مايو 15, 2026
تاريخ

قلعة بهلاء: أقدم قلعة في عُمان وأسرارها الدفينة

bayanelm 1 1 دقيقة 0
قلعة بهلاء: أقدم قلعة في عُمان وأسرارها الدفينة

قلعة بهلاء: أقدم قلعة في عُمان وأسرارها الدفينة

شاهدٌ على عراقة الزمن

في قلب سلطنة عُمان، حيث تلتقي الصحراء بالجبل وتتشابك الأزقة العتيقة بأسرار الأجداد، تقف قلعة بهلاء شامخةً كأنها فصلٌ لم تنتهِ كتابته من تاريخ الإنسانية. إنها ليست مجرد بنيان حجري أو برج من أبراج الحراسة، بل هي مدينةٌ بأكملها حُوّلت إلى قلعة، وقلعةٌ بأكملها حُوّلت إلى أسطورة. تقع في ولاية بهلاء بمحافظة الداخلية، على بُعد نحو مئة وتسعة وثمانين كيلومترًا عن مسقط، وتحتل مكانةً استثنائية بين منظمة اليونسكو التي أدرجتها على قائمة مواقع التراث العالمي عام 1987م، لتكون أول موقع عُماني يحظى بهذا الاعتراف الدولي الرفيع.

يمتد سور بهلاء لنحو اثني عشر كيلومترًا، يضم في ثناياه المدينة القديمة بأسواقها وبيوتها ومساجدها، فيما يعلو فوقه الصرح الشامخ للقلعة التي شُيّدت في معظم أجزائها بالطين المدكوك واللبن والحجر. وتُشير بعض الروايات التاريخية إلى أن جذور هذا الموقع تمتد إلى ما قبل الميلاد، فيما يُرجّح المؤرخون أن البناء الأساسي للقلعة يعود إلى حقبة ما قبل الإسلام، ثم توسّع وتطوّر عبر الحقب الإسلامية المتعاقبة. هذا الامتداد الزمني الهائل هو ما يمنح بهلاء أسرارها الدفينة، ويجعلها مزارًا لكل من يبحث عن الروح في الحجر، والمعنى في الصمت.


جغرافية الموقع وأهميته الاستراتيجية

اختار أجدادنا العُمانيون موقع قلعة بهلاء بعين خبير وعقل مدبّر. فهي تقع عند السفح الجنوبي لجبال الحجر الغربي، وتستند إلى ظهر المرتفعات الجبلية كمن يستند إلى درع طبيعي منيع. أمامها تمتد واحة بهلاء الغنية بنخيلها وأفلاجها العريقة، وهذه الواحة لم تكن مجرد مصدر للماء والغذاء، بل كانت الرئة التي أتاحت لهذه المدينة أن تتنفس وتزدهر عبر الأجيال.

والموقع بحد ذاته يكشف عبقرية الإنسان العُماني في انتقاء البيئة المناسبة للبناء والدفاع معًا. فالقلعة مشيّدة على ربوة مرتفعة تتيح للحراس رؤية ما يجري في المحيط من مسافات بعيدة، بينما تصعّب على أي قوة مهاجمة اقتحامها من أي اتجاه دون أن تتعرض لوابل من السهام والرماح. ويُضاف إلى ذلك أن طريق القوافل التجارية الذي كان يربط نزوى بصحار كان يمر قريبًا من بهلاء، مما جعل السيطرة عليها تعني السيطرة على الشريان التجاري الحيوي لوسط عُمان.

وقد أولى الحكام الذين تعاقبوا على إمارة بهلاء عبر القرون اهتمامًا بالغًا بتحصين هذا الموقع، فتوسّعت القلعة ونمت حتى أصبحت من أضخم المنشآت الدفاعية في شبه الجزيرة العربية. ويمكن القول إن بهلاء كانت في أوج مجدها بمثابة العاصمة الفعلية لوسط عُمان قبل أن تستأثر نزوى بتلك المكانة.


التاريخ الموغل في القِدَم

يجمع المؤرخون على أن بهلاء من أعرق المدن في شبه الجزيرة العربية، وإن كانت التحديد الزمني الدقيق لنشأتها يظل محل جدل علمي. تُشير الوثائق العربية القديمة إلى أن المنطقة كانت مأهولة منذ العصور السابقة للإسلام، وأن قبائل عريقة كانت تتخذ منها معقلًا وموئلًا. وبعض الباحثين يُرجّحون أن الموقع ربما شهد استيطانًا بشريًا منذ ما يزيد على خمسة آلاف عام، استنادًا إلى ما كُشف من آثار وأدوات حجرية في المنطقة المحيطة.

ومع ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، كانت بهلاء من بين المدن التي تبنّت الدين الجديد، وسرعان ما أصبحت مركزًا للفقه والعلم في ظل المذهب الإباضي الذي وجد في عُمان تربته الخصبة. وقد ارتبط اسم بهلاء ببعض العلماء والفقهاء الذين نسجوا تقاليد دينية وفكرية عريقة، جعلت المدينة تُعرف بأنها من أكثر مدن عُمان احتفاظًا بطابعها الإسلامي الأصيل.

في القرن الثالث عشر الميلادي، بلغت بهلاء ذروة ازدهارها في عهد بني نبهان، الأسرة الحاكمة التي جعلت منها عاصمةً لملكها الممتد على رقعة واسعة من الأراضي العُمانية. وقد شهدت هذه الحقبة توسعًا معماريًا ملحوظًا في القلعة والمدينة على حد سواء، إذ أضاف بنو نبهان طبقات إضافية من الأبراج والأسوار، وحوّلوا القلعة من حصن دفاعي إلى مجمع ملكي متكامل يضم دور الحكم وقاعات الاستقبال ومرافق الحياة اليومية. ولا يزال الباحثون يُطلقون على هذه الحقبة اسم “العصر الذهبي لبهلاء”، إذ لم تكن القلعة في يوم من الأيام أكثر بهاءً وأشد منعةً مما كانت عليه إبان تلك السنوات.


العمارة الطينية: معجزة الهندسة القديمة

يتوقف زائر قلعة بهلاء مذهولًا أمام ما يراه: أسوار شاهقة تتخللها أبراج لا تُحصى، وممرات متشعبة تقود إلى قاعات مترامية، وطبقات متراكمة من البناء تحكي عن أجيال متعاقبة من البنّائين الذين أضافوا كل منهم إضافته، حتى بات المبنى بأكمله أشبه بسيمفونية معمارية ضخمة لم تكتمل حركاتها بعد.

المادة الأساسية للبناء هي الطين المدكوك أو ما يُعرف محليًا بـ”الساروج”، وهو خليط من التراب الطيني والجير والتبن المفروم، يُدك بعناية فائقة داخل قوالب خشبية حتى يصبح صلبًا كالحجر. وقد أدرك البنّاؤون القدماء خصائص هذه المادة جيدًا، فوظّفوها بمهارة استثنائية لتوفير العزل الحراري في فصل الصيف الحارق، والدفء الكافي في ليالي الشتاء الباردة، مما جعل الحياة داخل الأسوار أكثر احتمالًا في ظل مناخ الداخلية القاسي.

تضم القلعة نحو خمسين برجًا تتباين في أحجامها وارتفاعاتها وأغراضها. بعضها أبراج مراقبة شُيّدت في نقاط حساسة لضمان تغطية بصرية شاملة للمحيط. وبعضها أبراج دفاعية مزوّدة بفتحات للرماة تتيح لهم إطلاق السهام دون أن يتعرضوا للخطر. وبعضها أبراج تضم غرفًا وقاعات استخدمها الحراس والمقيمون. أما السور الخارجي الذي يمتد باتجاهات مختلفة محيطًا بالمدينة، فيُعدّ من أضخم مشاريع البناء الدفاعي التي شهدتها المنطقة العربية خلال العصور الوسطى.

والأبواب التي تُخترق بها الأسوار تكشف هي الأخرى عن فكر دفاعي متطور. فالمدخل الرئيسي للقلعة يتبع نظام “الدهليز” أو الممر الملتوي، الذي يُجبر أي مهاجم على تغيير اتجاهه عدة مرات قبل الوصول إلى الداخل، مما يُقلص الزخم الهجومي ويمنح المدافعين متسعًا من الوقت للتصدي. كذلك تُلاحظ في كثير من الأجنحة ما يُسمى بـ”أبواب الرأس”، وهي أبواب منخفضة تُجبر من يدخلها على الانحناء، مما يجعل الدخول في مواجهة مسلحة بالغ الصعوبة.


نظام الأفلاج: شريان الحياة الدفينة

لا يمكن فهم قلعة بهلاء ومدينتها بمعزل عن النظام المائي الذي أتاح قيامها وصمودها. والأفلاج جمع “فلج”، وهي قنوات مائية مشيّدة بتقنية هندسية بالغة الدقة تنقل المياه الجوفية من باطن الجبال إلى المزارع والبيوت والأحياء. وفلج بهلاء من أعرق الأفلاج في عُمان، وقد أُدرج ضمن شبكة الأفلاج العُمانية في قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2006م، مما أضاف بُعدًا آخر من أبعاد الاعتراف الدولي بأهمية هذا الموروث.

كان الفلج في الواقع يمثّل أكثر من مجرد وسيلة لإيصال الماء؛ فهو نظام اجتماعي متكامل تحكمه قواعد وأعراف راسخة تحدد حصة كل مزارع ومواطن من الماء وتوقيت استخدامه. وكانت إدارة هذا النظام تقع على عاتق هيئة مجتمعية تتولى الإشراف على الصيانة وتوزيع الحصص وحل النزاعات، مما أفرز نموذجًا للحوكمة المحلية المبكرة يستحق الإجلال والتأمل.

وفي سياق القلعة تحديدًا، كان وصول الماء إلى الداخل يمثّل ضرورة استراتيجية قصوى. فالقلعة التي لا تملك مصدرًا مستقلًا للمياه لا تستطيع الصمود في وجه الحصار. ولهذا أولى المصممون الأوائل عناية خاصة بتضمين القلعة آبارًا وصهاريج لخزن الماء، فضلًا عن مسالك سرية تتيح التواصل مع شبكة الفلج الخارجية في أوقات الضرورة القصوى.


الأسرار الدفينة: بين الحقيقة والأسطورة

لا تخلو قلعة تاريخية من أسرار تتناقلها الأجيال، لكن بهلاء تبدو وكأنها حازت النصيب الأوفر من الغموض والأسرار. وتنقسم هذه الأسرار إلى نوعين: أسرار تاريخية موثّقة تبحث عنها الحفريات الأثرية والوثائق القديمة، وأسرار شعبية متناقلة تمزج بين الواقع والخيال مزجًا يصعب في أحيان كثيرة الفصل بينهما.

الكنوز المدفونة: تتحدث الروايات الشعبية عن كنوز ملوك بني نبهان المدفونة في أقبية القلعة وتحت أبراجها. وتقول الأسطورة إن الملك نبهان الأكبر، حين أحسّ بقرب انهيار ملكه، أمر بدفن خزائن الدولة في أعماق القلعة وأوكل حراستها إلى حرّاس لن يغادروا مواضعهم حتى يأتي من يستحق استخراجها. وإن كانت هذه الرواية تنتمي إلى فضاء الأسطورة، فإن المنطق التاريخي لا يبعدها كثيرًا عن الاحتمال، إذ درجت الأسر الحاكمة في العصور الوسطى على إخفاء ثرواتها في أماكن سرية لحمايتها من المنافسين.

الممرات السرية: يُعتقد على نطاق واسع أن القلعة تخترقها شبكة من الأنفاق والممرات السرية التي كانت تُستخدم للتنقل الخفي وربما للهرب في حالات الخطر الشديد. وقد أُشير في بعض التقارير الأثرية إلى وجود فتحات ومداخل في أرضية بعض الغرف توحي بوجود طابق تحت الأرض أو شبكة اتصال خفية، غير أن التوثيق الكامل لهذه الممرات لا يزال يفتقر إلى الشمولية العلمية اللازمة.

أسرار الحياة اليومية: ثمة سرٌ أقل إثارةً لكنه أشد عمقًا: كيف كان يعيش الآلاف من السكان داخل أسوار هذه المدينة المحصّنة؟ أين كانت أسواقهم؟ كيف كانت تُدار شؤونهم؟ وما طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم في ظل أسوار عازلة عن العالم الخارجي؟ هذه الأسئلة لا تجيب عنها الأساطير، بل تجيب عنها الحفريات الأثرية التي لا تزال في طور الكشف والاستجلاء.

الوثائق الضائعة: يُعتقد أن مكتبات بهلاء في عهد بني نبهان كانت تضم ذخيرة نفيسة من المخطوطات الفقهية والتاريخية والعلمية. وتُشير الروايات إلى أن معظم هذه الوثائق أُتلفت أو فُقدت في خضم الصراعات السياسية والعسكرية التي أعقبت انهيار سلطنة بني نبهان. والعثور على ما تبقى منها يظل من أشد أحلام الباحثين في تاريخ عُمان إلحاحًا.


القلعة وأسطورة الجن

لا يمكن الحديث عن بهلاء دون الإشارة إلى الموروث الشعبي العجيب الذي يربط المدينة بعالم الجن والغيبيات. فقد اشتُهرت بهلاء قديمًا وحديثًا بأنها موطن السحر وعلماء الروحانيات، وتتناقل الأجيال العُمانية حكايات لا تحصى عن لقاءات غريبة وظواهر خارقة جرت في أزقة المدينة القديمة وداخل أسوار القلعة.

ومن أكثر الحكايات تداولًا أن الجن هم من بنوا أجزاءً من سور بهلاء ليلًا بليل، وأن البنّائين البشريين كانوا يكملون الجزء الآخر نهارًا، في شراكة غير معلنة بين العالمين. ولا يبعد هذا الموروث عن نظيره في حضارات أخرى حيث تُنسب المآثر العمرانية الكبرى إلى قوى خفية كلما عجز العقل البشري عن تفسير كيفية إنجازها. فالواقعة المعمارية لبهلاء تستعصي على التفسير السهل: كيف شيّد بشر عاديون، بالأدوات البسيطة المتاحة قبل ألف عام، سورًا يمتد لاثني عشر كيلومترًا ويصل ارتفاعه في بعض الأجزاء إلى ما يقارب عشرة أمتار؟ إن الدهشة أمام هذا الإنجاز هي التربة الخصبة التي نمت فيها أساطير الجن والسحر.

وقد ذهب بعض الباحثين في التراث الشعبي إلى أن سمعة بهلاء كـ”مدينة السحر” كانت في بعض الأحيان أداةً سياسية وظّفها حكامها بذكاء لتخويف أعدائهم وردع المحتملين من الغزاة. فالجيش الذي يؤمن جنوده بأن مدينةً ما تحرسها قوى خفية سيتردد مرتين قبل الإقدام على اقتحامها، مما يمنح المدافعين ميزةً نفسية نادرة.


رحلة الترميم: مصارعة الزمن

أدرجت منظمة اليونسكو قلعة بهلاء على قائمة مواقع التراث العالمي عام 1987م، لكنها أدرجتها في الوقت ذاته على قائمة التراث في خطر عام 1988م بسبب الوضع المتدهور للمبنى الذي كان يعاني من انهيارات متتالية في أجزائه المختلفة. وقد شكّل هذا التصنيف المزدوج صحوةً حقيقية للسلطنة، التي انطلقت بعزم وإصرار نحو إنقاذ هذا الإرث التاريخي الاستثنائي.

بدأت مشاريع الترميم الكبرى في التسعينيات من القرن الماضي بمشاركة خبراء دوليين ومحليين، وواجهت منذ البداية إشكالية جوهرية: كيف تُرمّم بناءً تاريخيًا بمواد تقليدية دون استخدام مواد حديثة تُخلّ بالطابع الأصيل للمكان؟ وقد اختار الفريق المشرف على الترميم الطريق الأصعب والأنبل معًا، بالعودة إلى التقنيات التقليدية والمواد الأصلية كالطين المدكوك والجير، واستعانوا بحرفيين محليين توارثوا هذه المهارات من أجدادهم.

وعلى إثر جهود الترميم المضنية التي امتدت لسنوات، أُزيل الموقع من قائمة التراث في خطر عام 2004م، وهو إنجاز يستحق الاحتفاء ويعكس جدية السلطنة في صون إرثها التاريخي. غير أن الترميم لا يزال متواصلًا، إذ تشهد القلعة بشكل دوري أعمال صيانة وترميم لمواجهة ما تُلحقه عوامل المناخ القاسي من أضرار بالطين والجير.

وقد واجهت جهود الترميم عقبةً معرفية صعبة تتمثل في التمييز بين الطبقات الأثرية المختلفة التي تتراكم في موقع متعدد الحقب كبهلاء. فالمشكلة ليست في إعادة بناء جدار منهار، بل في معرفة أي عصر ينتمي هذا الجدار؟ وما الذي كان يسبقه وما الذي تلاه؟ وهل يمكن إعادة بنائه دون الإخلال بسياقه التاريخي؟ هذه الأسئلة الدقيقة هي ما تجعل ترميم مواقع كبهلاء فنًا يقتضي علمًا راسخًا وخيالًا تاريخيًا واسعًا.


بهلاء في سياق الحضارة العُمانية

لا تُفهم بهلاء بمعزل عن المنظومة الحضارية العُمانية الأشمل. فعُمان بلدٌ ذو موروث تاريخي استثنائي اتسم دائمًا بالانفتاح على الآفاق البحرية ومضرب المثل في الملاحة والتجارة، بينما احتفظ في الوقت ذاته بعمقه البري المتجذر في الجبال والأودية والواحات. وبهلاء تمثل هذا العمق البري بامتياز؛ إنها المدينة الداخلية التي لم تتحول كليًا نحو البحر بل ظلت وجهها الأكثر تواصلًا مع تضاريس الأرض العُمانية الداخلية وثقافتها.

كما أن موقع بهلاء في “المثلث الذهبي” المكوّن من بهلاء ونزوى والرستاق كان يعني أنها جزء من منظومة حضارية متكاملة شكّلت العمود الفقري لعُمان الداخلية. وقد كان العلماء والتجار والحرفيون يتنقلون بين هذه المدن في حركة دائمة من التبادل المعرفي والتجاري الذي أسهم في إثراء كل منها.

وتتجلى خصوصية بهلاء أيضًا في صناعة الفخار الذي اشتُهرت به المدينة عبر قرون. فخار بهلاء يعكس ذوقًا جماليًا راقيًا ومهارة حرفية فائقة، وقد ظل لقرون متاعًا تجاريًا مرغوبًا يُصدَّر إلى مناطق عُمانية وخارجها. كما اشتهرت المدينة بصناعة المنسوجات والحلي الفضية، في ما يشبه التخصص الاقتصادي الذي يُذكّر بالمناطق الصناعية الحديثة وإن كان يعتمد على ميراث حرفي تراكم على مدى أجيال.


زيارة القلعة اليوم: بين الماضي والحاضر

يجد زائر بهلاء اليوم نفسه في مواجهة تجربة فريدة تُربك إحساسه بالزمن. فالقلعة مفتوحة للزيارة ضمن برنامج سياحي منظّم، غير أن الأزقة المحيطة بها لا تزال تحتضن مجتمعًا حيًا يسكن البيوت القديمة ويستعمل السوق التقليدي. هذا التداخل بين التاريخ والحياة المعاشة يمنح الزيارة بُعدًا لا يُلمس في المتاحف الباردة أو المواقع الأثرية المعزولة.

يمكن للزائر أن يصعد إلى الطوابق العليا من القلعة ليطّل على مشهد بانورامي خلاّب يجمع بين الواحة الخضراء والجبل الأشم وامتداد القفر الذهبي. وهذا المشهد وحده يُجيب عن كثير من التساؤلات حول سبب اختيار هذا الموقع بالذات دون سواه. ثم يمكن النزول إلى المستويات الدنيا من القلعة لاستكشاف القاعات والغرف والممرات التي لا تزال كثير منها تحتفظ بزخارفها وعناصرها المعمارية الأصيلة.

وإلى جانب القلعة، لا بد للزائر من التوقف عند مسجد بهلاء القديم الذي يُعدّ من أعرق المساجد في السلطنة، وعند السوق التقليدي حيث يجد الحرفيون العُمانيون يمارسون صناعاتهم الموروثة كالفخار والحدادة والحياكة. وتكتمل الصورة بزيارة الأحياء السكنية القديمة ذات البيوت الطينية العالية ذات الجدران السميكة والنوافذ الصغيرة، التي تُجسّد الحكمة المعمارية التقليدية في التعامل مع المناخ الصحراوي.


الأهمية الإنسانية والدروس المستخلصة

تتجاوز أهمية قلعة بهلاء كونها أثرًا تاريخيًا أو معلمًا سياحيًا. فهي في جوهرها شاهدٌ على قدرة الإنسان في بناء حضارات متكاملة بالموارد المحدودة، وعلى إمكانية تحقيق الاستدامة الحقيقية حين يتعامل الإنسان مع بيئته باحترام وذكاء. فالبناء بالطين، والري بالفلج، والتنظيم الاجتماعي القائم على العرف والتراضي؛ هذه المنظومة المتكاملة التي أتاحت لبهلاء البقاء والازدهار لقرون طويلة تقدم دروسًا لا تفقد قيمتها في عصر يئن تحت وطأة الأزمات البيئية والاجتماعية.

ثمة دروس معمارية أيضًا: فالمباني الطينية تُظهر عزلًا حراريًا طبيعيًا يُقلل من الحاجة إلى التكييف الاصطناعي، وهو ما بدأ المعماريون المعاصرون يُعيدون اكتشافه في ضوء أزمة الطاقة العالمية. والتصميم الدفاعي الذي يعتمد على التضاريس الطبيعية بدلًا من تكثيف الموارد البشرية يُلهم مدرسة كاملة من التفكير الاستراتيجي والتخطيط البيئي.

وعلى الصعيد الثقافي، تُجسّد بهلاء قيمة الهوية والاستمرارية في مواجهة ضغوط التغيير المتسارع. فالمجتمع الذي يحافظ على قلعته لا يُبقي على الحجارة والطين فحسب، بل يُبقي على ذاكرته الجماعية وهويته الحضارية ورابطته بالمكان. وفي عصر يعاني من خسارة متسارعة للتنوع الثقافي والإرث البشري المشترك، يغدو الحفاظ على مواقع كبهلاء فعلًا مقاومةً حضارية بالغ الأهمية.


الخاتمة: الصمت الناطق

حين تقف على أسوار بهلاء في ساعة المغرب وقد امتدت الظلال على الواحة وتحوّل لون الجبل إلى أرجوان، يخيّل إليك أن الأحجار نفسها تتنفس. أن ثمة أرواحًا لا مرئية لا تزال تسكن هذه الأروقة وتتنقل بين أبراجها. وربما لهذا السبب بالضبط لم يجف معين الأسطورة حول بهلاء ولم تنضب روايات الجن والأسرار.

لكن الأسرار الحقيقية لبهلاء ليست في الكنوز المدفونة أو الممرات السرية أو مشاغل الجن؛ بل في شيء أعمق وأبقى: في الإرادة البشرية التي رفعت هذه الأسوار حجرًا حجرًا وطينًا فوق طين، في العقل الجمعي الذي أدار هذا المجتمع لقرون بنظام وعدل وترتيب، في الروح الإبداعية التي حوّلت الطين والصخر إلى فن معماري يُبكي الجمال، وفي القيم الراسخة التي أتاحت لهذه الحضارة أن تُورّث نفسها جيلًا بعد جيل.

قلعة بهلاء ليست فقط الأقدم في عُمان؛ إنها الأكثر تعبيرًا عن الروح العُمانية في تجلياتها الأشد عمقًا وأصالة. زيارتها ليست رحلةً سياحية بقدر ما هي حوار مع التاريخ، وتأمّل في المصير الإنساني المشترك، وإقرارٌ بأن ما أنجزه الأجداد بالطين والصبر يستحق منا أن نرفع له القبعة احترامًا واعترافًا بالجميل.

رابط المقالة القصير
مشاركة:
1 مشاهدة

اترك تعليقاً