مايو 16, 2026
شخصيات

من رئيسي إلى خامنئي: كيف تتحوّل زعامة إيران في أوقات الأزمات

bayanelm 11 1 دقيقة 0
من رئيسي إلى خامنئي: كيف تتحوّل زعامة إيران في أوقات الأزمات

من رئيسي إلى خامنئي: كيف تتحوّل زعامة إيران في أوقات الأزمات

تحليل سياسي معمّق في بنية السلطة وآليات الخلافة في الجمهورية الإسلامية

مقدمة: لحظة الاختبار الأقسى

في الثامن عشر من مايو 2024، سقطت طائرة هليكوبتر عسكرية في أعماق الجبال الوعرة الفاصلة بين إيران وأذربيجان، وعلى متنها الرئيس إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان وعدد من كبار المسؤولين. لم تكن تلك مجرد حادثة عرضية تطال شخصاً واحداً، بل كانت ضربة في قلب الهرم السياسي الإيراني، وامتحاناً حقيقياً لمدى متانة بنية النظام الإسلامي وقدرته على استيعاب الصدمات وإعادة إنتاج نفسه دون انهيار.

الجمهورية الإسلامية الإيرانية كيان سياسي بالغ التعقيد؛ هي ليست ملكية وراثية صريحة، وليست جمهورية ديمقراطية بالمعنى الكلاسيكي. إنها نظام هجين يجمع بين الشرعية الدينية المستمدة من مبدأ “ولاية الفقيه”، والمشاركة الانتخابية المقيّدة، والمؤسسات الموازية المتشابكة. وحين تُختبر هذه البنية في لحظة أزمة حادة — كوفاة رئيس مفاجئة — تتجلّى طبيعتها الحقيقية بأوضح صورة ممكنة.

هذا المقال يتتبع آلية تحوّل السلطة في إيران في أعقاب وفاة رئيسي، ويحلّل العلاقة المركزية بين الرئاسة والمرشد الأعلى علي خامنئي، ويستكشف كيف يُدار النظام الإيراني وقت الفراغ في القمة، وماذا يعني ذلك كله لمستقبل الجمهورية الإسلامية في مرحلة بالغة الحساسية.


الفصل الأول: هرم السلطة الإيراني — ثوابت ومتحوّلات

المرشد الأعلى: الثابت فوق كل شيء

لفهم كيفية إدارة أزمة غياب رئيسي، لا بدّ من استيعاب الحقيقة المحورية في النظام الإيراني: أن المرشد الأعلى ليس مجرد شخصية دينية أو رمز شرفي، بل هو القطب الذي يدور حوله كل شيء.

علي خامنئي، الذي تولّى القيادة عام 1989 خلفاً للخميني، يُمثّل استمرارية النظام بصرف النظر عمّن يجلس في منصب الرئاسة. فهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، والمهيمن الفعلي على الحرس الثوري الإسلامي (باسداران)، والمرجع الأخير في السياسة الخارجية الكبرى، والموجّه الأيديولوجي للدولة. الرئيس، في هذا السياق، هو “رجل التنفيذ”؛ مهم، لكنه قابل للاستبدال.

هذا التصميم المعماري للسلطة ليس عرضياً؛ لقد وضعه الخميني بعناية فلسفية ودستورية عميقة، إذ آمن بأن الدولة الإسلامية يجب أن تستمد شرعيتها من الفقيه العادل الجامع للشرائط، لا من صناديق الاقتراع وحدها. ومنذ رحيله، حوّل خامنئي هذا المبدأ النظري إلى واقع مؤسسي صارم.

الرئاسة: قوة بحدود

يُنتخب الرئيس الإيراني مباشرةً من الشعب لولاية أربع سنوات، لكنه يعمل داخل شبكة من القيود المؤسسية. مجلس صون الدستور — وهو هيئة غير منتخبة يُعيّن المرشد نصف أعضائها — يملك صلاحية استبعاد المرشحين قبل الانتخابات، مما يجعل “الاختيار الشعبي” يجري في نطاق المعتمَدين مسبقاً من الأعلى.

والرئيس يتولى إدارة الحكومة والسياسة الاقتصادية والدبلوماسية اليومية، لكن الملفات الكبرى — البرنامج النووي، والعلاقة مع الولايات المتحدة، وسياسة محاور المقاومة الإقليمية — تبقى في القبضة الأخيرة للمرشد.

لذلك، حين وافت المنية إبراهيم رئيسي، كان أكثر ما أشغل المراقبين الخارجيين ليس مسألة “من يحكم إيران الآن؟” — فالجواب كان واضحاً: خامنئي — بل السؤال الأعمق: كيف يُدير نظام معقود على مبدأ القائد الفرد فراغاً في الطبقة التنفيذية الثانية؟


الفصل الثاني: رئيسي — الخليفة المعدّ، المُصطفى الراحل

الرجل الذي كان مُهيَّأً للخلافة

لم يكن إبراهيم رئيسي رئيساً عادياً. كان يُنظر إليه في أوساط النظام باعتباره “الرجل المناسب” لمرحلة ما بعد خامنئي. فقد جمع في سيرته الذاتية عدة عناصر تجعله في صميم الجهاز: عالم ديني بارز، عضو سابق في “لجنة الموت” التي نفّذت إعدامات جماعية في نهايات الثمانينيات، وكان رئيساً للسلطة القضائية، ومتولياً الإشراف على عتبة الإمام الرضا في مشهد — وهي من أقدس البقاع وأثراها في إيران.

خسارته في انتخابات 2017 أمام حسن روحاني أُريد لها أن تكون محطة تحضيرية لا نهاية. فحين انتُخب رئيساً عام 2021 في اقتراع شهد عزوفاً شعبياً غير مسبوق بعد إقصاء معظم المنافسين، بدا واضحاً أن المسار كان مُعبَّداً بعناية.

الأداء في السلطة: نقاط قوة ومحدودية

حكم رئيسي في مرحلة شديدة الضغط: عقوبات أمريكية خانقة، أزمة اقتصادية متفاقمة، احتجاجات “مهسا أميني” في الخريف 2022، وتصعيد إقليمي متواصل. كان وفياً تماماً لخط المرشد، ولم يُسجَّل له أي احتكاك علني مع خامنئي — خلافاً لأسلافه مثل أحمدي نجاد وروحاني اللذان دخلا في توترات مفتوحة مع المؤسسة الدينية.

إلا أن حكمه شهد أيضاً توسعاً ملحوظاً في نفوذ الحرس الثوري على الاقتصاد، وتشديداً للرقابة الاجتماعية، وتراجعاً في الاهتمام بالمفاوضات النووية. كان رئيسي يُمثّل نموذج الرئيس الذي يقاد لا الذي يقود — وهذا بالضبط ما كان يريده خامنئي.


الفصل الثالث: اليوم التالي — آلية الأزمة

الساعات الأولى: صمود النظام

حين أُعلن عن سقوط الطائرة في فجر التاسع عشر من مايو 2024، تحرّكت الماكينة المؤسسية بشكل سريع يكشف عن درجة من الجاهزية. أُعلن الحداد الوطني رسمياً، وأصدر خامنئي بياناً هادئاً يُؤكد استمرار النظام، وتولّى محمد مخبر — النائب الأول للرئيس — مهام الرئاسة بشكل انتقالي وفق الدستور.

ما لفت الانتباه لم يكن الحزن فقط، بل الهدوء المُدار. لم تندلع صراعات علنية، ولم تظهر تصريحات متضاربة من مؤسسات متنافسة. هذا الهدوء كان في حد ذاته رسالة: النظام أكبر من أي فرد.

الدستور في الاختبار: المادة 131

المادة 131 من الدستور الإيراني رُسمت بدقة لهذه اللحظات: حين يعجز الرئيس عن أداء مهامه لأي سبب، يتولى النائب الأول ممارسة الصلاحيات الرئاسية، ويُشكّل مجلساً ثلاثياً مع رئيس البرلمان والقضاء لتنظيم انتخابات جديدة في غضون خمسين يوماً.

هذه الآلية اختُبرت للمرة الأولى فعلياً في حادثة بهذا الحجم. مخبر، المهندس ذو الخلفية التقنية والولاء غير المشكوك فيه للمرشد، أدار المرحلة الانتقالية بأقل قدر من الضجيج. لم يكن مرشحاً مثيراً للانتخابات، وهذا ما جعله خياراً مثالياً للمرحلة: يُديرها، لا يختطفها.

الانتخابات المُعجَّلة: الديمقراطية المُقيَّدة في أقصى اشتغالها

في يونيو 2024 جرت الانتخابات الرئاسية في أجواء غير اعتيادية. مجلس صون الدستور أجاز ستة مرشحين من بين عشرات المتقدمين. خاضت الإصلاحية مسعود بزشكيان المنافسة وسط مفاجأة حسابية لمن تتبّعوا نمط الإقصاءات المعتادة.

المفارقة اللافتة أن بزشكيان — المعتدل الذي نادى بإصلاح الاقتصاد والانفتاح الدبلوماسي وتخفيف القيود الاجتماعية — فاز في الجولة الثانية على المرشح المتشدد سعيد جليلي. هذه النتيجة طرحت تساؤلات عميقة: هل سمح النظام بفوز بزشكيان لأنه يحتاج إلى واجهة أقل إثارة للاحتقان الشعبي؟ أم أن حضوره كان احتكاكاً حقيقياً مع آليات التوجيه المعتادة؟

الأرجح أن الإجابة مركّبة: خامنئي، بتقدّمه في السن وزيادة الضغوط الداخلية، ربما آثر في هذه المرحلة رئيساً يُحسن إدارة الملف الاقتصادي ويقلّل الاحتقان، على أن يبقى الخط الأحمر الأيديولوجي والإقليمي في يده.


الفصل الرابع: خامنئي والأزمة — قراءة في استراتيجية البقاء

خامنئي والرؤساء: علاقة معادلة صفرية

لفهم كيف أدار خامنئي أزمة رحيل رئيسي، يفيدنا استعراض علاقته بالرؤساء السابقين. منذ توليه المرشدية الأعلى، تعامل مع ست رئاسات: هاشمي رفسنجاني (1989-1997)، وخاتمي (1997-2005)، وأحمدي نجاد (2005-2013)، وروحاني (2013-2021)، ورئيسي (2021-2024)، وبزشكيان (2024-).

في كل حقبة، كان المرشد يُعطي الرئيس هامشاً محدوداً في الملفات التنفيذية، ثم يُعيد رسم الخطوط حين تُجاوَز. أحمدي نجاد كانت له طموحات في بناء تيار موازٍ، فوجد نفسه مُهمَّشاً في نهاية ولايته. روحاني حاول الانفتاح على الغرب عبر الاتفاق النووي (برجام 2015)، فدعمه خامنئي بنبرة مشروطة قبل أن يتراجع عن الاتفاق ضمنياً لاحقاً.

رئيسي كان الأوفى لخط المرشد — وربما لذلك كانت خسارته أكثر إيلاماً على المستوى الشخصي والمؤسسي. لكن خامنئي أثبت أنه يُدير النظام لا شخصاً بعينه.

قدرة خامنئي على إدارة عدم اليقين

ما أظهرته أزمة مايو 2024 هو قدرة خامنئي المذهلة على إدارة عدم اليقين بلا ذعر علني. فهو لم يُصدر بيانات حادة أو تصريحات تضارب مع الجهاز الرسمي، بل أجرى الانتخابات في موعدها الدستوري، وقبل نتيجتها وإن كانت غير المتوقعة تماماً.

هذه “المرونة المحسوبة” تُفسَّر بثلاثة أشياء:

أولاً، الثقة بمتانة المؤسسة؛ خامنئي يعتقد أن الدولة العميقة — الحرس الثوري، وجهاز الاستخبارات، والمؤسسة الدينية في قم — تحفظ النظام بصرف النظر عمّن يتولى الرئاسة الرسمية.

ثانياً، الحاجة إلى الشرعية الشعبية؛ حتى في ظل سلطة غير منتخبة، النظام يحتاج إلى حدٍّ أدنى من الرضا الشعبي لتجنب انفجارات داخلية كتلك التي رأيناها في 2009 و2019 و2022.

ثالثاً، الحسابات الاستراتيجية؛ في عالم تتصاعد فيه الضغوط الأمريكية والإسرائيلية والسعودية، إيران تحتاج إلى واجهة حكومية قادرة على الحوار، حتى لو كانت الكلمة الفصل للمرشد.


الفصل الخامس: الحرس الثوري — السلطة التي لا تُرى

باسداران: الدولة الموازية

أي تحليل لتحولات السلطة الإيرانية يبقى منقوصاً دون فهم دور الحرس الثوري الإسلامي (الباسداران). منذ تأسيسه في 1979، تحوّل الحرس من قوة أيديولوجية مسلحة إلى امبراطورية اقتصادية وأمنية وعسكرية متكاملة تمتد في كل أوردة الدولة.

يُقدَّر أن الحرس يُسيطر على ما بين 30 و40 بالمئة من الاقتصاد الإيراني عبر شركات وسيطة وعقود حكومية ضخمة. وهو مَن يُدير برنامج الصواريخ الباليستية، ويُشرف على شبكة “محور المقاومة” الإقليمية الممتدة من لبنان إلى العراق فسوريا فاليمن.

في أزمة رحيل رئيسي، الحرس الثوري أدّى دوراً صامتاً لكن حاسماً: ضمان الاستقرار الأمني في الداخل، وتعطيل أي سيناريوهات فوضى قد تستغلها جهات خارجية، وحماية الخط التشغيلي للدولة بمعزل عن مشكلة الفراغ الرئاسي.

علاقة الحرس بالرئاسة

علاقة الحرس الثوري بالرئاسة لم تكن دائماً سلسة. في عهد روحاني، كانت هناك توترات مؤسسية مكتومة حول صلاحيات الاتفاق النووي ومدى تأثيره على بنية العقوبات التي صارت الحرس يستفيد منها اقتصادياً. مع رئيسي، كانت العلاقة أكثر انسجاماً لأن رئيسي لم يُشكّك في الدور المتضخّم للحرس.

السؤال الذي يطرحه المحللون: هل سيُبقي بزشكيان على هذا الانسجام أم أن طموحاته في الإصلاح الاقتصادي ستصطدم بمصالح الحرس؟ الإجابة تحدد إلى حدٍّ بعيد مدى فاعلية رئاسته.


الفصل السادس: السياق الإقليمي والدولي — أزمة في قلب العاصفة

إيران في 2024: ضغوط غير مسبوقة

جاءت وفاة رئيسي في توقيت بالغ الحساسية. كانت إيران في منتصف معادلة إقليمية شديدة التوتر: الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023 فتحت جبهات متعددة عبر وكلائها، وفي أبريل 2024 — قبل الحادثة بأسابيع قليلة — شهد العالم أول مواجهة عسكرية مباشرة بين إيران وإسرائيل حين أطلقت طهران مئات الصواريخ والمسيّرات رداً على استهداف قنصليتها في دمشق.

في هذا السياق، وفاة الرئيس لم تكن فقط أزمة داخلية؛ كانت امتحاناً لمدى متانة الجبهة الإيرانية في مواجهة الضغوط الخارجية. هل ستستغل إسرائيل أو الولايات المتحدة اللحظة لرسم تهديدات أعمق؟ هل ستتفكك شبكة المحور الإقليمي في غياب قيادة موحّدة؟

لم يحدث شيء من ذلك. استمرت العمليات الإقليمية بوتيرتها، مما كشف أن القرار الاستراتيجي في إيران لا يصدر من مكتب الرئيس أصلاً، بل من منظومة القرار الأمني التي يترأسها خامنئي مباشرة.

ردود الفعل الدولية: بين الحذر والترقّب

ردود الفعل الدولية على وفاة رئيسي كشفت عن انقسام صريح. الدول الحليفة أو الصديقة — روسيا والصين وسوريا وعدد من الدول الأفريقية — أبدت حداداً معلناً. الدول الغربية أصدرت تصريحات رسمية باردة تُعبّر عن “احترام الحادثة” دون مشاعر انتقالية حقيقية. إسرائيل والولايات المتحدة لم تُخفيا ارتياحهما للغياب دون أن تُعلناه بشكل صريح.

لكن المفارقة كانت أن غياب رئيسي لم يُغيّر حسابات أي طرف تجاه إيران. فالملف النووي لا يزال معلقاً، والعقوبات لا تزال مفروضة، والتوترات الإقليمية لا تزال مشتعلة. الرئيس كان وجهاً للنظام لا موقعاً حاسماً في معادلاته الكبرى.


الفصل السابع: معضلة الخلافة الكبرى — من بعد خامنئي؟

السؤال الذي يتجنّبه الجميع علناً

أزمة رحيل رئيسي فتحت من جديد باباً يبقى موصداً في الخطاب الرسمي الإيراني لكنه يُهيمن على التحليلات السياسية خلف الكواليس: من سيخلف خامنئي؟

علي خامنئي وُلد عام 1939، ويكافح منذ سنوات مع أعراض سرطان البروستاتا وفق ما تسرّب من معلومات. هو نفسه لا يُفصح عن وضعه الصحي، والمؤسسة الدينية تُديره باعتباره شأناً سرياً.

كان رئيسي يُعتبر من أبرز المرشحين المحتملين لهذا المنصب. رحيله يعني أن مجلس الخبراء — المنوط به اختيار المرشد الأعلى أو إقالته — يجد نفسه في مواجهة مهمة أصعب وأكثر إلحاحاً.

الأسماء المتداولة وحسابات التوافق

في فضاء التحليل السياسي، تدور عدة أسماء:

مجتبى خامنئي: نجل المرشد الأعلى، يُعتقد أنه يُمارس نفوذاً واسعاً خلف الكواليس. فوزه بالمنصب سيُحوّل “الجمهورية الإسلامية” نحو وراثة السلطة التي تتناقض مع فلسفتها المُعلنة، لكنه قد يكون الخيار “الأكثر أمناً” لمن يخشون الصراع الداخلي.

إبراهيم رئيسي: كان الاسم الأوفر حظاً قبل رحيله — وهذا ما يجعل غيابه أزمة في أزمة.

أحمد خاتمي ومحمود هاشمي شاهرودي: رجال دين في دوائر القوة لكنهم أقل حضوراً شعبياً.

موضوع التوافق: في الجمهورية الإسلامية، اختيار المرشد ليس عملية ديمقراطية. مجلس الخبراء يختار، لكن الاختيار يجري في نهاية المطاف عبر توافق غير معلن بين تيارات المؤسسة الدينية والعسكرية والاستخباراتية. غياب مرشح جامع كرئيسي يُصعّب هذه المعادلة.


الفصل الثامن: دروس الأزمة وما كشفت عنه

درس أول: النظام أكبر من الأفراد

أهم ما كشفته أزمة رحيل رئيسي أن النظام الإيراني نجح في اختبار الاستمرارية المؤسسية. هذا ليس مدحاً سياسياً ولا ذماً، بل مشاهدة تحليلية: الجمهورية الإسلامية بنت خلال 45 عاماً بنية مؤسسية تُمكّنها من هضم غياب أي فرد، حتى الرئيس.

درس ثاني: الانتخابات أداة إدارة لا تغيير حقيقي

فوز بزشكيان يُبدو، للوهلة الأولى، علامة على مرونة النظام. لكن مراقبة سلوكه السياسي الأولى تكشف أنه يعمل داخل نفس الحدود التي رُسمت لأسلافه. الخطاب الإصلاحي يُخفّف الاحتقان الداخلي دون أن يُهدّد الثوابت الجوهرية.

درس ثالث: الحرس الثوري هو “الدولة الدائمة”

إذا كان الرئيس دوراً قابلاً للتدوير والتبديل، فإن الحرس الثوري هو العمود الفقري غير المنظور. في أي أزمة انتقالية، الحرس يُؤمّن الاستمرار الأمني والاستراتيجي للدولة بصرف النظر عمّن يتولى المنصب الرسمي.

درس رابع: ملف الخلافة هو الأخطر

أزمة رئيسي كانت قابلة للإدارة لأن خامنئي لا يزال حياً وقادراً. لكن السيناريو الفعلي الأصعب هو ما يحدث حين يُواجه النظام رحيل المرشد ذاته. هذا الملف لا يوجد له دستور واضح، بل وضع خامنئي نفسه في موضع لا يسمح بالنقاش فيه علناً.


خاتمة: الجمهورية الإسلامية في مفترق الطرق

خمسة وأربعون عاماً بعد الثورة، تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية على مفترق طرق بالغ الحساسية. جيل المؤسسين يتلاشى. الضغوط الاقتصادية الداخلية تتصاعد. المجتمع الإيراني يُبدي علامات نفاد صبر واضحة. الجيل الشاب لا يرى نفسه في روايات الثورة التأسيسية.

رحيل رئيسي كان اختباراً للنظام نجح فيه على المستوى التقني — أي إدارة الأزمة دون انهيار. لكن الاختبار الأكبر آتٍ: كيف ستُدير إيران الانتقال من جيل خامنئي إلى ما بعده؟ هذا السؤال لا يملك أحد إجابته الآن، بما فيهم الإيرانيون أنفسهم.

ما هو مؤكد أن هذا الانتقال — حين يحدث — لن يكون مجرد تغيير في الشخوص، بل ستكون لحظة تحديد هوية: هل الجمهورية الإسلامية نظام قادر على التجديد الذاتي؟ أم أنها، ككثير من الأنظمة الأيديولوجية التاريخية، تحمل في بنيتها بذور تصلّبها الأخير؟

من رئيسي إلى خامنئي، ومن خامنئي إلى المجهول القادم — هذا هو المحور الأعمق لأزمة القيادة الإيرانية في مطلع القرن الحادي والعشرين.

رابط المقالة القصير
مشاركة:
11 مشاهدة

اترك تعليقاً