توجد أدلة كافية للقول إن حادثة «بيكوك» وحدها كانت السبب المباشر لإرسال السفينة إلى أمريكا.

والأقرب أنها كانت إحدى الحلقات التي عززت الثقة والتواصل بين الطرفين.

سادسًا: هل أراد السلطان سعيد بن سلطان شراء أسلحة أمريكية بعيدًا عن النفوذ البريطاني؟

هنا نصل إلى أحد أكثر التفسيرات التاريخية إثارة للاهتمام.

فإلى جانب الأهداف التجارية والدبلوماسية الواضحة، يرى بعض الباحثين أن السلطان سعيد بن سلطان كان مهتمًا بالولايات المتحدة لاعتبارات استراتيجية وعسكرية.

ففي القرن التاسع عشر، كانت بريطانيا وفرنسا تتمتعان بنفوذ بحري وسياسي واسع، وكان الحصول على الأسلحة والمعدات العسكرية منهما قد يرتبط بحسابات سياسية معقدة.

أما الولايات المتحدة فكانت آنذاك قوة تجارية صاعدة، لكنها لم تكن تمتلك في المحيط الهندي شبكة النفوذ الاستعماري التي امتلكتها بريطانيا وفرنسا.

وهذا جعل التعامل التجاري معها مفيدًا للسلطان.

وتذهب مقالة تاريخية نشرها الكاتب جوزيف فيتشيت في مجلة Saudi Aramco World عام 1975 إلى أن السلطان كان يسعى إلى تعزيز قدراته العسكرية، وأن طموحاته في شرق أفريقيا، بما فيها موزمبيق الخاضعة للبرتغاليين، كانت من العوامل التي شجعته على التقارب مع الأمريكيين.

وبحسب هذا التفسير، فإن الولايات المتحدة كانت مصدرًا محتملًا للأسلحة دون الارتهان السياسي المباشر للقوى الأوروبية الكبرى.

وتشير مصادر أخرى إلى أن الأسلحة والبارود كانا بالفعل من بين السلع التي حملها التجار الأمريكيون إلى الأسواق العُمانية والأفريقية، وأن بعثة «سلطانة» اشترت بعض هذه المنتجات في رحلة العودة.

لكن من المهم التأكيد أن فرضية ارتباط إرسال السفينة بمشروع عسكري محدد في موزمبيق تبقى تفسيرًا تاريخيًا، وليست حقيقة متفقًا عليها بين جميع الباحثين.

أما الدافع التجاري فهو أكثر وضوحًا وتوثيقًا في المصادر المعاصرة للرحلة والدراسات اللاحقة.

سابعًا: لماذا قرر السلطان إرسال سفينة عُمانية بنفسه؟

كانت السفن الأمريكية تصل باستمرار إلى زنجبار، وتحقق أرباحًا من شراء المنتجات وإعادة بيعها في الأسواق البعيدة.

ومن الناحية الاقتصادية، كان هناك فرق بين بيع البضائع داخل زنجبار وبين نقلها مباشرة إلى الولايات المتحدة.

ففي الحالة الأولى، يتولى التاجر الأمريكي مهمة النقل ويتحمل مخاطر الرحلة ويحصل على جانب من الأرباح الناتجة عن إعادة البيع.

أما في الحالة الثانية، فيمكن للتاجر العُماني أو ممثل السلطان أن يتولى عملية البيع المباشر، ويطلع على الأسعار والطلب في السوق الأمريكية.

ولذلك يمكن تلخيص الدوافع الأساسية التي تفسر قرار إرسال السفينة في أربعة أهداف مترابطة:

  1. فتح سوق مباشر للمنتجات المتداولة عبر موانئ عُمان وزنجبار.
  2. شراء سلع أمريكية وإعادة تصديرها إلى أسواق المحيط الهندي.
  3. تعزيز الصداقة السياسية والدبلوماسية بين السلطان والحكومة الأمريكية.
  4. تنويع الشركاء التجاريين وتقليل الاعتماد على الوسطاء والقوى الأوروبية.

وهكذا أصبحت الرحلة استثمارًا اقتصاديًا وأداة دبلوماسية في الوقت نفسه.

ثامنًا: لماذا اختار السلطان السفينة «سلطانة»؟

لم تكن «سلطانة» سفينة تجارية عادية.

فبحسب المتحف الوطني العُماني، بُنيت السفينة في بومباي بالهند عام 1833م، وكانت سفينة سريعة ذات ثلاث سواري، وتميزت بقدرتها على أداء المهام البحرية والدبلوماسية.

وقد اختارها السلطان لمهمته إلى الولايات المتحدة لما تتمتع به من مكانة في الأسطول العُماني، فضلًا عن قدرتها على حمل البضائع والركاب وخوض رحلة بحرية طويلة.

وكان لاختيار سفينة مهمة من أسطول السلطان دلالة واضحة؛ فالرحلة لم تكن مجرد مغامرة تجارية خاصة، بل مهمة تحظى برعاية الدولة.

كما كانت السفينة تحمل علم السلطان، وهو ما منح وصولها إلى نيويورك بعدًا سياسيًا ورمزيًا.

تاسعًا: من اختار أحمد بن النعمان لقيادة البعثة؟

بعد اتخاذ القرار بإرسال السفينة، كان لا بد من اختيار شخص يتولى تمثيل السلطان أمام الأمريكيين.

وقد وقع الاختيار على أحمد بن النعمان الكعبي، أحد رجال السلطان الموثوقين، والذي شغل منصبًا مقربًا من البلاط.

وتذكر بعض الروايات أن السلطان فكر أولًا في تكليف أحد أقاربه، السيد حسن بن إبراهيم، بالمهمة، لكنه اعتذر، فانتقل الاختيار إلى أحمد بن النعمان.

وكانت مهمة أحمد بن النعمان تجمع بين العمل التجاري والتمثيل الرسمي.

فهو مسؤول عن البضائع التي تحملها السفينة، وعن تقديم رسالة السلطان وهداياه إلى الرئيس الأمريكي، وعن شراء المنتجات التي ستعود بها السفينة.

ولهذا اشتهر في الكتابات التاريخية بوصفه أول مبعوث عُماني وعربي رسمي يصل إلى الولايات المتحدة.

ومع ذلك، تشير بعض الدراسات إلى أنه لم يحمل أوراق اعتماد سفير مقيم بالمفهوم الدبلوماسي الحديث؛ والأدق وصفه بأنه مبعوث خاص للسلطان في مهمة تجارية ودبلوماسية.

عاشرًا: تجهيز السفينة والانطلاق نحو العالم الجديد

بدأت الاستعدادات للرحلة في عام 1839م، وشملت تجهيز السفينة وإعداد حمولتها وتحديد طريق الإبحار.

وتذكر بعض المصادر أن السفينة غادرت مسقط في 23 ديسمبر 1839م، ثم توجهت إلى زنجبار، حيث استكملت حمولتها واستعداداتها قبل عبور المحيط.

وفي أوائل فبراير 1840م، انطلقت من زنجبار في رحلتها الطويلة نحو أمريكا.

وكانت تحمل مجموعة من البضائع التي تعكس اتساع الشبكات التجارية العُمانية، ومنها التمور والبن والقرنفل والعاج والصمغ والسجاد والمنسوجات.

كما حملت هدايا من السلطان سعيد بن سلطان إلى الرئيس الأمريكي مارتن فان بورين.

وشملت الهدايا، وفق الروايات التاريخية، حصانين عربيين وبعض اللآلئ والأحجار الثمينة والعطور والمنسوجات الفاخرة وسيفًا مزخرفًا.

ولم تكن هذه الهدايا مجرد تعبير عن الكرم، بل كانت أيضًا وسيلة مألوفة في العلاقات بين الحكام لإظهار الاحترام والمودة والرغبة في استمرار التواصل.

وقد سلكت السفينة طريق رأس الرجاء الصالح، وتوقفت في جزيرة سانت هيلانة، قبل مواصلة رحلتها عبر المحيط الأطلسي.

واستغرقت الرحلة من زنجبار إلى نيويورك نحو 87 يومًا.

وتختلف بعض المصادر في تحديد يوم الوصول الدقيق خلال أبريل أو أوائل مايو 1840م، إلا أنها تتفق على وقوع الزيارة التاريخية في ربيع ذلك العام.

الحادي عشر: ماذا حدث عندما وصلت «سلطانة» إلى نيويورك؟

أثار وصول السفينة العُمانية اهتمامًا واسعًا لدى الأمريكيين.

فقد كانت مشاهدة سفينة تحمل علم حاكم عربي، وعلى متنها مبعوث رسمي وبحارة من مناطق مختلفة من المحيط الهندي، حدثًا غير مألوف في نيويورك آنذاك.

واهتمت الصحف الأمريكية بوصف السفينة وطاقمها وملابس المبعوث العُماني والهدايا التي حملها إلى الرئيس.

وقد لقي أحمد بن النعمان استقبالًا رسميًا واجتماعيًا، وشارك في زيارات وفعاليات للتعرف على المدينة ومؤسساتها.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن الوفد شاهد بعض مظاهر التطور التقني الأمريكي، ومنها السكك الحديدية البخارية والمنشآت البحرية.

كما استقبلت الحكومة الأمريكية رسالة السلطان وهداياه.

لكن قضية الهدايا أثارت مسألة قانونية؛ إذ كان الدستور الأمريكي يفرض قيودًا على قبول المسؤولين الفيدراليين الهدايا من الحكام الأجانب دون موافقة الكونغرس.

ولذلك جرت مناقشات بشأن كيفية التعامل معها، وانتهى الأمر باتخاذ إجراءات رسمية تتعلق باستلامها والتصرف فيها.

أما الجانب التجاري، فقد نجحت البعثة في بيع بضائعها وشراء منتجات أمريكية لرحلة العودة.

وكانت المنسوجات القطنية الأمريكية من أبرز البضائع التي جرى الحصول عليها، إلى جانب سلع أخرى.

وهكذا حققت الرحلة هدفها الأساسي في اختبار التجارة المباشرة بين الموانئ العُمانية والسوق الأمريكية.

الثاني عشر: هل كانت الرحلة ناجحة اقتصاديًا؟

من الصعب الجزم بحجم الربح الصافي الذي حققته رحلة «سلطانة»، لأن المصادر المتاحة لا تقدم حسابًا ماليًا كاملًا ومتفقًا عليه يشمل قيمة البضائع المباعة وتكلفة الرحلة وجميع المصروفات.

لكن نجاح الرحلة لا يُقاس بالأرباح المباشرة وحدها.

فقد قدمت تجربة عملية للتجارة المباشرة مع الولايات المتحدة، وساعدت على تعريف الأمريكيين بالدولة العُمانية ومكانتها البحرية، وعززت العلاقات التي نشأت بموجب معاهدة 1833م.

كما أظهرت قدرة السفن العُمانية على الوصول إلى أسواق بعيدة خارج نطاق المحيط الهندي الذي اعتادت العمل فيه.

ومن اللافت أن هذه الرحلة لم تتبعها سلسلة منتظمة من الرحلات العُمانية المباشرة إلى نيويورك، لكن التجارة بين الولايات المتحدة وزنجبار استمرت من خلال السفن التجارية الأمريكية.

وهذا يعني أن أثرها التاريخي والدبلوماسي كان أوضح من تحولها إلى خط ملاحي عُماني دائم عبر الأطلسي.

الثالث عشر: هل كان السلطان سعيد بن سلطان يستشرف صعود الولايات المتحدة؟

يطرح بعض الكتاب سؤالًا مثيرًا: هل أدرك السلطان سعيد بن سلطان مبكرًا أن الولايات المتحدة ستصبح قوة عالمية كبرى؟

من المغري تفسير الرحلة بهذا الشكل، خاصة بالنظر إلى المكانة التي وصلت إليها الولايات المتحدة لاحقًا.

لكن المؤرخ ينبغي أن يفرق بين ما نعرفه اليوم وما كان معروفًا عام 1840م.

فالولايات المتحدة في ذلك الوقت كانت دولة تتوسع اقتصاديًا وجغرافيًا، ولديها أسطول تجاري نشط، لكنها لم تكن القوة العالمية المهيمنة التي أصبحت عليها في القرن العشرين.

ولا توجد أدلة كافية تثبت أن السلطان أرسل السفينة لأنه تنبأ بالتفوق الأمريكي العالمي بعد قرن من الزمان.

الأقرب تاريخيًا أنه أدرك الأهمية التجارية المباشرة للولايات المتحدة، ورأى فيها شريكًا مناسبًا لتنويع العلاقات الاقتصادية والسياسية.

وهذا في حد ذاته يعكس قدرة على قراءة المصالح الدولية والتعامل معها بمرونة.

الرابع عشر: ماذا تخبرنا رحلة «سلطانة» عن التفكير السياسي العُماني؟

تكشف رحلة «سلطانة» جانبًا مهمًا من السياسة الخارجية العُمانية في عهد السلطان سعيد بن سلطان.

فقد سعى السلطان إلى الجمع بين القوة البحرية والتجارة والدبلوماسية، وإقامة علاقات مع دول مختلفة بدل الاعتماد على قوة أجنبية واحدة.

ولم يكن اهتمامه بالولايات المتحدة منفصلًا عن علاقاته ببريطانيا وفرنسا والقوى الآسيوية، بل جاء ضمن شبكة واسعة من العلاقات التي حاول من خلالها تعزيز مصالح دولته.

واللافت أن التجارة كانت وسيلة أساسية لبناء تلك العلاقات.

فالمعاهدات التجارية فتحت أبواب التواصل السياسي، بينما أصبحت السفن والبضائع والهدايا أدوات للتقارب بين الحكومات.

وبذلك يمكن النظر إلى «سلطانة» باعتبارها مثالًا مبكرًا على ما يمكن تسميته اليوم بالدبلوماسية الاقتصادية.

الخاتمة: كيف جاءت الفكرة في النهاية؟

بعد تتبع الروايات التاريخية، يتضح أن فكرة إرسال السفينة «سلطانة» إلى أمريكا لم تظهر من فراغ، ولم تكن مجرد مبادرة لتقديم هدايا إلى الرئيس الأمريكي.

لقد جاءت الفكرة نتيجة تطور تدريجي بدأ بوصول التجار الأمريكيين إلى الموانئ العُمانية، ثم اقتراح إقامة علاقات تجارية رسمية، وتوقيع معاهدة الصداقة والتجارة عام 1833م، وتزايد النشاط التجاري بين زنجبار والولايات المتحدة.

ومع اتساع هذه العلاقات، رأى السلطان سعيد بن سلطان فرصة للانتقال من استقبال السفن الأمريكية إلى إرسال سفينة عُمانية مباشرة إلى السوق الأمريكية.

وكان وراء هذا القرار طموح اقتصادي واضح، ورغبة في تعزيز الصداقة الدبلوماسية، إلى جانب اعتبارات استراتيجية تتصل بتنويع الشركاء التجاريين ومصادر الإمداد.

أما التفسير الذي يربط الرحلة مباشرة بالحصول على أسلحة لخوض مشروع عسكري في موزمبيق، فهو أحد التفسيرات المطروحة في الكتابات التاريخية، ولا ينبغي تقديمه بوصفه السبب المؤكد الوحيد للرحلة.

وهكذا أبحرت «سلطانة» في رحلة استثنائية عبر المحيطين الهندي والأطلسي، لتصل إلى نيويورك عام 1840م، وتحمل معها رسالة مفادها أن عُمان كانت دولة بحرية وتجارية تمتلك القدرة والطموح للتواصل مع أسواق العالم البعيدة.

وبقيت هذه الرحلة شاهدًا على مرحلة من التاريخ العُماني اتخذت فيها التجارة طريقًا للدبلوماسية، وأصبحت فيها السفينة رسولًا بين دولتين تفصل بينهما آلاف الأميال.

المصادر والمراجع

1. وزارة الخارجية الأمريكية، مكتب المؤرخ: تاريخ العلاقات الدبلوماسية بين عُمان والولايات المتحدة. ويوثق توقيع معاهدة الصداقة والتجارة في 21 سبتمبر 1833م.

2. المتحف الوطني العُماني: التراث البحري ومجسم السفينة سلطانة. ويقدم معلومات عن بناء السفينة ورحلتها ووظيفتها الدبلوماسية.

3. مجلة نزوى: رحلات السفينة سلطانة. دراسة تتناول نشأة العلاقات التجارية وأسباب الرحلة وتفاصيلها.

4. جوزيف فيتشيت، Embassy Ahoy!، مجلة Saudi Aramco World، سبتمبر/أكتوبر 1975: دراسة الدوافع السياسية والاستراتيجية للبعثة.

5. جيريمي بريستهولت، The Sultana in New York: A Zanzibari Vessel Between Two Worlds، 2018: دراسة التجارة والبعثة العُمانية إلى نيويورك.

6. وكالة أثير، إعداد الدكتور محمد بن حمد العريمي: معلومات مثيرة عن سلطانة أول بعثة عربية إلى أمريكا، 11 يوليو 2019م.

7. الجزيرة الوثائقية: سلطانة.. أول سفينة عربية تصل نيويورك محملة بهدايا السلطان، 4 يناير 2022م.

الرابط المختصر لهذه المقالة: https://bayanelm.com/go/UHhdA/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *