أبريل 24, 2026
تاريخ

دولة النباهنة في سلطنة عمان: الأصول والنشأة والحكم والحضارة

bayanelm 12 1 دقيقة 0

دولة النباهنة في سلطنة عمان: الأصول والنشأة والحكم والحضارة

تُعدّ دولة النباهنة من أبرز الحقب السياسية والحضارية التي مرّت بها سلطنة عمان عبر تاريخها الطويل، إذ امتدت لقرونٍ متعاقبة تركت فيها بصمةً راسخة في ذاكرة الشعب العُماني وفي سجلات التاريخ الخليجي والعربي على حدٍّ سواء. وقد قامت هذه الدولة على أنقاض حكم الأئمة العُمانيين في حقبة انتقالية شهدت فيها البلاد تحولاتٍ جوهرية في بنيتها السياسية والاجتماعية، فكان النباهنة الوجه الملكي المميز الذي حكم عُمان بنظام سلطاني قرابة خمسة قرون، تتخللها فترات من الصراع والتنافس على السلطة مع مؤسسة الإمامة المنتخبة.

وللنباهنة في ذاكرة عُمان حضورٌ يتجاوز مجرد الحكم السياسي، فهم بناة مدن وقلاع، وراعو علم وأدب، وموحّدو أراضٍ شاسعة في وجه التهديدات الخارجية. وتبقى قلاعهم الشامخة وأبراجهم المنيعة في نزوى وبهلاء وغيرها شاهداً حياً على قدرتهم في التشييد والبناء، وعلى فهمهم العميق لمتطلبات الحكم والدفاع في بلاد تتنوع تضاريسها وتتشعب قبائلها.


أولاً: الأصول والنسب

الجذور القبلية

ينتسب النباهنة إلى قبيلة الأزد القحطانية العريقة التي تُعدّ من كبريات قبائل جزيرة العرب وأوسعها انتشاراً. وقد دخل كثيرٌ من عرب الأزد إلى عُمان في موجات الهجرة العربية التي سبقت الإسلام وتلته، وأسهموا في تشكيل الهوية القبلية والثقافية لعُمان على مدى قرون. أما اسم النباهنة تحديداً، فيُنسب إلى جدّهم الأعلى “نبهان” الذي انحدر منه هذا الفرع القبلي الذي استوطن في المنطقة الداخلية من عُمان، واتخذ من مناطق الظاهرة وبهلاء مركزاً لنفوذه المتنامي.

وقد تميّز النباهنة عن غيرهم من الزعامات القبلية بأنهم جمعوا بين شرف النسب العربي العريق، وقدرة التنظيم السياسي والعسكري، وحنكة الإدارة. وهذا المزيج هو الذي أتاح لهم في مرحلة تاريخية حساسة أن يملأوا الفراغ السياسي الذي خلّفه ضعف الإمامة وتشرذم قوى المعارضة، فأسّسوا دولةً كان لها من الديمومة والأثر ما لم يكن لكثير من الكيانات السياسية المعاصرة لها.

الاستقرار في الداخل العُماني

كانت منطقة الداخل العُمانية، وبالتحديد مناطق بهلاء وضنك ووادي بني خالد، هي الحاضنة الأولى للنفوذ النبهاني. وتمتاز هذه المنطقة بموقعها الاستراتيجي في قلب الجزيرة العُمانية، بعيداً عن سواحل البحر التي كانت مطمعاً للقوى البحرية الخارجية، وقريبةً من طرق القوافل التجارية التي تربط عُمان بالجزيرة العربية والهند وأفريقيا. وقد وفّر هذا الموقع للنباهنة عمقاً استراتيجياً وثروةً تجارية، وجعل مناطقهم قلعةً محصّنةً لا يسهل اختراقها.

ومن خلال علاقاتهم القبلية المتشعبة وتحالفاتهم الزوجية الذكية مع كبريات القبائل العُمانية، تمكّن النباهنة تدريجياً من بسط نفوذهم على مناطق متسعة، حتى باتوا القوة المهيمنة في الداخل العُماني قُبيل تأسيس دولتهم الرسمية.


ثانياً: تأسيس الدولة وبداياتها

السياق التاريخي للظهور

لفهم ظهور دولة النباهنة، لا بدّ من استيعاب المشهد السياسي الذي كانت عليه عُمان في القرن الثاني عشر الميلادي. فقد شهدت عُمان في تلك الحقبة حالةً من الضعف السياسي وتراجع مؤسسة الإمامة التي كانت الركيزة الحاكمة للبلاد منذ دخول الإسلام. وكانت الخلافات الداخلية بين القبائل والفصائل الدينية تُضعف مركزية الدولة، مما أوجد فراغاً سياسياً تسارعت القوى المختلفة إلى ملئه.

في هذا المناخ، برز النباهنة كقوة توحيدية قادرة على فرض الاستقرار وإدارة الموارد وتنظيم الدفاع. وعلى الرغم من أن مؤسسة الإمامة كانت تُعدّ في نظر الفقه الإباضي العُماني النموذجَ الحكومي الشرعي الأمثل، إلا أن النباهنة نجحوا في تقديم أنفسهم كبديل عملي في غياب القدرة على إقامة إمامة عادلة مستوفية الشروط.

الملوك الأوائل

يُجمع المؤرخون على أن دولة النباهنة تأسّست في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي، غير أن الروايات تتباين في تحديد مؤسسها الأول بدقة. فبينما تُشير بعض المصادر إلى “محمد بن فلاح النبهاني” كأول ملوكهم البارزين، تذهب روايات أخرى إلى ما هو أسبق من ذلك. والثابت أن الدولة تمكّنت في القرن الثالث عشر الميلادي من توطيد حكمها وجعله سمةً مؤسسية ثابتة لا مجرد زعامة قبلية متذبذبة.

واتخذ النباهنة من قلعة بهلاء المنيعة عاصمةً لهم في مراحل عديدة، وكانت بهلاء مركزاً حضارياً وثقافياً وتجارياً فضلاً عن كونها قلعة عسكرية. وقد استثمر الملوك النباهنة الأوائل موقعهم المتوسط بين القبائل لبناء تحالفات تجعل حكمهم مقبولاً لدى أغلب الأطراف، حتى تلك التي لم تكن تؤيد مبدأ الملكية بديلاً عن الإمامة.


ثالثاً: امتداد الحكم النبهاني وأبرز ملوكه

مرحلة الذروة والتوسع

بلغ الحكم النبهاني ذروته في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، حين تمكّن بعض ملوكه الكبار من فرض سلطتهم على معظم أرجاء عُمان الداخلية، وتنظيم العلاقات مع القبائل على أسس من التوازن والمصلحة المشتركة. وفي هذه الحقبة، كانت عُمان مركزاً تجارياً حيوياً يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي، فكانت السيطرة على الداخل تعني السيطرة على طرق القوافل التجارية ومواردها.

وتذكر المصادر التاريخية أن الملوك النباهنة في هذه الحقبة أولوا اهتماماً بالغاً لتنظيم الزراعة وصيانة أنظمة الري، وبخاصة الأفلاج التي كانت شرياناً للحياة في الداخل العُماني الجاف. وقد استثمروا موارد الدولة في حفر أفلاج جديدة وصيانة القائمة منها، مما أسهم في تنمية الإنتاج الزراعي وتعزيز أمن الغذاء في المناطق الخاضعة لحكمهم.

أبرز الشخصيات النبهانية

الملك أبو الخصيب: يُعدّ من أبرز ملوك النباهنة الذين تركوا أثراً واسعاً في السجل التاريخي العُماني. اشتُهر بقدرته على الجمع بين الحكمة السياسية والقوة العسكرية، وأسهم في توحيد مناطق متفرقة تحت لواء الحكم النبهاني.

الملك سليمان بن سليمان النبهاني: حكم في مرحلة من أشد مراحل الدولة النبهانية حساسيةً، إذ تزامن عهده مع ضغوط خارجية متزايدة وصراعات داخلية معقّدة. ورغم ذلك، نجح في الإبقاء على استمرارية الحكم ومؤسساته.

ملوك القرن الخامس عشر: شهدت هذه المرحلة نهوضاً نبهانياً جديداً، إذ تمكّن بعض ملوكها من استعادة مناطق كانت قد خرجت عن النفوذ النبهاني، وأعادوا تنظيم إدارة الدولة على أسس أكثر متانة ومركزية.

العلاقة مع مؤسسة الإمامة

ظلّت العلاقة بين النباهنة ومؤسسة الإمامة الإباضية من أكثر محاور تاريخهم تعقيداً وإثارةً للجدل. فمن الناحية النظرية، كانت الإمامة في الفقه الإباضي العُماني هي النظام الحكومي الشرعي الأوحد، إذ تقوم على مبدأ الشورى والانتخاب، وتشترط في الإمام توافر مجموعة من الصفات الشرعية والأخلاقية. أما الملكية الوراثية التي اعتمدها النباهنة، فكانت موضع رفض من قِبَل كثير من العلماء والفقهاء الإباضيين.

غير أن الواقع التاريخي كان أكثر مرونةً مما توحي به النظريات الفقهية الصارمة. فقد تعايش الحكم النبهاني مع بعض الأئمة، وتصادم مع بعضهم الآخر. وفي بعض الحقب، لجأ النباهنة إلى إضفاء الشرعية الدينية على حكمهم عبر التحالف مع رجال الدين أو تولّي الإمامة بأنفسهم. وفي حقب أخرى، كانت الحروب مشتعلة بين الطرفين، وكانت المدن تتنقّل بين سيطرة النباهنة وسيطرة الأئمة المنتخبين وفق موازين القوى المتبدّلة.


رابعاً: البنية السياسية والإدارية

نظام الحكم الملكي

اعتمد النباهنة نظام الحكم الملكي الوراثي الذي كان يسير بموجب تقاليد عربية راسخة تُقدّم القوة العشائرية والنسب والقدرة العسكرية معايير أساسية للشرعية. وقد قسّموا البلاد إلى مناطق إدارية يتولى حكمها ولاةٌ من أبناء الأسرة الحاكمة أو من كبار الزعماء القبليين الموالين لها. وكان هؤلاء الولاة يتمتعون بصلاحيات واسعة في إدارة شؤون مناطقهم، غير أنهم كانوا ملزمين بالولاء للملك وبتقديم الجزية وتلبية النداء العسكري عند الحاجة.

وقد اعتمدت إدارة الدولة النبهانية على ثلاثة محاور رئيسية: الولاة العسكريون في المناطق الحدودية والاستراتيجية، ورجال الدين والقضاء الذين كانوا يتولون الفصل في المنازعات وإدارة شؤون الأحوال الشخصية، والكتّاب والمحاسبون الذين كانوا يُشرفون على الموارد المالية والضرائبية.

نظام الضرائب والموارد

استمدّت الدولة النبهانية مواردها المالية من عدة مصادر متنوعة. فعلى رأس هذه المصادر كانت الزكاة والعشور التي تُؤخذ من المحاصيل الزراعية والمواشي، ثم رسوم المرور التي كانت تُفرض على القوافل التجارية العابرة بين المدن الداخلية والسواحل. وكانت رسوم الموانئ التي تُدار بصورة غير مباشرة عبر التحالفات مع شيوخ الساحل مصدراً مهماً آخر، فضلاً عن الجزية التي كانت تُؤدَّى من الأراضي الخاضعة للحكم النبهاني المباشر.

وقد أتاح هذا النظام الضريبي المتنوع للدولة إمكانية تمويل نفقاتها العسكرية وأعمالها الإنشائية، وإن كان توزيع هذه الموارد لم يكن دائماً عادلاً أو متساوياً بين المناطق المختلفة.

المنظومة القضائية

كان القضاء في الدولة النبهانية يقوم على مرجعية الشريعة الإسلامية وفق المذهب الإباضي السائد في عُمان. وكان القضاة يُعيَّنون في المدن الرئيسية، ويتولون الفصل في المنازعات التجارية والأحوال الشخصية والقضايا الجنائية. وفي المناطق القبلية البعيدة، كانت قوانين القبيلة العرفية تُكمل منظومة القانون الرسمي أو تحلّ محله في كثير من الأحيان، مما كان يُفضي أحياناً إلى تعارض بين سلطة الدولة المركزية ومرجعية القبيلة التقليدية.


خامساً: الإنجازات الحضارية والعمرانية

القلاع والحصون

تُعدّ القلاع والحصون النبهانية من أبرز الإرث المادي الذي خلّفته هذه الدولة، وهي شاهدٌ يرفض الصمت على عظمة ما بُني في تلك العصور. وفي مقدمة هذه القلاع:

قلعة بهلاء: التي تُعدّ من أعظم القلاع العربية الإسلامية وأقدمها، وقد أُدرجت على قائمة التراث العالمي لليونسكو في عام 1987. يمتد السور المحيط بها لكيلومترات طويلة، وتحتوي على مساجد وبيوت ومنشآت مائية تكشف عن مدى تعقيد الحياة الحضرية التي عاشها سكانها. وقد أولى النباهنة هذه القلعة عناية خاصة بوصفها قاعدتهم الأولى ومركز حكمهم الأساسي في كثير من المراحل.

قلعة نزوى: وإن كانت نزوى قد شهدت تطوراً عبر حكام متعاقبين، إلا أن النباهنة أسهموا في إضافة وتطوير منشآتها الدفاعية. وتُعدّ نزوى واحدةً من أكثر المدن العُمانية ارتباطاً بالتاريخ السياسي والديني للبلاد.

الأبراج الدفاعية: أنشأ النباهنة شبكة من الأبراج الدفاعية المتناثرة عبر المرتفعات والمضايق الجبلية، وكانت تُشكّل منظومةً للإنذار المبكر والدفاع المتعمق، تسمح لقوات الدفاع بالتحرك السريع والاستجابة لأي تهديد قبل أن يصل إلى المدن.

الأفلاج ومشاريع الري

لا يمكن الحديث عن الإنجازات الحضارية النبهانية دون الوقوف أمام مشاريع الأفلاج التي رعاها الملوك النباهنة وطوّروها. فالفلج نظام هندسي بديع يقوم على حفر قنوات تحت الأرض بانحدار محسوب بدقة لنقل المياه من المناطق الجبلية الغنية بالمياه الجوفية إلى السهول والأودية حيث تقع المزارع والقرى. وقد أسهمت الأفلاج التي رُمِّمت وأُنشئت في العهد النبهاني في استصلاح أراضٍ زراعية شاسعة وتوفير الماء لسكان كانوا يعانون من شحّه.

واليوم، تُدرج عُمان الأفلاج ضمن قائمة التراث العالمي، وكثير منها يعود في أصوله إلى حقب قديمة صانها النباهنة وحافظوا على استمرارها.

الإرث الديني والعلمي

كان النباهنة على الرغم من توجّهاتهم السياسية العملية يُدركون أهمية الدين ورجاله في تثبيت دعائم حكمهم وتحقيق التوازن الاجتماعي. وقد رعوا بناء المساجد في المدن التي خضعت لسلطتهم، وأسهموا في تمويل حلقات العلم الديني التي كانت تُعقد في المساجد والزوايا. كما حرصوا على تقديم أنفسهم حُماةً للمقدسات والمشاعر الإسلامية، وإن كان العلماء الإباضيون لم يكونوا دائماً مُقتنعين بهذا التصوير.

وقد ازدهر في ظل الحكم النبهاني فن الشعر والأدب العربي، إذ كانت بلاط الملوك النباهنة ملتقىً للشعراء والأدباء الذين كانوا يمجّدون انتصاراتهم ويُخلّدون مآثرهم، مما أسهم في تشكيل صورة إيجابية للدولة في الوجدان الشعبي.


سادساً: العلاقات الخارجية والتحديات

علاقات النباهنة مع القوى المحيطة

لم تكن الدولة النبهانية جزيرةً معزولة، بل كانت في تفاعل مستمر مع القوى الإقليمية المحيطة بها. فعلى الصعيد الشمالي، كانت العلاقة مع سلاطين هرمز تتأرجح بين التوافق والتنافس، لا سيما حول السيطرة على حركة التجارة عبر مضيق هرمز وموانئ الخليج. وعلى الصعيد الجنوبي، كانت العلاقة مع قبائل ظفار وحكّامها حاضرةً في المشهد السياسي، وإن كانت المسافة الجغرافية الشاسعة تمنح شيئاً من الاستقلالية لكل طرف.

وعلى الصعيد البحري، كانت عُمان تُهيمن على جزء مهم من طرق التجارة البحرية في المحيط الهندي، وكان ذلك مصدر ثروة لمن يتحكم في سواحلها. وعلى الرغم من أن النباهنة كانوا في جوهرهم قوةً برية داخلية، فإنهم أدركوا أهمية العلاقة مع قبائل وزعامات الساحل العُماني وسعوا إلى توطيد التحالفات معها.

التهديد البرتغالي

مثّل الوصول البرتغالي إلى المحيط الهندي في مطلع القرن السادس عشر الميلادي صدمةً كبرى أربكت منظومة التوازنات الإقليمية القائمة. فحين وصلت السفن البرتغالية إلى سواحل عُمان، ثم عمدت إلى احتلال مسقط وصور وهرمز وغيرها من المواقع الساحلية، وجد النباهنة أنفسهم في مواجهة تحدٍّ استراتيجي لم يسبق لهم أن واجهوا مثيله.

صحيح أن النباهنة لم يكونوا في تلك المرحلة في أوج قوتهم، وأن سيطرتهم على الساحل كانت محدودة أصلاً، غير أن الوجود البرتغالي أحدث تغييرات جذرية في البنية التجارية التي كانت تُغذّي اقتصاد الداخل العُماني. فانهارت شبكات التجارة التقليدية، وتراجعت عائدات رسوم المرور، وبات الداخل العُماني في عزلة شبه تامة عن الأسواق الخارجية. وقد أضافت هذه الضغوط الاقتصادية إلى أزمات النباهنة الداخلية، وأسهمت في تسريع مسار انهيار دولتهم.

الصراعات الداخلية

لم يكن الخطر على الدولة النبهانية خارجياً وحسب، بل كانت الصراعات الداخلية تُمثّل تهديداً أشد فتكاً وأعمق أثراً. فالبنية القبلية المعقّدة لعُمان، مع ما تنطوي عليه من تنافسات وأحقاد موروثة، كانت تجعل من الحفاظ على الوحدة السياسية مهمةً شاقة. وكان الملوك النباهنة يواجهون باستمرار تمرّدات القبائل الساخطة، ومطامع منافسيهم من داخل الأسرة الحاكمة نفسها، إضافةً إلى الضغط المستمر من رجال الدين الإباضيين الذين كانوا يرون في الملكية الوراثية انحرافاً عن المبدأ الشرعي للإمامة.

وقد شهدت الدولة النبهانية على مدار تاريخها فترات من الانقسام والتقسيم حين كان أبناء الأسرة الواحدة يتقاتلون على العرش، مما أضعف البنيان المركزي للدولة وأتاح للمعارضة فرصاً للنمو والتنظيم.


سابعاً: الثقافة والمجتمع في ظل الحكم النبهاني

التنوع القبلي والتعايش الاجتماعي

كانت المجتمعات التي عاشت في ظل الحكم النبهاني تتسم بتنوع قبلي وعرقي واضح. فإلى جانب قبائل الأزد العربية التي ينتمي إليها النباهنة أنفسهم، كانت هناك تجمعات من قبائل عربية أخرى كالمعاولة والحرث والشرقية، وجاليات من الفرس والهنود والأفارقة الذين استوطنوا الموانئ والمدن التجارية. وقد أفرز هذا التنوع ثراءً ثقافياً حقيقياً تجلّى في التبادل المعرفي والتجاري بين هذه المجموعات المختلفة.

وكانت اللغة العربية هي اللغة الجامعة للحكم والعلم والدين، غير أن الحياة اليومية كانت تتشكّل وفق الموروثات الثقافية الخاصة بكل مجموعة. وقد عرف المجتمع العُماني في هذه الحقبة نظاماً اجتماعياً هرمياً تتصدره الأسرة الحاكمة وكبار الزعماء القبليين، ثم رجال الدين والتجار وذوو الثروات، ثم عامة الناس من المزارعين والحرفيين والرعاة، وفي القاعدة كانت فئات العمال والخدم الذين كان وضعهم يتفاوت من منطقة إلى أخرى.

الاقتصاد والتجارة

قامت الحياة الاقتصادية في ظل الحكم النبهاني على ثلاثة محاور رئيسية: الزراعة والتجارة والرعي. ففي وادي بهلاء وما يحيط به من أودية، كانت مزارع النخيل والحبوب والفاكهة مصدراً رئيسياً للعيش وللضرائب. وكانت التجارة بين الداخل العُماني وموانئ الساحل تمرّ عبر قوافل موسمية تحمل التمور والفحم النباتي والسلاح والحيوانات، وتعود محمّلةً بالأقمشة والتوابل والمعادن والبضائع الهندية.

أما الرعي، فكان ركيزةً اقتصادية مهمة للقبائل التي تتنقل بين المراعي الجبلية والسهلية بحسب المواسم، وكانت الدولة تحرص على تنظيم هذا التنقل وحماية المراعي من النزاعات القبلية.

الحياة الدينية

كان المذهب الإباضي هو المرجعية الدينية السائدة في عُمان خلال الحكم النبهاني، وهو مذهب إسلامي متميز يختلف عن السنة والشيعة في بعض الأصول والفروع. وكان العلماء الإباضيون يحظون باحترام بالغ في المجتمع العُماني، وكانت مجالسهم العلمية في المساجد ملتقىً للقضاء والإفتاء وتعليم القرآن والفقه.

وعلى الرغم من التوتر الكامن بين منطق الملكية النبهانية ومبدأ الإمامة الإباضية، فإن الحياة الدينية اليومية كانت تسير بشكل طبيعي، والمساجد كانت تُبنى وتُعمَّر، وحلقات العلم كانت تنعقد، والحج كان يُؤدَّى. وقد حرص النباهنة الأذكياء على التعامل مع العلماء برفق واحترام، مدركين أن استعداءهم قد يُشعل نار المعارضة الشعبية.


ثامناً: أسباب التراجع والسقوط

العوامل الداخلية للضعف

بدأ تراجع الدولة النبهانية بصورة واضحة في القرن السادس عشر الميلادي، وإن كانت جذور هذا الضعف أقدم من ذلك بكثير. فمن أبرز العوامل الداخلية التي أسهمت في إضعاف الدولة: الصراعات المتكررة على العرش بين أفراد الأسرة الحاكمة، التي كانت تستنزف الموارد وتُشتّت الجهود وتُفسح المجال للمنافسين والأعداء. وكانت هذه الصراعات أحياناً تُفضي إلى انقسام البلاد بين حكّام متعددين يحمل كلٌّ منهم اللقب النبهاني، مما كان يُضعف الهيبة المركزية للدولة.

كذلك أسهمت الضرائب المتصاعدة التي فُرضت في مراحل الضعف لتمويل الحروب الداخلية والخارجية في إثارة سخط السكان وتأجيج المعارضة. فضلاً عن التدهور التدريجي لشبكات الري وبعض الأفلاج التي لم تجد من يصونها في مراحل الاضطراب السياسي.

صعود قوة اليعاربة

كان الإطار الناجز لنهاية الدولة النبهانية هو صعود نجم الأئمة اليعاربة في القرن السابع عشر الميلادي. فقد استطاع الإمام ناصر بن مرشد اليعربي، الذي انتُخب إماماً عام 1624م، أن يُعيد توحيد عُمان تحت راية الإمامة الإباضية بعد مسيرة من الجهاد السياسي والعسكري. ونجح في استقطاب القبائل والأسر المتعبة من الصراعات النبهانية المتواصلة، وقدّم نفسه بديلاً شرعياً ومنقذاً حقيقياً يُعيد إلى عُمان وحدتها وكرامتها.

وفي عهد خلفه الإمام سلطان بن سيف اليعربي، اكتملت مسيرة طرد البرتغاليين وتوحيد البلاد. وبذلك، انتهت الحقبة النبهانية رسمياً، لتبدأ عُمان صفحةً جديدة من تاريخها مع الأئمة اليعاربة الذين مدّوا نفوذها إلى ما وراء البحار وجعلوها قوةً بحرية يُحسب لها الحساب.

القراءة التاريخية لنهاية النباهنة

يرى بعض المؤرخين أن نهاية الدولة النبهانية لم تكن هزيمةً بالمعنى الكامل، بل كانت استنفاداً تدريجياً لشرعية سياسية اصطدمت بعوائق بنيوية ذاتية وخارجية لم تستطع تجاوزها. فالملكية الوراثية في مجتمع يُقدّس مبدأ الإمامة المنتخبة كانت دائماً تفتقر إلى الأساس الفلسفي الراسخ، وكان استمرارها رهيناً بالقوة والكفاءة، وحين فترت القوة وغابت الكفاءة، آثرت القبائل وعامة الناس البديلَ الشرعي المتاح.


تاسعاً: الإرث النبهاني في الذاكرة العُمانية

الأثر في التاريخ المعماري

يبقى الأثر النبهاني الأكثر حضوراً في الذاكرة العُمانية الأثر المعماري المتجسّد في القلاع والحصون والمساجد والمنشآت المائية. فقلعة بهلاء التي صنّفتها اليونسكو تراثاً إنسانياً عالمياً تحتضن طبقات من التاريخ النبهاني وما سبقه وما لحق به، وهي اليوم قِبلةٌ للسياح والباحثين من أنحاء العالم. وتعمل السلطنة على ترميم هذا الإرث المعماري وصونه ضمن استراتيجية وطنية شاملة للحفاظ على الموروث الحضاري العُماني.

الأثر في التراث الشفهي

يحمل التراث الشفهي العُماني من قصص وأمثال وملاحم شعرية صوراً متعددة عن الحكم النبهاني، تتراوح بين التعظيم والانتقاد. فبعض القبائل التي ظلّت موالية للنباهنة تروي عنهم حكايات البطولة والكرم والحكمة، بينما تحمل قبائل أخرى في ذاكرتها روايات عن الظلم والاستبداد. وفي هذا التباين تجلٍّ صادق لتعقيد التجربة التاريخية التي لا تُختزل في صورة واحدة.

الأثر في الهوية الوطنية العُمانية

يُقرّ المؤرخون العُمانيون المعاصرون بأن دولة النباهنة رغم إشكالياتها الشرعية كانت جزءاً لا يتجزأ من مسيرة بناء الهوية العُمانية. فهي التي رسّخت مفهوم الدولة المركزية في الداخل، وهي التي صانت الاستقرار وأتاحت استمرار الحضارة في حقب كان يمكن أن تكون أكثر فوضى وانهياراً. ومن ثَمّ، فإن الحديث عن النباهنة في السياق الوطني العُماني الراهن يتجاوز ثنائية الصواب والخطأ السياسي ليصل إلى الاعتراف بمساهمتهم في صياغة الموروث المشترك.


خاتمة

لا تزال دولة النباهنة شخصيةً رئيسية في السرد التاريخي العُماني، بقدر ما تزال قلاعها وأبراجها وأفلاجها شاهداً حياً على قرون من الحكم والبناء. وفي الفجوة بين ما رفضه الفقهاء وما قبله الناس، وما انتقده المعارضون وما احتاجه الواقع، يكمن السر الحقيقي لاستمرار هذه الدولة قرابة خمسة قرون متواصلة.

إن النباهنة، بكل ما اكتنف حكمهم من تعقيد وتناقض، كانوا جزءاً أصيلاً من عُمان، نبتوا في تربتها وشكّلوا هويتها وتركوا في أعماقها بصمةً يصعب محوها. وحين تنظر السلطنة اليوم إلى إرثها الحضاري المتراكم، تجد فيه طبقةً نبهانية لا تُخطئها العين، سواء في الحجارة الصامتة لقلعة بهلاء، أو في جريان الأفلاج الحية، أو في حكاية القبائل التي ما زالت تتذكر.

وهكذا يبقى النباهنة جزءاً من عُمان الكبيرة التي صاغتها الأجيال المتعاقبة، وأغنتها التجارب المتنوعة، وأهّلتها للوقوف اليوم وطناً عريقاً يستحضر ماضيه باعتزاز ويُقبل على مستقبله بثقة.


المصادر والمراجع الرئيسية

  • ابن رزيق، حميد بن محمد، الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، تحقيق ودراسة، مسقط.
  • السيابي، سالم بن حمود، إسعاف الأعيان في أنساب أهل عُمان، وزارة التراث والثقافة، مسقط.
  • الراشدي، أحمد بن سعود، تاريخ عُمان السياسي، مؤسسة الأيام، مسقط.
  • Miles, S.B., The Countries and Tribes of the Persian Gulf, London, 1919.
  • Wilkinson, J.C., The Imamate Tradition of Oman, Cambridge University Press, 1987.
  • Peterson, J.E., Oman’s Diverse Society: Northern Oman, Middle East Journal, 2004.
  • وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان، عُمان عبر التاريخ، الطبعة الثانية، مسقط.
  • UNESCO World Heritage Listing: Bahla Fort and Aflaj Irrigation Systems of Oman.
رابط المقالة القصير
مشاركة:
12 مشاهدة

اترك تعليقاً