مايو 19, 2026
اقتصاد

العملات الرقمية في الخليج: بين القبول الرسمي والتردد الشعبي

bayanelm 20 1 دقيقة 0
العملات الرقمية في الخليج: بين القبول الرسمي والتردد الشعبي

العملات الرقمية في الخليج: بين القبول الرسمي والتردد الشعبي

مشهد متحول تتشكّل ملامحه بتسارع: دول تتسابق لاستقطاب الشركات، ومواطنون يتساءلون عمّن يحمي أموالهم

لم يعد السؤال في منطقة الخليج العربي: هل نقبل العملات الرقمية؟ بل صار السؤال: كيف نتحكم فيها قبل أن تتحكم فينا؟

على مدى السنوات الأخيرة، شهدت دول الخليج الست تحولاً ملحوظاً في موقفها من الأصول الرقمية، إذ انتقلت من الريبة الكاملة إلى التنظيم الحذر، ومن التحذير العلني إلى التشريع الرسمي. غير أن هذا التحول على مستوى المؤسسات لم ينعكس بالضرورة على ثقة المواطن العادي، الذي يقف بين مطرقة الحماس التقني ومنجل الذاكرة المالية المثقلة بتجارب الخسارة.

الإمارات: نموذج الانفتاح المحسوب

تُمثّل الإمارات العربية المتحدة الحالة الأكثر جرأة في المنطقة. فمنذ إطلاق هيئة تنظيم الأصول الافتراضية (VARA) عام 2022، باتت دبي وجهةً تستقطب شركات الكريبتو من أوروبا وآسيا وأمريكا. وقد منحت السلطات تراخيص تشغيل لعشرات المنصات، بما فيها منصات عالمية كبرى كانت تعمل في رمادية قانونية في بلدانها الأصلية.

“الإمارات لا تنظر إلى الكريبتو كتهديد، بل كفرصة لإعادة رسم خريطة المراكز المالية العالمية — وهي تتحرك بوعي تام بأن نافذة هذه الفرصة لن تبقى مفتوحة إلى الأبد.”

بيد أن المفارقة تكمن في أن عدد المقيمين الإماراتيين الذين يتداولون العملات الرقمية بصورة منتظمة لا يزال أقل مما يوحي به الحجم التنظيمي الضخم. كثيرون يرون في المنصات المرخّصة بيئة آمنة للاستثمار، لكنهم يُحجمون عن الدخول بسبب تقلب السوق وغياب ضمان فعلي للودائع.

المشهد الإقليمي: خريطة التباين

لا يمكن قراءة موقف الخليج من العملات الرقمية بمعزل عن التباينات السياسية والاقتصادية بين دوله. فالبحرين سبقت الجميع حين أصدر مصرفها المركزي أول ترخيص لتبادل الكريبتو عام 2019، فيما تسير السعودية بخطى تدريجية ضمن رؤية 2030 التي تُولي الاقتصاد الرقمي أهمية متصاعدة. في المقابل، تتمسك قطر والكويت بموقف أكثر تحفظاً، إذ يرفض بنك الكويت المركزي حتى اليوم الاعتراف بالعملات الرقمية وسيلةً للدفع. أما عُمان فلا تزال في مرحلة الرصد والدراسة، مع مناقشات جارية حول إمكانية إصدار عملة رقمية وطنية تابعة للبنك المركزي.

التردد الشعبي: أكثر من مجرد جهل

يُخطئ من يُرجع تردد المواطن الخليجي إلى قصور في المعرفة. فالوعي بالعملات الرقمية مرتفع نسبياً، لا سيما بين الشريحة العمرية من 25 إلى 40 سنة. غير أن ثمة عوامل أعمق تشكّل موقف الفرد:

أولها الإرث الديني، إذ يرى بعض العلماء في العملات المشفرة عقداً غررياً لا تضبطه أصول الفقه المالي الإسلامي. وثانيها الذاكرة الجمعية لموجات الانهيار التي اجتاحت السوق بين عامَي 2021 و2022، وأفقدت كثيرين مدخراتهم. وثالثها غياب شبكة الأمان: لا تأمين على الودائع، ولا جهة تتلقى الشكاوى، ولا ملاذ قانوني واضح عند الخسارة.

“أنا لا أرفض التكنولوجيا، أنا أرفض السوق الذي لا ينام ولا يُلزَم بالإفصاح. أريد أن أعرف: إذا خسرت، من أشكو؟”

هذا السؤال — من أشكو؟ — هو في الحقيقة لبّ إشكالية قبول العملات الرقمية في المجتمعات الخليجية. ثقافة الضمان والكفالة والراعي الرسمي المسؤول راسخة عميقاً في المنظومة الاجتماعية للمنطقة. وما دامت العملات الرقمية تفتخر بلامركزيتها واستغنائها عن الوسيط، فهي بذلك تُقدّم نقيض ما يبحث عنه المستثمر الخليجي المحافظ.

الدولة الرقمية: بين CBDC والكريبتو الخاص

ربما تكون العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDC) هي الجسر الذي يُمكّن الجمهور الخليجي من الدخول إلى عالم الرقمنة المالية دون القفز في المجهول. فمشروع “عابر” الذي يجمع الإمارات والسعودية وهونج كونج والصين، ومشروع “شبكة دفع مصرف البحرين المركزي الرقمي”، كلها مؤشرات على أن المنطقة تتجه نحو رقمنة العملة لكن تحت مظلة الدولة، لا خارجها.

هذا الفارق جوهري: عملة رقمية تصدرها الحكومة وتضمنها هي عملة مقبولة. عملة تصدرها خوارزمية مجهولة وتتحكم فيها “الحيتان” هي مضاربة تستوجب الحذر — هكذا يفكر المواطن الخليجي المتوسط، ولا يمكن لائمته.

إلى أين؟

المشهد الخليجي ليس ثنائية صارمة بين قابلٍ ورافض. هو سُلّم متدرج ومتحرك، تصعد عليه الدول والأفراد بخطى متفاوتة. ما هو مؤكد أن الضغط التنافسي بين الدول ذاتها سيُعجّل بالتنظيم؛ لأن دولةً كالسعودية لن تقبل طويلاً أن يستقطب جارها الإماراتي شركات الكريبتو وما يتبعها من وظائف ورساميل وعقول.

وما هو مؤكد أيضاً أن الثقة الشعبية لن تُبنى بالقانون وحده، بل بحوادث صغيرة ومتراكمة: تاجر يقبل الدرهم الرقمي في متجره، وأب يُرسل حوالة لابنه في الخارج بلا رسوم، وموظف يحصل على راتبه في عملة مستقرة محمية رسمياً. عندها، وعندها فقط، يتحول التردد الشعبي إلى قبول هادئ.

رابط المقالة القصير
مشاركة:
20 مشاهدة

اترك تعليقاً