الفينيقيون وعلاقتهم بمدينة صور العُمانية: هل انطلقت أعظم حضارات البحر المتوسط من سواحل عُمان؟

حجم الخط:

الفينيقيون وعلاقتهم بمدينة صور العُمانية: هل انطلقت أعظم حضارات البحر المتوسط من سواحل عُمان؟

تُعدّ العلاقة المحتملة بين الفينيقيين ومدينة صور العُمانية واحدة من المسائل التاريخية المثيرة للجدل، إذ تطرح تساؤلات عميقة حول أصول الفينيقيين، وهجراتهم القديمة، وصلتهم بحضارات شبه الجزيرة العربية والخليج العربي. فهل كان الفينيقيون الذين أسسوا حضارة بحرية مزدهرة على شواطئ البحر المتوسط ينحدرون في الأصل من سواحل عُمان؟ وهل يمكن أن تكون مدينة صور اللبنانية قد حملت اسمها من مدينة صور العُمانية؟ أم أن تشابه الأسماء والتقاليد البحرية لا يكفي لإثبات وجود علاقة مباشرة بين المدينتين؟

تزداد أهمية هذه الأسئلة عندما نعود إلى مؤلفات المؤرخين والجغرافيين القدماء، وعلى رأسهم هيرودوت وسترابون، اللذين نقلا روايات عن وجود صلات بين الفينيقيين ومنطقة الخليج العربي.

وفي المقابل، تقدم الاكتشافات الأثرية والدراسات الوراثية الحديثة معطيات مهمة عن جذور الحضارة الفينيقية في بلاد الشام، الأمر الذي يجعل هذه القضية مجالًا للمقارنة بين الروايات التاريخية والأدلة العلمية.

من هم الفينيقيون؟

الفينيقيون شعب من شعوب العالم القديم ارتبطت حضارته بالساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، خصوصًا المناطق التي تقع اليوم ضمن لبنان وأجزاء من سوريا وفلسطين.

وقد ازدهرت مدنهم التجارية خلال الألفين الثاني والأول قبل الميلاد، وتميزوا بمهارات الملاحة البحرية، وصناعة السفن، والتجارة بعيدة المدى، وإنتاج الأصباغ الأرجوانية، وصناعة الزجاج والمنسوجات.

ومن أشهر مدنهم صور وصيدا وجبيل وأرواد، وهي مدن لم تكن تشكل عادة دولة موحدة، بل مراكز حضرية ذات كيانات سياسية وتجارية مستقلة نسبيًا.

وتمكن الفينيقيون من إنشاء شبكات تجارية واسعة امتدت إلى قبرص وشمال أفريقيا وإسبانيا، وأسهموا في تأسيس قرطاج التي أصبحت لاحقًا قوة كبرى في البحر المتوسط.

ومن أبرز إنجازاتهم تطوير نظام كتابة أبجدي انتقل تأثيره إلى الإغريق، وأسهم بصورة غير مباشرة في تطور عدد من الأبجديات اللاحقة. التعليم الوطني الجغرافي+2

لكن السؤال الذي ظل يشغل بعض المؤرخين هو: من أين جاء الفينيقيون قبل أن تصبح مدن الساحل الشامي مراكز حضارتهم المعروفة؟

نظرية الأصل العربي والخليجي للفينيقيين

تقوم إحدى الفرضيات التاريخية على أن أسلاف الفينيقيين كانوا يقيمون في منطقة الخليج العربي أو على السواحل الشرقية لشبه الجزيرة العربية، ثم هاجر بعضهم إلى الساحل الشرقي للبحر المتوسط.

وتستند هذه الفرضية أساسًا إلى روايات يونانية قديمة، أبرزها ما أورده هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد، وما نقله الجغرافي سترابون بعد ذلك بعدة قرون.

وقد وجد بعض الباحثين العُمانيين والعرب في تلك الروايات مؤشرات تستحق الدراسة بشأن احتمال وجود جذور خليجية للحضارة الفينيقية، وربطها بعضهم بمدينة صور العُمانية.

غير أن هذه الفرضية لا تزال موضع نقاش، ولم تصبح حقيقة أثرية مثبتة؛ لأن انتقال شعب بكامله من منطقة إلى أخرى يتطلب أدلة متضافرة من الآثار والنقوش والتسلسل الزمني، وليس مجرد رواية تاريخية أو تشابه في أسماء المدن.

ماذا قال هيرودوت عن أصول الفينيقيين؟

يُعد المؤرخ اليوناني هيرودوت، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، من أهم المصادر القديمة التي استند إليها أنصار نظرية الأصل الخليجي للفينيقيين.

ففي بداية كتابه الشهير التواريخ، نقل هيرودوت عن رواة من الفرس أن الفينيقيين جاءوا من منطقة سماها «البحر الإريتري»، ثم استقروا على الساحل الشرقي للبحر المتوسط وبدأوا القيام برحلات تجارية طويلة.

ومن المهم معرفة أن تسمية البحر الإريتري في الجغرافيا القديمة لم تكن مطابقة تمامًا للبحر الأحمر بمفهومه الحديث؛ فقد استخدمت للإشارة إلى مساحات بحرية مختلفة، من بينها الخليج العربي والمياه المتصلة بالمحيط الهندي.

وتوضح بعض الترجمات العلمية لنص هيرودوت أن المقصود في هذه الرواية هو الخليج العربي والمياه المجاورة له. beta.perseus.tufts.edu+1

ولهذا رأى بعض الباحثين أن الرواية يمكن أن تشير إلى أصل خليجي للفينيقيين.

لكن هناك ثلاث نقاط مهمة لفهم شهادة هيرودوت.

أولًا، لم يذكر هيرودوت مدينة صور العُمانية بالاسم بوصفها موطن الفينيقيين الأصلي.

ثانيًا، قدم الرواية باعتبارها خبرًا نقله عن الفرس، لا نتيجة تحقيق أثري أو مشاهدة مباشرة لهجرة حدثت قبل عصره بزمن طويل.

ثالثًا، لا تسمح الرواية بتحديد ميناء بعينه انطلقت منه الهجرة المفترضة، سواء في عُمان أو البحرين أو مناطق أخرى من الخليج.

وعليه، فإن شهادة هيرودوت تدعم وجود تقليد تاريخي قديم يربط أصول الفينيقيين بالخليج، لكنها لا تثبت وحدها أن مدينة صور العُمانية كانت موطنهم الأول.

سترابون وتشابه أسماء المدن الفينيقية والخليجية

تأتي شهادة الجغرافي والمؤرخ اليوناني سترابون لتضيف جانبًا آخر إلى هذه المسألة.

ففي كتابه الجغرافيا، وتحديدًا في الكتاب السادس عشر، الفصل الثالث، الفقرة الرابعة، تحدث عن جزر في الخليج تحمل أسماء شبيهة بأسماء مدن فينيقية، ومن بينها صور وأرادوس.

وأشار إلى وجود معابد في تلك الجزر تشبه المعابد الفينيقية، ونقل عن سكانها اعتقادًا بأن المدن الفينيقية التي تحمل أسماء مماثلة كانت مستعمرات مرتبطة بأسلافهم.

وهذا النص مهم لأنه يكشف أن فكرة الصلة بين مناطق الخليج والمدن الفينيقية لم تنشأ في الدراسات الحديثة وحدها، بل كانت معروفة في بعض التقاليد الجغرافية القديمة.

إلا أن سترابون كان يتحدث عن جزر داخل الخليج، ولم يحدد مدينة صور العُمانية الحالية بوصفها الموقع الذي خرج منه الفينيقيون. Book XVI Chapter 3+1

كما أن سترابون نفسه أبدى في مواضع أخرى من مؤلفه تحفظًا على بعض الروايات المتضاربة المتعلقة بأصول الفينيقيين ومواطنهم الأولى.

ولذلك لا يصح اعتبار نصه إثباتًا قاطعًا لهجرة من عُمان إلى لبنان، لكنه يمثل شاهدًا مهمًا على تداول روايات قديمة تربط الساحل الفينيقي بمنطقة الخليج.

مدينة صور العُمانية: تاريخ بحري عريق

تقع صور على الساحل الشرقي لسلطنة عُمان، وتطل على بحر العرب، وقد اشتهرت عبر تاريخها بصناعة السفن والملاحة البحرية والتجارة مع المناطق المطلة على المحيط الهندي.

واكتسبت المدينة أهمية خاصة بفضل موقعها الجغرافي الذي أتاح لبحارتها التواصل مع موانئ الهند وشرق أفريقيا ومناطق أخرى من العالم.

وبرع صناع السفن في صور في بناء أنواع مختلفة من المراكب الخشبية التقليدية، وأصبحت المدينة مركزًا معروفًا للمهارات البحرية العُمانية.

ولا يزال مركز فتح الخير البحري شاهدًا على هذا التراث؛ إذ يعرض أدوات الملاحة ومقتنيات مرتبطة بتاريخ صناعة السفن، ويضم سفينة «فتح الخير» التقليدية من نوع الغنجة. experienceoman.om

وهناك أوجه شبه واضحة بين صور العُمانية وصور الفينيقية من حيث ارتباط المدينتين بالبحر والتجارة وصناعة السفن.

لكن من الضروري التمييز بين التشابه الحضاري والانتساب التاريخي؛ فشهرة المدينتين بالملاحة لا تعني بالضرورة أن إحداهما أسست الأخرى.

هل كانت صور العُمانية الموطن الأصلي للفينيقيين؟

يذهب بعض الكتاب والمؤرخين إلى أن مدينة صور العُمانية ربما كانت من المراكز التي انطلقت منها هجرات بشرية قديمة نحو بلاد الشام.

وتقوم هذه الفكرة على مجموعة من الملاحظات، أهمها تشابه اسم المدينتين، وروايات هيرودوت وسترابون، والموقع البحري لعُمان، والتقاليد الملاحية المشتركة بين الحضارات القديمة.

وقد تناول باحثون عُمانيون هذه الفرضية، ومن بينهم من طرح احتمال أن يكون الفينيقيون قد أسسوا مدينة صور اللبنانية بعد انتقالهم من منطقة الخليج.

وفي مقالة نشرتها جريدة الرؤية العُمانية عن العلاقة بين صور اللبنانية والعُمانية، عُرضت هذه الرواية باعتبارها أحد التفسيرات التاريخية لأصل الفينيقيين. كما نشرت صحيفة أثير مقابلة عام 2019 مع الباحث اللبناني حسن ذياب ناقشت احتمال وجود جذور جزيرية للفينيقيين والعلاقة بين المدينتين. جريدة الرؤية العمانية+1

ومع ذلك، فإن الدراسات التاريخية الحديثة لا تملك حتى الآن دليلًا أثريًا حاسمًا يربط تأسيس صور اللبنانية بهجرة محددة انطلقت من صور العُمانية.

ولا توجد في الأدلة التي استند إليها هذا المقال نقوش فينيقية موثقة من صور العُمانية تثبت أنها كانت مركزًا فينيقيًا أو عاصمة للفينيقيين قبل انتقالهم إلى بلاد الشام.

وهذا لا ينفي إمكانية وجود اتصالات أو هجرات قديمة بين المنطقتين، لكنه يجعل فرضية الأصل العُماني المباشر بحاجة إلى المزيد من البحث والاكتشافات.

لماذا تتشابه تسمية صور العُمانية وصور اللبنانية؟

يمثل تشابه الاسم بين المدينتين أحد أبرز أسباب الاهتمام بالعلاقة المحتملة بينهما.

فمدينة صور اللبنانية، المعروفة في المصادر الأوروبية باسم Tyre، كانت إحدى أهم المدن الفينيقية، بينما تحمل المدينة العُمانية الاسم العربي نفسه.

ويرى أنصار فرضية الهجرة من الخليج أن المهاجرين ربما نقلوا أسماء مواطنهم القديمة إلى المدن الجديدة التي استقروا فيها، وهي ظاهرة معروفة في التاريخ البشري.

وبناءً على هذا التصور، يفترضون أن اسم صور اللبنانية ربما انتقل إليها من موطن أقدم في شبه الجزيرة العربية.

غير أن تشابه الأسماء لا يكفي وحده لإثبات هذه العلاقة.

فقد تتشابه أسماء الأماكن نتيجة تقارب لغوي أو عوامل جغرافية أو تطور تاريخي مستقل، وقد تكون هناك صلات حقيقية يصعب إثباتها بعد مرور آلاف السنين.

ولإثبات انتقال اسم صور من عُمان إلى لبنان، ينبغي تحديد أقدم الشواهد المكتوبة لكل اسم، ودراسة أصوله اللغوية، وإثبات التسلسل الزمني بين الموقعين.

وتشير اليونسكو إلى أن تأسيس صور اللبنانية يعود، وفق التقليد التاريخي، إلى نحو 2750 قبل الميلاد، لكنها لا تربط هذا التاريخ بهجرة مؤكدة من صور العُمانية. UNESCO World Heritage Centre

ومن ثم، تبقى فرضية انتقال الاسم احتمالًا تاريخيًا يحتاج إلى دليل مستقل.

ماذا تقول الآثار عن الفينيقيين وأصولهم؟

تقدم الاكتشافات الأثرية في بلاد الشام صورة أكثر وضوحًا عن نشأة الحضارة الفينيقية.

فقد كشفت الحفريات في مدن الساحل اللبناني عن وجود استيطان بشري وحضري قديم، يعود في بعض المواقع إلى عصور سابقة لازدهار المدن الفينيقية المعروفة.

وتدل هذه الشواهد على وجود استمرارية حضارية بين المجتمعات الكنعانية في العصر البرونزي والمدن التي عُرفت لاحقًا باسم المدن الفينيقية.

ومن هنا، يميل كثير من الباحثين إلى تفسير نشأة الحضارة الفينيقية باعتبارها تطورًا تاريخيًا للمجتمعات الكنعانية الساحلية، مع تأثرها بالتبادل التجاري والثقافي والهجرات المختلفة.

وتعزز هذه الصورة دراسة وراثية نُشرت عام 2017 في مجلة American Journal of Human Genetics، حللت الحمض النووي لأفراد عاشوا في مدينة صيدا قبل نحو 3700 سنة.

وأظهرت الدراسة وجود استمرارية وراثية مهمة بين سكان العصر البرونزي في بلاد الشام ومجموعات سكانية لاحقة في المنطقة.

ولا تستطيع هذه الدراسة وحدها تحديد جميع هجرات الفينيقيين أو نفي أي اتصال قديم بالخليج، لكنها تقدم دليلًا علميًا على الجذور المحلية العميقة للمجتمعات الكنعانية التي ارتبط بها الفينيقيون. دوى

كذلك تناولت دراسة منشورة عام 2018 الحمض النووي القديم لفينيقيين من لبنان وسردينيا، وأظهرت أهمية التنقل والتفاعل بين المجتمعات المختلفة في انتشار الثقافة الفينيقية عبر البحر المتوسط. PMC

وبذلك يصبح من الصعب اختزال نشأة الفينيقيين في هجرة واحدة من مدينة محددة، دون وجود أدلة أثرية تدعم هذا التفسير.

الفينيقيون والعُمانيون: حضارتان بحريتان

رغم عدم ثبوت وجود أصل عُماني مباشر للفينيقيين، فإن المقارنة بين التاريخ البحري العُماني والفينيقي تكشف أوجه شبه حضارية لافتة.

فكلتا الحضارتين ارتبطتا بالموانئ والتجارة والسفن، واعتمدتا على المعرفة بالرياح والتيارات البحرية والقدرة على بناء شبكات اتصال مع الشعوب الأخرى.

وقد اشتهر الفينيقيون بالتجارة في البحر المتوسط، ونقل البضائع والمعارف بين المراكز الحضارية المنتشرة على سواحله.

أما العُمانيون فقد طوروا عبر مراحل تاريخية مختلفة شبكات واسعة في المحيط الهندي، امتدت إلى الهند وشرق أفريقيا ومناطق أخرى.

وكانت السفينة في الحالتين وسيلة للتجارة، ونقل الأفكار والتقنيات، وبناء العلاقات الاقتصادية والثقافية.

لكن هذه المقارنة لا تعني أن الحضارتين كانتا متعاصرتين في جميع مراحل ازدهارهما، أو أن تقنيات صناعة السفن انتقلت بالضرورة من إحداهما إلى الأخرى.

إنها تؤكد، قبل كل شيء، أهمية الموقع الجغرافي والمعرفة البحرية في تكوين الحضارات الساحلية.

هل كان للفينيقيين نشاط تجاري في عُمان القديمة؟

من المعروف أن عُمان القديمة كانت جزءًا من شبكات التجارة في منطقة الخليج وبحر العرب، وأنها ارتبطت بحضارات الشرق الأدنى، خصوصًا من خلال المعادن والسلع والاتصالات البحرية.

وكان النحاس العُماني من السلع المهمة في التبادل التجاري خلال العصر البرونزي، عندما ارتبطت المنطقة التي عُرفت في النصوص المسمارية باسم مجان بالتجارة مع بلاد الرافدين.

ومن الناحية الجغرافية، فإن وجود شبكات تجارية تصل الخليج ببلاد الرافدين والمناطق المجاورة يفتح المجال لاحتمال انتقال بعض السلع عبر وسطاء متعددين إلى بلاد الشام.

لكن وجود شبكة تجارية واسعة لا يكفي لإثبات وصول سفن فينيقية إلى صور العُمانية أو تأسيسهم منشآت تجارية فيها.

ولا تتوافر أدلة كافية لإثبات وجود مستعمرة فينيقية معروفة في صور العُمانية خلال العصر الفينيقي.

ولهذا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور مختلفة: وجود تجارة بين مناطق الخليج وبلاد الشام، واحتمال حدوث اتصالات مباشرة بين بحارة المنطقتين، ووجود استيطان فينيقي ثابت في عُمان.

فالأول يدخل ضمن التاريخ الأوسع للتبادل التجاري في الشرق الأدنى، والثاني يحتاج إلى أدلة أكثر تحديدًا، أما الثالث فلا يزال غير مثبت بالنسبة إلى صور العُمانية.

هل يمكن أن يكون بعض الفينيقيين من أصول عُمانية؟

من الناحية التاريخية، لا يمكن استبعاد حدوث تنقلات بشرية قديمة بين شرق شبه الجزيرة العربية وبلاد الرافدين وبلاد الشام.

فالهجرات والتجارة والتزاوج والتواصل بين المجتمعات كانت ظواهر متكررة في تاريخ الشرق الأدنى القديم.

وقد احتفظ المؤرخون اليونانيون، كما رأينا، بروايات تربط الفينيقيين بالخليج.

لكن القول إن بعض أسلاف الفينيقيين ربما كانت لهم صلات بشرق الجزيرة العربية يختلف عن القول إن جميع الفينيقيين عُمانيون الأصل.

كما أن وصف سكان تلك العصور بأنهم «عُمانيون» أو «لبنانيون» بمعنى الهوية الوطنية الحديثة قد يكون مضللًا، لأن الدول والهويات المعاصرة لم تكن موجودة بالشكل نفسه قبل آلاف السنين.

والأدق هو الحديث عن سكان المناطق التي تقع اليوم ضمن سلطنة عُمان أو لبنان، وعن المجموعات البشرية والثقافية التي عاشت فيها.

لذلك يمكن اعتبار وجود مساهمات سكانية قديمة من شرق الجزيرة العربية في تكوين بعض مجتمعات الشرق الأدنى احتمالًا قابلًا للدراسة، لكن نسب الحضارة الفينيقية كلها إلى صور العُمانية يتجاوز ما تسمح به الأدلة الحالية.

ما الأدلة المطلوبة لإثبات العلاقة بين صور العُمانية والفينيقيين؟

حتى تصبح فرضية الأصل العُماني للفينيقيين أكثر قوة، لا بد من اكتشاف شواهد يمكن التحقق منها علميًا.

ومن أهم الأدلة المحتملة العثور على نقوش فينيقية مؤرخة في صور العُمانية، أو اكتشاف منشآت ومقتنيات تدل على وجود مجتمع فينيقي فيها خلال الفترة المناسبة.

كذلك يمكن أن تقدم الدراسات المقارنة للفخار والأختام وتقنيات صناعة السفن والدفن والعمارة معلومات جديدة عن طبيعة العلاقات المحتملة بين المنطقتين.

وقد تساعد أبحاث الحمض النووي القديم، إذا توفرت عينات بشرية مناسبة من مواقع أثرية عُمانية ولبنانية، على تحديد بعض أنماط الحركة السكانية.

غير أن التشابه الوراثي وحده لن يكون كافيًا لإثبات انتقال الفينيقيين من مدينة محددة إلى أخرى؛ بل يجب أن تتفق نتائجه مع الشواهد الأثرية والتاريخية.

وقد يكون من المفيد أيضًا إجراء دراسة لغوية تاريخية لأسماء المدن والموانئ في الخليج وبلاد الشام، مع الاهتمام بأقدم الصيغ المكتوبة لهذه الأسماء.

وبدون مثل هذه الأدلة، ستظل العلاقة المباشرة بين صور العُمانية والفينيقيين فرضية تاريخية، لا حقيقة محسومة.

صور اللبنانية وصور العُمانية: تاريخان يستحقان الدراسة

لا تتوقف أهمية مدينة صور العُمانية على إمكانية وجود علاقة بينها وبين الفينيقيين.

فالمدينة تمتلك تراثًا بحريًا عريقًا ومكانة مهمة في تاريخ الملاحة العُمانية، وقد أسهم أهلها في الحفاظ على مهارات بناء السفن والتواصل التجاري عبر البحار.

وفي المقابل، تعد صور اللبنانية إحدى أبرز حواضر الحضارة الفينيقية، وقد أدرجتها اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي عام 1984، تقديرًا لقيمتها التاريخية والأثرية. UNESCO World Heritage Centre

وقد اشتهرت صور اللبنانية بإنتاج الصبغة الأرجوانية وبقوتها التجارية والبحرية، كما ارتبط اسمها بتأسيس المستوطنات الفينيقية في البحر المتوسط.

ومن الممكن أن تسهم المقارنة العلمية بين تاريخ المدينتين في فهم أوسع لتطور المدن الساحلية القديمة، بصرف النظر عن ثبوت صلة نسب مباشرة بين سكانهما.

فالتاريخ ليس مجرد بحث عن أصل واحد للحضارات، وإنما دراسة متواصلة لطرق انتقال الناس والأفكار والسلع والتقنيات عبر الزمن.

الخاتمة: هل كان الفينيقيون عُمانيين؟

تبقى العلاقة بين الفينيقيين ومدينة صور العُمانية موضوعًا تاريخيًا جديرًا بالبحث، خصوصًا أن بعض المؤرخين القدماء نقلوا روايات عن أصول خليجية للفينيقيين، وأن أسماء بعض المدن في منطقة الخليج تتشابه مع أسماء مدن فينيقية على الساحل الشرقي للبحر المتوسط.

وتمنح هذه الروايات فرضية الصلة الخليجية أساسًا تاريخيًا يستحق الدراسة، لكنها لا تقدم دليلًا مباشرًا على أن الفينيقيين خرجوا من مدينة صور العُمانية تحديدًا.

وفي المقابل، تشير الأدلة الأثرية والوراثية المتاحة إلى جذور عميقة للحضارة الفينيقية في المجتمعات الكنعانية ببلاد الشام، دون أن تنفي إمكانية وجود اتصالات سكانية وتجارية أقدم مع مناطق أخرى من الشرق الأدنى.

ولهذا، فإن القول إن الفينيقيين انطلقوا من صور العُمانية وأسسوا صور اللبنانية يظل فرضية تاريخية غير مثبتة، وليس حقيقة علمية مؤكدة.

ومهما كانت نتائج الأبحاث المستقبلية، فإن تاريخ صور العُمانية البحري يظل شاهدًا مهمًا على المكانة الحضارية التي احتلتها عُمان في شبكات الملاحة والتجارة عبر العصور.

وربما تكشف الاكتشافات الأثرية القادمة مزيدًا من التفاصيل عن العلاقات القديمة بين الخليج العربي والساحل الفينيقي، وتساعد على حل بعض الألغاز التي لا تزال مفتوحة أمام المؤرخين.

المصادر والمراجع

1. هيرودوت، التواريخ، الكتاب الأول، الفقرة الأولى، النص والترجمة المتاحان عبر مشروع Perseus.

2. سترابون، الجغرافيا، الكتاب السادس عشر، الفصل الثالث، الفقرة الرابعة، النص التاريخي الكامل.

3. منظمة اليونسكو، مدينة صور اللبنانية ضمن قائمة التراث العالمي.

4. Haber, M. et al. (2017), Continuity and Admixture in the Last Five Millennia of Levantine History, American Journal of Human Genetics.

5. Matisoo-Smith, E. et al. (2018), Ancient mitogenomes of Phoenicians from Sardinia and Lebanon, PLOS ONE.

6. صحيفة أثير، 5 تساؤلات بين صور العُمانية واللبنانية وباحث تاريخي يجيب عنها، 16 فبراير 2019.

7. جريدة الرؤية العُمانية، هيئة الوثائق تجادل الزمن، دراسة تناولت أوجه العلاقة التاريخية بين صور العُمانية وصور اللبنانية.

8. وزارة التراث والسياحة بسلطنة عُمان، مركز فتح الخير البحري بمدينة صور.

9. National Geographic Education، First Rulers of the Mediterranean، مادة تعليمية عن التاريخ البحري للفينيقيين.

الرابط المختصر لهذه المقالة: https://bayanelm.com/go/YgMgZ/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *