العلاقات العمانية الصينية: شراكة استراتيجية عبر القرون — من طريق الحرير إلى الحزام والطريق

العلاقات العمانية الصينية: شراكة استراتيجية عبر القرون — من طريق الحرير إلى الحزام والطريق
تُعدّ العلاقات العُمانية الصينية من أعمق الشراكات الثنائية في منطقة الشرق الأوسط، إذ تمتد جذورها عبر آلاف السنين، وتتشابك خيوطها بين التجارة والحضارة والدبلوماسية. فمنذ أن شقّت السفن العُمانية عباب البحار متوجّهةً نحو الموانئ الصينية، ومنذ أن حطّت القوافل التجارية رحالها في موانئ خليج عُمان حاملةً بضائع الحرير والخزف والبهارات، كانت البذور الأولى لعلاقة متميزة تُرسي قيمها على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
لا تقتصر هذه العلاقة على البُعد الاقتصادي وحده، بل تتسع لتشمل آفاقاً سياسية وثقافية وإنسانية واسعة. فعُمان، تلك الدولة العربية التي تطلّ على بحر العرب وخليج عُمان، اختارت دائماً مسار الانفتاح والحوار، وأدركت في وقت مبكّر أهمية الشراك مع الصين الصاعدة؛ الدولة التي باتت اليوم القوة الاقتصادية الثانية في العالم. وقد مثّلت عُمان نموذجاً إقليمياً فريداً في الموازنة بين علاقاتها الدولية، إذ حافظت على صداقات متوازنة مع القوى الكبرى شرقاً وغرباً، دون أن تنحاز إلى طرف على حساب آخر.
تسعى هذه المقالة إلى استعراض شامل لمسيرة العلاقات العُمانية الصينية، بدءاً من جذورها التاريخية العميقة، مروراً بمحطاتها الدبلوماسية البارزة، وصولاً إلى واقعها الراهن وآفاقها المستقبلية في ظل المبادرات الدولية الكبرى كمبادرة الحزام والطريق، مع إلقاء الضوء على أبرز التحديات والفرص التي تواجه هذه الشراكة الاستراتيجية.
أولاً: الجذور التاريخية للعلاقات العُمانية الصينية
1.1 طريق الحرير البحري وعُمان
يعود تاريخ التواصل بين عُمان والصين إلى ما قبل الميلاد، حين كانت السفن العُمانية تجوب المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي في رحلات تجارية مضنية. وقد أسهمت عُمان إسهاماً محورياً في ربط الشرق بالغرب عبر طريق الحرير البحري، ذلك الشريان الحيوي الذي نقل الحضارات والبضائع والأفكار عبر المحيطات. وكان الملاحون العُمانيون يُعرفون بمهاراتهم الفائقة في ركوب البحر والتوجيه بالنجوم، مما جعل سفنهم من أكثر السفن ثقةً في تلك الحقبة.
تُشير المصادر التاريخية إلى أن الصلات التجارية المبكرة بين عُمان والصين قد نشأت على الأقل منذ القرن الثالث الميلادي، إذ كانت بضائع من الصين كالحرير والخزف والتوابل تصل إلى موانئ صُحار وقلهات عبر طرق بحرية طويلة. وفي المقابل، كانت عُمان تُصدّر الخيول والبخور والتمر والأسماك المجففة، فضلاً عن دورها كمحطة عبور للبضائع القادمة من أفريقيا والجزيرة العربية.
1.2 حضور أسطول الخزانة في الخليج العربي
من أبرز محطات التواصل التاريخي بين البلدين تلك الرحلات الأسطورية التي قادها الأميرال الصيني الشهير جنغ خه (Zheng He) في مطلع القرن الخامس عشر الميلادي. فقد أبحر هذا القائد العسكري والمستكشف الكبير على رأس أسطول ضخم عُرف بـ’أسطول الخزانة’، في سبع رحلات بحرية كبرى تجاوزت المحيط الهندي وبلغت سواحل أفريقيا الشرقية. وقد توقفت هذه الأساطيل في موانئ عُمانية، لا سيما ميناء صُحار وظفار، مما يؤكد أن عُمان كانت ضمن دائرة الاهتمام الصيني في تلك الحقبة.
وتُشير الوثائق الصينية من عهد أسرة مينغ إلى أن وفوداً عُمانية قدمت إلى الصين حاملةً هدايا وعروضاً للتعاون التجاري، وأن العلاقات بين البلدين اتسمت بالاحترام والتبادل المتوازن. وقد رسّخت هذه اللقاءات التاريخية ذاكرة مشتركة لدى الشعبين، تُذكّر بأن العلاقة بينهما أقدم من كثير من الحدود السياسية الحديثة.
1.3 ميناء صُحار: بوابة الشرق
احتلّ ميناء صُحار العُماني مكانةً محورية في خارطة التجارة العالمية القديمة. وكان هذا الميناء الذي يقع على ساحل الباطنة يُعدّ من أكبر وأنشط الموانئ في العالم الإسلامي خلال القرنين الثامن والتاسع الميلاديين. وقد وصفه المؤرخ العربي المقدسي بأنه ‘بهو الصين وخزانة الشرق’، مما يعكس حجم التبادل التجاري الذي كان يجري عبره مع المناطق الشرقية ومنها الصين.
أسهم هذا التاريخ التجاري العريق في تشكيل الهوية البحرية لعُمان، وترسّخ في الوعي الجمعي العُماني مفهوم الانفتاح على العالم والتعامل مع الآخر بروح الشراكة لا التنافس. وهذا الإرث الثقافي العميق هو الذي يُفسّر جزئياً سهولة الانتقال بين عُمان والصين في القرن العشرين نحو شراكة دبلوماسية ناجحة.
ثانياً: التطور الدبلوماسي في العصر الحديث
2.1 إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1978
أقامت سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية علاقاتهما الدبلوماسية الرسمية في مايو عام 1978، في خطوة كانت لافتة في سياقها الإقليمي والدولي. فقد كانت الصين في تلك الحقبة تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع دول العالم الثالث وخاصة دول منطقة الخليج العربي، في حين كانت عُمان تنتهج سياسة خارجية مستقلة وبراغماتية ترفض التقوقع في أطر التكتلات الأيديولوجية.
وقد جاء قرار إقامة العلاقات الدبلوماسية ثمرةً لتفاهمات بدأت قبل ذلك بسنوات، إذ أدرك الطرفان أن التقاءهما يصبّ في خدمة مصالح كل منهما. فعُمان كانت بحاجة إلى شركاء اقتصاديين متنوعين في مرحلة التنمية التي أطلقها السلطان قابوس بن سعيد منذ توليه مقاليد الحكم عام 1970، والصين من جانبها كانت تسعى إلى بناء علاقات مع الدول المنتجة للنفط وتعزيز حضورها في منطقة الشرق الأوسط.
2.2 مسيرة الزيارات الرسمية والتقارب الرفيع
شهدت العلاقات العُمانية الصينية منذ إقامتها الرسمية زخماً متصاعداً من الزيارات الرفيعة المستوى والتفاهمات الثنائية. فقد تبادل البلدان زيارات عدد من قادتهما ومسؤوليهما، وكانت كل زيارة تُضاف إليها ركائز جديدة للتعاون وتُعمّق الثقة المتبادلة. ومن أبرز هذه الزيارات تلك التي قام بها مسؤولون صينيون رفيعون إلى مسقط، والزيارات العُمانية المقابلة إلى بكين، والتي أسفرت في كل مرة عن توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات متعددة.
وقد ارتقت العلاقة بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وهو تصنيف يعكس العمق الذي بلغته الروابط الثنائية على مختلف الأصعدة. وفي عام 2018، خلال زيارة السلطان قابوس إلى بكين، أُعلن تعزيز الشراكة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، مما يُؤشر على ثقل العلاقة واتساع مجالاتها.
2.3 موقف عُمان من مبدأ الصين الواحدة
انتهجت عُمان موقفاً ثابتاً وواضحاً في دعمها لمبدأ ‘الصين الواحدة’، ورفضها لأي محاولات لترسيم كيان مستقل عن جمهورية الصين الشعبية. وقد عكس هذا الموقف التوافق العُماني مع الموقف العربي والإسلامي العام، فضلاً عن انسجامه مع توجه عُمان نحو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وقد كان هذا الموقف موضع تقدير رفيع من الجانب الصيني، الذي اعتبره مؤشراً على صدق الشراكة وعمق التفاهم.
ثالثاً: أبعاد التعاون الاقتصادي
3.1 التجارة الثنائية وحجمها
تُعدّ الصين اليوم من أكبر الشركاء التجاريين لسلطنة عُمان، إذ يُمثّل حجم التبادل التجاري بين البلدين أحد أبرز مؤشرات متانة العلاقة الثنائية. وتتصدر صادرات النفط الخام العُماني قائمة البضائع التي تتوجه نحو الصين، حيث تستورد الصين كميات ضخمة من النفط العُماني الخفيف والمتوسط لتغذية احتياجاتها الطاقوية المتنامية. وفي المقابل، تستورد عُمان من الصين طيفاً واسعاً من السلع المصنّعة والإلكترونيات والآلات ومواد البناء والسلع الاستهلاكية.
وتكشف الأرقام عن نمو متسارع في حجم التبادل التجاري خلال العقود الأخيرة، فمن مئات الملايين من الدولارات في تسعينيات القرن الماضي، ارتفع الحجم إلى عدة مليارات في الألفية الثالثة، ثم قفز إلى عشرات المليارات في السنوات الأخيرة. وتسعى الدولتان إلى تنويع قاعدة التجارة الثنائية بعيداً عن الاعتماد الأحادي على النفط، من خلال تشجيع تبادل السلع الزراعية والصناعات التحويلية والخدمات.
3.2 الاستثمارات الصينية في عُمان
تعاظم الحضور الاستثماري الصيني في سلطنة عُمان بشكل لافت خلال العقد الثاني من الألفية الثالثة، لا سيما بعد إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013. وقد تركّزت هذه الاستثمارات في قطاعات محورية كالطاقة والبنية التحتية والموانئ والصناعة والتعدين. ومن أبرز المشاريع المشتركة مجمع الدقم الصناعي الذي يُعدّ اليوم رمزاً للشراكة الاقتصادية الاستراتيجية بين البلدين.
يقع مجمع الدقم على ساحل بحر العرب في منطقة الوسطى العُمانية، وقد اختير موقعه بعناية لما يوفره من مزايا لوجستية استثنائية، إذ يقع خارج نطاق مضيق هرمز، مما يجعله موقعاً استراتيجياً بامتياز للتجارة الدولية. وقد استثمرت شركات صينية حكومية وخاصة مبالغ ضخمة في تطوير منطقة الدقم الاقتصادية الخاصة، شملت بناء مصفاة نفطية ومجمعات صناعية ومرافق لوجستية وبنية تحتية متكاملة.
3.3 مشاريع البنية التحتية والميناء
انخرطت الشركات الصينية في تطوير منظومة البنية التحتية العُمانية على نطاق واسع. ففي قطاع الموانئ، كان للصين دور في تطوير ميناء صلالة وميناء صُحار وميناء الدقم، وهي موانئ تمثل ركائز لوجستية أساسية في استراتيجية عُمان لتصبح مركزاً لوجستياً إقليمياً. كما شاركت الشركات الصينية في مشاريع البنية التحتية المتعلقة بالطرق والمناطق الاقتصادية والمرافق الصناعية.
وتُعدّ الشراكة في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم نموذجاً ناجحاً للتعاون الصيني العُماني، إذ تضمّ هذه المنطقة شركات ومستثمرين صينيين يعملون جنباً إلى جنب مع نظرائهم العُمانيين والدوليين. وقد وقّعت شركة ‘واو’ الصينية للاستثمار ومجموعة من الشركات الصينية الأخرى اتفاقيات لتطوير مشاريع صناعية كبرى في الدقم بلغت قيمتها الإجمالية مليارات الدولارات.
3.4 قطاع الطاقة والنفط
يُشكّل النفط الركيزة الأساسية للعلاقة الاقتصادية بين عُمان والصين. فعُمان كانت ولا تزال من أبرز موردي النفط الخام للصين، ويُقدّر أن نسبة معتبرة من واردات الصين النفطية تأتي من عُمان. وقد أسفرت هذه الاعتمادية المتبادلة في قطاع الطاقة عن مصلحة مشتركة في استقرار أسواق النفط العالمية وضمان استمرارية إمدادات الطاقة.
وعلى صعيد الطاقة المتجددة، بدأت الشركات الصينية تنظر باهتمام متزايد إلى السوق العُمانية للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، في ظل توجه سلطنة عُمان نحو تنويع مصادر طاقتها وتقليل اعتمادها على الهيدروكربونات بحلول عام 2040. وهذا يفتح آفاقاً جديدة للتعاون في مجال الطاقة النظيفة والتحول الأخضر.
رابعاً: مبادرة الحزام والطريق وعُمان
4.1 انضمام عُمان إلى مبادرة الحزام والطريق
في إطار رؤيتها التنموية الطموحة، انضمت سلطنة عُمان رسمياً إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية، إذ رأت في هذه المبادرة الدولية الكبرى فرصةً استراتيجية تُسهم في دفع عجلة التنمية وتنويع الاقتصاد. وتُدرك عُمان أهمية موقعها الجغرافي الاستثنائي على تقاطع طرق الملاحة الدولية الرابطة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، مما يجعلها عقدة محورية في شبكة الحزام والطريق.
تتقاطع أهداف مبادرة الحزام والطريق مع توجهات رؤية عُمان 2040، التي تسعى إلى تحويل سلطنة عُمان إلى مركز لوجستي وتجاري وصناعي إقليمي. ومن ثمّ فإن إطار الحزام والطريق يوفر لعُمان الشراكات الاستثمارية والتمويل والخبرات الصناعية التي تحتاجها في مرحلة التنويع الاقتصادي.
4.2 الدقم: لؤلؤة الحزام والطريق في عُمان
برزت منطقة الدقم الاقتصادية الخاصة بوصفها أبرز نقاط الالتقاء بين مبادرة الحزام والطريق والاستراتيجية التنموية العُمانية. فهذه المنطقة التي تمتد على مساحة شاسعة تُمثّل نموذجاً متكاملاً للشراكة الصينية العُمانية، بما تحتضنه من مشاريع متنوعة تشمل التكرير النفطي والبتروكيماويات والصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية.
وقد وصفت وسائل الإعلام الصينية منطقة الدقم بأنها ‘الموضع المثالي’ في طريق الحرير الجديد، نظراً لموقعها الذي يجعلها قريبة من ناقلات النفط القادمة من دول الخليج والمتجهة نحو آسيا، ومن حركة التجارة البحرية الدولية في المحيط الهندي. وقد اقتطعت الصين داخل الدقم منطقة صينية متكاملة باستثمارات تجاوزت عشرة مليارات دولار، تشمل مصنعاً للصلب ومنشآت للبتروكيماويات ومخازن ومرافق لوجستية.
4.3 ربط عُمان بالشبكة البحرية الصينية
تسعى الصين من خلال شراكتها مع عُمان إلى توطيد مكانتها في المياه الاستراتيجية لبحر العرب والخليج العربي، وهي مياه تمر عبرها شريان حيوي من صادرات النفط الخليجي المتجهة نحو آسيا. وتُعدّ عُمان من هذه الزاوية ركيزةً بحرية أساسية في المسار البحري لمبادرة الحزام والطريق الذي يربط الصين بأفريقيا وأوروبا عبر المحيط الهندي.
وتشير المصادر إلى أن تطوير الموانئ العُمانية يسير وفق رؤية تنسجم مع مفهوم ‘سلسلة اللآلئ’ الذي يصف الاستثمارات الصينية في الموانئ المحيطية الممتدة من الصين حتى السواحل الأفريقية. وتحرص عُمان على أن تظل هذه الشراكات في إطارها التجاري والاقتصادي البحت، بعيداً عن أي تأويلات عسكرية أو أمنية.
خامساً: التعاون في المجالات غير الاقتصادية
5.1 التعاون العسكري والأمني
رغم أن عُمان تُعدّ حليفاً تقليدياً للغرب في مجال الدفاع والأمن، إلا أن ذلك لم يمنع من وجود تعاون بناء مع الصين في هذا الملف، وإن ظلّ محدوداً مقارنة بالتعاون في المجالات الاقتصادية. فقد التزمت عُمان في مسألة التعاون العسكري بسياسة الحذر والتوازن، مُحاذِرةً الانزلاق إلى تحالفات استراتيجية قد تُعقّد علاقاتها مع شركائها الغربيين.
وتجدر الإشارة إلى أن عُمان تُفضّل دائماً أن تُطوّر علاقاتها الأمنية في إطار ثنائي هادئ، بعيداً عن الضجيج الإعلامي والتعقيدات السياسية. وقد تجلّى هذا المنهج في تعاملها مع الصين على الصعيد الأمني، إذ يقتصر التعاون على تبادل الخبرات في مجال مكافحة الإرهاب وتدريب الكوادر العسكرية ضمن أُطر تعاون منضبطة ومحدودة.
5.2 التعاون الثقافي والتعليمي
شهدت العلاقات الثقافية والتعليمية بين عُمان والصين نمواً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة. فعلى صعيد التعليم، تزايد عدد الطلاب العُمانيين الملتحقين بالجامعات الصينية، مستفيدين من المنح الدراسية التي تمنحها الصين للطلاب الأجانب. وفي المقابل، يتزايد اهتمام الطلاب الصينيين بسلطنة عُمان كوجهة للدراسة والعمل.
وقد أسفر الاتفاق الثقافي الموقّع بين البلدين عن تبادل وفود فنية وثقافية ومعارض متنوعة، تستعرض الموروث الحضاري لكلا الشعبين. كما أُنشئ معهد كونفوشيوس في سلطنة عُمان، ليُسهم في نشر اللغة الصينية والثقافة الصينية بين العُمانيين، في خطوة تعكس التوجه المتبادل نحو بناء جسور الفهم والتواصل الإنساني.
5.3 التعاون الصحي ودور جائحة كوفيد-19
كشفت جائحة كوفيد-19 عن بُعد إنساني جديد في العلاقات العُمانية الصينية. فمنذ اندلاع الجائحة، قدّمت الصين دعماً طبياً لعُمان شمل شحنات من المعدات الوقائية والكمامات والأجهزة الطبية. وعلى صعيد اللقاحات، أتاحت الصين لعُمان الحصول على لقاح سينوفارم الصيني ضمن حزمة دول الشراكة الاستراتيجية، مما أسهم في تسريع حملة التطعيم العُمانية.
وقد وصفت السلطات العُمانية هذا التعاون الصحي بأنه مثال عملي على صدق الصداقة بين البلدين، وتجلٍّ حقيقي لمبدأ الشراكة في الأوقات الصعبة. وفي المقابل، أبدت عُمان تعاطفاً صريحاً مع الصين في مرحلة اندلاع الوباء الأولى، رافضةً أي خطاب تحريضي أو توصيف مُسيء للصين في تلك المرحلة.
5.4 السياحة والتبادل الإنساني
على الرغم من أن قطاع السياحة بين البلدين لا يزال في طور النشأة مقارنةً بما يربط عُمان بالوجهات الأوروبية والخليجية، إلا أن ثمة اهتماماً صينياً متزايداً باستكشاف المعالم الطبيعية والتاريخية لعُمان. وتمتلك عُمان مقوّمات سياحية استثنائية تشمل الصحاري الذهبية والجبال الخضراء والسواحل الرملية والقلاع التاريخية، وهي مناطق جذب تستهوي المسافر الصيني الباحث عن تجارب جديدة.
وتعمل الحكومة العُمانية على تبسيط إجراءات منح التأشيرات للسياح الصينيين، وتطوير المنتجات السياحية التي تستجيب لأذواق هذه الشريحة الواسعة من المسافرين. كما يسعى الجانب الصيني إلى تطوير خطوط جوية مباشرة تربط المدن الصينية الكبرى بمسقط وصلالة، مما سيُسهم في تنشيط حركة التبادل السياحي.
سادساً: المواقف السياسية والتقاطعات الدولية
6.1 عُمان كوسيط دبلوماسي وصلة التواصل
اكتسبت عُمان على مدى عقود سمعة دولية راسخة بوصفها وسيطاً دبلوماسياً موثوقاً وقناةً للحوار بين أطراف متخاصمة. وقد أسهم هذا الدور المميز في تعزيز العلاقة مع الصين التي تنتهج بدورها سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وتُقدّر الحلول الدبلوماسية الهادئة. فالقناة العُمانية هي التي وفّرت بعض جولات التفاوض بين الأطراف الإيرانية والأمريكية، كما أسهمت في إدارة ملفات إقليمية شائكة.
وتتقاطع رؤية عُمان لنظام دولي قائم على التعاون والحوار مع مبادئ السياسة الخارجية الصينية المعلنة. فكلا البلدين يؤمن بمبدأ الحوار بين الحضارات، ويرفض الهيمنة أحادية القطب، ويدعم نظاماً دولياً أكثر تعددية وعدالة. وهذه التقاطعات الفكرية تُوفر أرضية متينة لتعاون منظم في المحافل الدولية.
6.2 تنسيق المواقف في المنظمات الدولية
تتسم العلاقة العُمانية الصينية بتنسيق دائم في المنظمات والمحافل الدولية، كمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية. فعُمان تدعم الصين في قضايا جوهرية كمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وترفض القرارات الغربية التي تنتقد السياسة الصينية في شينجيانغ أو هونغ كونغ. وفي المقابل، تُساند الصين المواقف العُمانية المعتدلة في القضايا العربية والإقليمية.
هذا التضامن في الهيئات الدولية يعكس عمق التفاهم السياسي بين البلدين ويُعزّز الثقة المتبادلة. كما أن انضمام عُمان إلى المواقف الصينية في كثير من القضايا الحقوقية يُفسّر من منظور التمسك بمبدأ السيادة الوطنية وعدم التدخل، وهو مبدأ تعتبره عُمان ركيزة لا تنازل عنها في فلسفتها السياسية.
6.3 موازنة العلاقات مع القوى الكبرى
تبرع عُمان في الموازنة الدقيقة بين علاقاتها مع القوى الكبرى، وهي مهارة دبلوماسية تُعدّ إرثاً راسخاً في تاريخ السياسة الخارجية العُمانية. فبينما تحتفظ بعلاقات عسكرية واستراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تُطوّر في الوقت ذاته شراكة اقتصادية استراتيجية مع الصين، دون أن يُفضي ذلك إلى تناقض أو احتقان في أيٍّ من هذه العلاقات.
وتُتيح لها هذه المهارة التفاوضية أن تكون جسراً حقيقياً بين الشرق والغرب، وأن تُحقق مصالحها الوطنية بحنكة عالية. فعُمان لا تنخرط في الاستقطاب الأمريكي الصيني المتصاعد، بل تؤمن بأن تعزيز الشراكة مع الصين لا يعني بالضرورة الانحياز ضد أمريكا أو العكس. وهذا التوازن هو ما يُحافظ على قيمة عُمان الاستراتيجية في المحيط الإقليمي والدولي.
سابعاً: رؤية عُمان 2040 والشراكة الصينية
7.1 التكامل بين الرؤيتين التنموية
تسعى رؤية عُمان 2040 إلى تحويل الاقتصاد الوطني من الاعتماد على النفط إلى اقتصاد متنوع يرتكز على قطاعات كالسياحة والخدمات اللوجستية والصناعة والزراعة والسمك والتعليم والصحة. وهذا التوجه يتلاقى بشكل طبيعي مع ما تُتيحه الشراكة مع الصين من فرص استثمارية وتقنية وتجارية ضخمة، إذ تمتلك الصين خبرات واسعة في بناء المناطق الاقتصادية وتطوير البنية التحتية وتعظيم قيمة الإنتاج الصناعي.
وتُرسي الشراكة مع الصين دعائم قطاع صناعي واعد في عُمان، يستوعب نقل التقنية والاستثمار في الطاقة البشرية المحلية. فالتجربة الصينية في تطوير المناطق الاقتصادية الخاصة وبناء المجمعات الصناعية هي رصيد ثمين يمكن لعُمان أن تستفيد منه في مسيرتها التنموية. وقد حرصت الحكومة العُمانية على اشتراط مكوّن العُمنة في عقود الاستثمار الصيني، لضمان أن تُسهم هذه الشراكة في توظيف العُمانيين وتطوير كفاءاتهم.
7.2 التعاون التقني والرقمي
يشهد التعاون العُماني الصيني في المجال التقني والرقمي زخماً متصاعداً، إذ تُولي سلطنة عُمان أولوية قصوى للتحول الرقمي في إطار رؤيتها 2040. وتمتلك الشركات الصينية كهواوي وزد تي إي وعلي بابا وجيك بايتدانس تقنيات متقدمة في مجالات البنية التحتية الرقمية والاتصالات والذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية، وهي مجالات تحتاج إليها عُمان في مسيرة التحديث.
وقد أبرمت مسقط اتفاقيات مع شركات تقنية صينية لتطوير شبكات الجيل الخامس وتطبيقات المدن الذكية وأنظمة الحكومة الإلكترونية. غير أن هذا التعاون لا يخلو من حساسيات تتعلق بالأمن السيبراني وحماية البيانات، وهو ما تحاول عُمان معالجته من خلال وضع أطر تنظيمية واضحة تحكم هذه الشراكات التقنية.
ثامناً: التحديات والعقبات
8.1 تداعيات التنافس الأمريكي الصيني
يُمثّل التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين تحدياً حقيقياً أمام عُمان في الحفاظ على سياسة الحياد الإيجابي وإدارة علاقاتها مع الطرفين في آنٍ واحد. فالضغوط الأمريكية على حلفائها للتخلص من التقنيات الصينية كشبكات هواوي، وتقليص الاعتماد على الاستثمارات الصينية في القطاعات الحساسة، تضع عُمان في موضع اختيار صعب. ويُضاف إلى ذلك الضغوط الغربية المتعلقة بمسألة حقوق الإنسان التي تنتقد فيها الصين، والتي تجد فيها عُمان نفسها مضطرة للتعبير عن موقفها بحكمة وحذر.
وتحاول عُمان التعامل مع هذه المعضلة من خلال إبراز هويتها المستقلة وعمق خبرتها في الدبلوماسية الهادئة، مُصرّحةً بأن علاقتها مع أي طرف لا تستهدف بالضرورة طرفاً آخر. وهذا النهج، وإن كان مُجهِداً أحياناً، إلا أنه يُعزّز القيمة الاستراتيجية لعُمان في نظر جميع الأطراف.
8.2 الفجوة الثقافية وعوائق التكامل
رغم عمق العلاقة التاريخية بين البلدين، تبقى الفجوة الثقافية واللغوية عائقاً أمام التكامل الكامل. فالشركاء التجاريون والمستثمرون الصينيون يعملون في بيئة ثقافية مغايرة، وقد يُفضي سوء التفاهم الثقافي أحياناً إلى توترات في مشاريع التعاون المشترك. وقد رصدت تقارير محلية عُمانية شكاوى من إحجام بعض الشركات الصينية عن الالتزام بمعايير العُمنة والاعتماد على الكوادر المحلية.
ويبقى توافر الكوادر العُمانية القادرة على التواصل باللغة الصينية والتعامل مع الأعمال الصينية محدوداً، وهو ما تسعى الحكومة إلى معالجته عبر إدراج اللغة الصينية في بعض المناهج الدراسية ودعم البعثات إلى الصين. كما يبقى الإلمام الصيني بالثقافة الإسلامية والبيئة المحلية العُمانية أمراً يحتاج إلى مزيد من العمل.
8.3 تحديات تنويع مصادر التمويل
تلجأ عُمان في بعض مشاريع التعاون مع الصين إلى تمويل صيني عبر القروض والاستثمارات المشروطة، وهو ما يثير تساؤلات حول نموذج التمويل الصيني وشروطه. وتعي الحكومة العُمانية تماماً ما يُوصف بـ’فخ الديون’ الذي وقعت فيه بعض الدول النامية جراء قروض صينية مثقلة بالشروط، وتحرص على التفاوض بموقف متوازن يصون الاستقلالية العُمانية ويضمن الشروط المالية الملائمة.
تاسعاً: آفاق المستقبل وفرص التطوير
9.1 التعاون في الاقتصاد الأخضر
يحمل التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة فرصاً واعدة للشراكة العُمانية الصينية. فعُمان تمتلك إمكانيات هائلة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، في حين تقود الصين العالم في تقنيات الطاقة المتجددة وتصنيع الألواح الشمسية وبطاريات التخزين وتوربينات الرياح. ويُتيح هذا التكامل فرصة لتطوير مشاريع مشتركة في هذا القطاع الواعد.
وتسعى عُمان إلى أن تُصبح مركزاً لإنتاج الهيدروجين الأخضر وتصديره، وهو وقود المستقبل الذي تنظر إليه الصين باهتمام بالغ لتنويع مصادر طاقتها. وهذا يفتح باباً استثمارياً جديداً يمكن أن يُشكّل نقلة نوعية في الشراكة الثنائية، تتجاوز حدود النفط التقليدي نحو اقتصاد طاقة أكثر استدامة وتنوعاً.
9.2 الشراكة في الذكاء الاصطناعي والتقنية
يُمثّل مجال الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي أحد أبرز المجالات التي ستشهد توسعاً في التعاون العُماني الصيني خلال السنوات المقبلة. فعُمان تُدرك أهمية بناء بنية رقمية متقدمة كشرط أساسي لتحقيق تطلعات رؤية 2040، والصين تمتلك من الخبرة والتقنية والاستثمار ما يجعلها شريكاً رئيسياً في هذا الملف.
وتتضمن الأجندة المستقبلية للتعاون الثنائي مشاريع في مجالات التجارة الإلكترونية والمدن الذكية والزراعة الذكية وتحليل البيانات الضخمة والتحول في قطاع المال والمصرفية. وتُمثّل هذه المجالات فرصاً حقيقية لتطوير الكفاءات البشرية العُمانية وبناء اقتصاد معرفي ينتج القيمة ولا يكتفي باستهلاكها.
9.3 تعزيز ممرات التجارة الإقليمية
تنظر عُمان إلى نفسها بوصفها بوابة طبيعية بين الشرق والغرب وشمال وجنوب الكرة الأرضية. وتطمح إلى تطوير منظومة لوجستية متكاملة تستفيد من موقعها الجغرافي الاستراتيجي على بحر العرب، وتربطها بالشبكة التجارية العالمية التي تُشكّل الصين أحد أبرز محاورها. ويندرج في هذا الإطار تطوير الموانئ وشبكات الطرق والمناطق الاقتصادية الحرة وخدمات الشحن والتأمين.
وسيُسهم نجاح هذا التوجه في تعزيز مكانة عُمان ليس فقط كشريك تجاري للصين، بل كمركز لوجستي إقليمي يستقطب الشركات والاستثمارات والخبرات من مختلف أنحاء العالم. وتتضافر في خدمة هذه الرؤية متانة العلاقات الدبلوماسية مع الصين والحضور الاقتصادي الصيني المتنامي في المنطقة.
خاتمة
تقف العلاقات العُمانية الصينية اليوم عند مفترق طرق من أكثر المفترقات إثارةً وإيجابيةً في تاريخها. فهي علاقة تستند إلى إرث تاريخي عريق يعود إلى آلاف السنين، وتُغذّيها مصالح اقتصادية مشتركة راسخة، وتُسندها رؤى سياسية متقاربة في كثير من المسائل الدولية. ومن ميناء صُحار الذي شهد أولى لقاءات الحضارتين، إلى مجمع الدقم الذي يتجسّد فيه التعاون الإنتاجي الحديث، حافظت هذه العلاقة على نفسها وتطورت عبر المتغيرات والأحداث.
لقد أتقنت عُمان فن إدارة علاقاتها الدولية بحكمة وبُعد نظر، فلم تنحُ منحى الانتهازية في علاقتها مع الصين، ولم تُقدّمها على حساب شراكاتها مع القوى الغربية. بل دأبت على نسج علاقات متوازنة تُعظّم مصالحها الوطنية وتُعزّز دورها كوسيط دبلوماسي موثوق. وقد أثمر هذا النهج في علاقاتها مع الصين شراكةً متينة تتسم بالعمق والاستمرارية والنفع المتبادل.
ومع اتساع آفاق التعاون نحو مجالات الطاقة الخضراء والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، تبدو إمكانات هذه العلاقة أكثر حيوية وأكثر مساساً بمصير الشعبين من أي وقت مضى. فالتحديات التي تواجه الشراكة — من تنافسات جيوسياسية وفجوات ثقافية ومتطلبات استدامة — لا تنفي أصالة الروابط المشتركة ومتانة الأسس التي تقوم عليها، بل تستدعي الحكمة والصبر والإبداع في إدارة الشراكة وتطويرها.
وفي المحصلة، تُمثّل العلاقات العُمانية الصينية نموذجاً جديراً بالدراسة في السياسة الدولية المعاصرة؛ نموذجاً يُثبت أن التعاون بين شعوب مختلفة الثقافة والجغرافيا والتاريخ ممكن ومثمر ومستدام، متى اعتمد على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والنفَس الطويل في بناء الثقة. وكما حمل أسلاف العُمانيين والصينيين عبر البحار طيبات أرضيهم وحضارتيهم، يبقى الجسر العميق بين البلدين قائماً وواعداً، يحمل في طياته مستقبلاً أكثر إشراقاً وشراكةً أكثر نضجاً.


