الطاقة الشمسية في المنطقة العربية: وعود كبيرة وتحديات أكبر

الطاقة الشمسية في المنطقة العربية: وعود كبيرة وتحديات أكبر
مقدمة: فجر طاقوي في أرض الشمس
تشرق الشمس كل يوم على منطقة تمتد من المحيط الأطلسي غرباً إلى الخليج العربي شرقاً، وتعانق فيها أشعتها صحاري شاسعة وسهولاً مترامية ظلّت لقرون طويلة مجرد أراضٍ قاحلة لا تنتج سوى الحرارة والوهج. غير أن العالم اليوم يُعيد قراءة هذا المشهد بعيون مختلفة، إذ باتت الشمس التي طالما أرهقت سكان هذه المنطقة وأجبرتهم على الاحتماء منها مصدراً للثروة والأمل ورهاناً استراتيجياً لمستقبل الطاقة في العالم كله.
تحتضن المنطقة العربية بين جنباتها نحو 13 مليون كيلومتر مربع، تتوافر فيها بعض أعلى معدلات الإشعاع الشمسي على وجه الأرض، إذ تتراوح في كثير من مناطقها بين 5 و7 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع يومياً، وهو رقم يفوق بمراحل ما تحصل عليه دول صناعية كألمانيا وإسبانيا التي تتصدر المشهد الأوروبي في توليد الطاقة الشمسية. وتبدو المفارقة صارخة حين نعلم أن المنطقة التي تمتلك هذا الكنز الضوئي الهائل لا تزال تعتمد في غالبيتها على النفط والغاز لتلبية احتياجاتها الطاقوية الداخلية، بل إن بعض دولها يُحرق الغاز الطبيعي الثمين لتوليد الكهرباء في حين تتوافر لديها إمكانات شمسية استثنائية لم تُستثمر بعد.
لكن الرياح تتحول اليوم، وتتسارع وتيرة التحول نحو الطاقة الشمسية في أرجاء المنطقة العربية تسارعاً لم يكن متوقعاً قبل عقد من الزمن. من مشروع نيوم في المملكة العربية السعودية إلى محطة بن راشد آل مكتوم في الإمارات، ومن مشروع نور في المغرب إلى محطة بنبان في مصر، تتشكل خريطة طاقوية جديدة للمنطقة العربية. هذه المقالة تتناول هذا التحول الكبير بعمق وموضوعية، مستعرضةً الوعود الحقيقية والتحديات المعقدة التي تعترض طريق هذا المستقبل المشمس.
أولاً: ثروة الشمس — الإمكانات الهائلة للمنطقة العربية
الجغرافيا الشمسية المثالية
لا تحتاج إلى أرقام كثيرة لتفهم ما تعنيه “حزام الشمس”؛ فالمنطقة الممتدة بين دائرتي عرض 15 و35 شمالاً — وهي القوس الذي تقع فيه غالبية الدول العربية — تتميز بصفاء السماء ومحدودية الغيوم وطول ساعات السطوع الشمسي على مدار العام. ففي الرياض يبلغ متوسط ساعات السطوع السنوي نحو 3400 ساعة، وفي أسوان تصل إلى 3800 ساعة، وفي مناطق من الصحراء الكبرى قد تتجاوز 4000 ساعة. وللمقارنة، لا تتجاوز ساعات السطوع في برلين 1700 ساعة سنوياً، مع ذلك تُصنَّف ألمانيا من أكبر منتجي الطاقة الشمسية في العالم.
يُضاف إلى ذلك توافر الأراضي الشاسعة قليلة الكثافة السكانية. فالصحراء العربية الكبرى، وشبه جزيرة العرب، وصحراء النفود والربع الخالي، كلها بقاع هائلة المساحة يكاد يكون استخدامها الاقتصادي معدوماً في ظل النماذج الاقتصادية التقليدية، لكنها تغدو في عصر الطاقة الشمسية أصولاً استراتيجية ذات قيمة استثنائية. وقد قدّرت دراسات عدة أن استغلال 1% فحسب من مساحة الصحراء الكبرى بالألواح الشمسية كافٍ نظرياً لتوليد طاقة تفوق الاستهلاك الكهربائي العالمي بأسره.
مشاريع العمالقة الشمسية
انعكست هذه الإمكانات على حجم المشاريع التي تشهدها المنطقة العربية، إذ لم تعد مقتصرة على محطات متوسطة الحجم، بل باتت تتضمن مشاريع تُسجَّل في موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية.
في الإمارات العربية المتحدة، تتصاعد قدرات مشروع محطة محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في دبي مرحلةً تلو أخرى، مستهدفةً بلوغ 5000 ميغاواط بحلول 2030. وفي أبوظبي، أنجزت محطة “الظفرة” التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 2100 ميغاواط، لتكون في حين إطلاقها أكبر محطة للطاقة الشمسية الكهروضوئية في العالم، وسجّلت في مزايدتها تعريفة 1.35 سنت أمريكي لكل كيلوواط/ساعة — وهو سعر مذهل أثار دهشة المتخصصين في الطاقة حول العالم.
في المملكة العربية السعودية، تطمح رؤية 2030 إلى بلوغ 50% من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030، أي ما يعادل نحو 130 غيغاواط، منها 40 غيغاواط من الطاقة الشمسية الكهروضوئية و25 غيغاواط من الطاقة الشمسية الحرارية المركّزة. ومشروع نيوم — المدينة المستقبلية التي تُشيَّد شمال غرب المملكة — مصمَّم ليعمل بالكامل على الطاقة المتجددة، ويُعدّ في حد ذاته تجربة فريدة لمدينة لا تعتمد على الوقود الأحفوري.
في المغرب، تبرز قصة نجاح لافتة؛ ففي منطقة ورزازات، في قلب الصحراء، أُقيمت محطة “نور” للطاقة الشمسية الحرارية المركّزة التي تضم اليوم ثلاثة مجمعات كبرى (نور I ونور II ونور III) بقدرة إجمالية تتجاوز 500 ميغاواط، مع ميزة فارقة: القدرة على تخزين الطاقة الحرارية وتوليد الكهرباء لساعات طويلة بعد غروب الشمس.
في مصر، يُمثّل مجمع بنبان للطاقة الشمسية في محافظة أسوان أحد أكبر التجمعات الكهروضوئية في العالم، بطاقة تصل إلى 1465 ميغاواط موزعة على 32 محطة تعمل جنباً إلى جنب في بيئة شمسية استثنائية.
ثانياً: المحركات الاستراتيجية — لماذا الآن؟
الانهيار التاريخي في تكاليف الطاقة الشمسية
لا يمكن فهم الطفرة الشمسية الحالية دون استيعاب الثورة التكنولوجية التي شهدتها هذه الصناعة خلال العقد الأخير. فمنذ عام 2010، انخفضت تكلفة الألواح الشمسية بأكثر من 90%، وتراجعت تكلفة الطاقة الشمسية الكهروضوئية على مستوى المنشآت الكبيرة بما يزيد على 88% خلال الفترة ذاتها وفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) التي تتخذ من أبوظبي مقراً لها.
هذا الانخفار الحاد جعل الطاقة الشمسية في مناطق كثيرة من العالم العربي المصدر الأرخص لتوليد الكهرباء، متجاوزةً حتى محطات الغاز الطبيعي الجديدة من حيث تكلفة المكيلوواط/ساعة. وحين تسجل مشاريع كالظفرة وغيرها تعريفات تاريخية متدنية، فإن ذلك يعكس ليس فحسب الوفرة الشمسية للمنطقة، بل أيضاً المنافسة الحادة التي يفرضها الشركاء الدوليون والتقنيات المتطورة.
ضغوط التنويع الاقتصادي
تتشارك معظم الدول العربية النفطية هاجساً مشتركاً: الاعتماد المفرط على عائدات النفط والغاز في ميزانياتها العامة، وهو اعتماد يجعلها هشّة أمام تقلبات أسواق الطاقة العالمية. وقد جاءت صدمة أسعار النفط بين عامَي 2014 و2016 لتُرسّخ هذا الإحساس بالهشاشة وتُعجّل باعتماد رؤى تنموية طموحة كرؤية 2030 السعودية، ورؤية الإمارات 2071، وخطط التنويع الاقتصادي الكويتية والقطرية والعُمانية.
وفي هذا السياق، تحتل الطاقة الشمسية مكانة مزدوجة: فهي من جهة بديل محلي رخيص يخفف الضغط على الغاز المستخدم داخلياً ويُتيح تصديره بدلاً من حرقه في محطات الكهرباء المحلية، ومن جهة أخرى صناعة ناشئة يمكن أن تُوجد آلاف الوظائف وتجذب الاستثمارات الأجنبية وتُنشئ نظاماً بيئياً صناعياً متكاملاً يتجاوز مجرد توليد الكهرباء.
أجندة المناخ والالتزامات الدولية
صعد المناخ ليتصدر جداول الأعمال الدولية، ووجدت الدول العربية نفسها في موضع لافت للتناقض: فهي من أكبر منتجي الوقود الأحفوري في العالم، لكنها في الوقت ذاته من أكثر المناطق عرضةً للتغيرات المناخية وتداعياتها، من ارتفاع درجات الحرارة وزيادة التطرف المناخي إلى شح المياه وتصاعد العواصف الرملية.
أسهم استضافة مؤتمر COP28 في دبي نهاية عام 2023 في تسليط الضوء على مسؤولية المنطقة المزدوجة كمُنتِج للوقود الأحفوري ومتأثر رئيسي بتغير المناخ. وقد أعلنت الإمارات عن هدف الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول 2050، فيما أعلنت السعودية عن هدف مشابه بحلول 2060، وهي التزامات تتطلب توسعاً هائلاً في الطاقة المتجددة.
ثالثاً: التحديات البنيوية — الطريق ليس مفروشاً بالألواح الشمسية
رغم الإمكانات الهائلة والزخم المتسارع، تواجه الطاقة الشمسية في المنطقة العربية تحديات حقيقية وعميقة تستوجب دراسة موضوعية بعيدة عن النشوة الخطابية.
إشكالية التخزين وانقطاع الإنتاج
الشمس لا تشرق ليلاً، وهذه الحقيقة البديهية تُشكّل التحدي الأكبر أمام الاعتماد على الطاقة الشمسية كمصدر رئيسي للكهرباء. فحين ترتفع درجات الحرارة في أشهر الصيف إلى 45 درجة مئوية وما فوقها في دول الخليج العربي، يبلغ الطلب على الكهرباء ذروته في ساعات المساء والليل حين تعمل أجهزة التكييف على أقصى طاقتها — وهي بالضبط الساعات التي تتوقف فيها الألواح الشمسية عن الإنتاج.
تقنيات تخزين الطاقة، سواء أبطاريات الليثيوم أو الهيدروجين الأخضر أو التخزين الحراري المركّز، تشهد تطوراً متسارعاً، لكنها لا تزال تُمثّل تكلفة إضافية كبيرة تُؤثر على الجدوى الاقتصادية للمشاريع. وحتى الآن، تعتمد معظم شبكات الكهرباء في المنطقة على مزيج من المصادر — الشمسية والغاز والنفط — مع الحفاظ على قدرة احتياطية تقليدية لضمان استمرارية الإمداد.
ضعف البنية التحتية للشبكات الكهربائية
حتى حين تُنتج مشاريع الطاقة الشمسية الكهرباء، تظل مسألة نقلها وتوزيعها تحدياً بالغاً. فشبكات الكهرباء في كثير من الدول العربية بُنيت أصلاً لتوزيع كهرباء مولّدة من محطات مركزية كبيرة، وهي ليست مُهيَّأة لاستيعاب تدفق الطاقة من مصادر منتشرة جغرافياً ومتقطعة زمنياً كالطاقة الشمسية.
ويزداد التحدي تعقيداً بالنسبة للدول التي تنتج الطاقة الشمسية في مناطق نائية بعيدة عن مراكز الاستهلاك. فمجمع نور في المغرب، على سبيل المثال، يستلزم خطوط نقل طويلة لإيصال الكهرباء من ورزازات الصحراوية إلى المدن الساحلية. وتكاليف هذه البنية التحتية لا تُدرج دائماً في حسابات تكلفة المشروع الشمسي ذاته، مما يُخفي جزءاً من الكلفة الحقيقية للمنظومة.
الاعتماد على الكفاءات والتقنية الأجنبية
رغم ضخامة المشاريع الشمسية في المنطقة العربية، تظل نسبة المحتوى المحلي منها متواضعة في أغلب الأحيان. فالألواح الشمسية تُستورد بصفة رئيسية من الصين، والتقنيات الهندسية المتقدمة تأتي من شركات أوروبية وأمريكية وكورية، فيما يبقى دور الكوادر المحلية في الغالب محصوراً في مرحلة التشغيل والصيانة.
يعني ذلك أن الثروة المولَّدة من الطاقة الشمسية لا تتحول تلقائياً إلى ثروة تقنية أو صناعية لصالح الدول المُضيفة. وتسعى دول كالإمارات والسعودية بشكل متصاعد إلى اشتراط نسب محتوى محلي في عقودها، واستقطاب شراكات لنقل التكنولوجيا، وبناء صناعات مساندة كالتصنيع الخلوي والمكونات الهندسية. غير أن طريق بناء هذه القدرات الصناعية طويل ويستلزم عقوداً من الاستثمار في التعليم والبحث والتطوير.
قيود التمويل وإشكاليات الحوكمة
تُشكّل الدول العربية الغنية بالنفط كالإمارات والسعودية وقطر نموذجاً مختلفاً عن دول كالأردن واليمن والمغرب ومصر التي تُعاني قيوداً تمويلية حادة. فتمويل مشاريع الطاقة الشمسية الكبيرة يستلزم قروضاً طويلة الأمد بتكاليف معقولة، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل تصنيفات ائتمانية متدنية أو بيئات استثمارية هشة.
وتُضاف إلى ذلك تحديات الحوكمة المتعلقة بتنظيم قطاع الكهرباء. فمعظم الدول العربية تتبع نموذج شركات الكهرباء الوطنية المملوكة للدولة والمدعومة بدرجة أو أخرى، وهو نموذج لا يُشجع بالضرورة على الكفاءة الاقتصادية أو الإصلاح التنافسي. وحتى تتمكن الطاقة الشمسية من الاندماج الحقيقي في هذه المنظومة، يتطلب الأمر إصلاحات هيكلية لقطاع الكهرباء قد تكون سياسياً أصعب من إنشاء المحطات ذاتها.
التكيّف المناخي: العدو المزدوج
تطرح الطبيعة البيئية للمنطقة العربية تحدياً من نوع خاص: فالغبار والرمال المتطايرة تترسب على سطح الألواح الشمسية وتُقلّص كفاءتها بنسبة يمكن أن تصل إلى 40% في حالات الغبار الكثيف. وتنظيف هذه الألواح يستلزم كميات من الماء في بيئات شحيحة المياه أصلاً، أو اعتماد تقنيات تنظيف جاف باهظة التكلفة، أو روبوتات متخصصة لا تزال في مرحلة التطوير.
علاوة على ذلك، تُؤثر ارتفاعات درجات الحرارة الشديدة على كفاءة الخلايا الكهروضوئية ذاتها؛ فالألواح الشمسية، خلافاً للتصور الشائع، تنتج طاقة أفضل في درجات حرارة معتدلة لا في الحرارة الشديدة. وتدل الدراسات على أن كفاءة الخلايا الكهروضوئية تتراجع بنحو 0.5% لكل درجة مئوية فوق 25°C، مما يجعل بيئات الصحراء العربية بحاجة إلى تصاميم هندسية خاصة تراعي هذا العامل.
رابعاً: نماذج متباينة — الخليج ومشرق العالم العربي ومغربه
لا يمكن الحديث عن المنطقة العربية ككتلة واحدة متجانسة، فثمة تباينات جوهرية في المقاربات والإمكانات والنتائج.
نموذج الخليج: الطموح النفطي يتحول شمسياً
تمتلك دول الخليج العربي حُكماً على ورقة اللعب الأهم: رأس المال. وما تفعله الإمارات والسعودية اليوم هو توظيف عائدات النفط لتمويل الانتقال نحو ما بعد النفط، في استراتيجية تاريخية تُشبه من يستثمر في إعادة اختراع الدجاجة التي تبيض ذهباً. وشركات كـ”مصدر” الإماراتية و”أكوا باور” السعودية باتت لاعبين عالميين في سوق الطاقة المتجددة، لا في المنطقة العربية وحسب بل في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
نموذج المغرب: الرهان الاستراتيجي الجريء
تستحق تجربة المغرب وقفة خاصة، إذ يفتقر البلد إلى النفط والغاز لكنه يمتلك إرادة سياسية واضحة وتصوراً استراتيجياً طويل الأمد. من خلال الشراكة مع صندوق المناخ الأخضر والتعاون الأوروبي وخبرة شركات دولية كأكوا باور ووبشير، بنى المغرب قدرات شمسية ريحية مدمجة تجعله يستهدف تصدير الطاقة المتجددة — أو الهيدروجين الأخضر المنتج منها — إلى أوروبا عبر الكابلات البحرية. هذا التحوّل من مستورد للطاقة إلى مُصدِّر محتمل لها يُعدّ أحد أبرز قصص النجاح في المنطقة.
نموذج الهشاشة: دول ما بعد الأزمات
في المقابل، تعاني دول كسوريا واليمن وليبيا من بنية تحتية مدمرة وأوضاع أمنية هشة تجعل مشاريع الطاقة الشمسية الكبرى شبه مستحيلة في الأمد المنظور. غير أن ثمة نافذة مضيئة: الطاقة الشمسية اللامركزية، أي الألواح الصغيرة على الأسطح والأنظمة الميكروية، تمثل في هذه السياقات حلاً عملياً يُتيح للأسر والمنشآت الصغيرة الحصول على كهرباء في غياب الشبكة الوطنية الموثوقة.
خامساً: الهيدروجين الأخضر — الجبهة الجديدة للطاقة الشمسية العربية
لا يتوقف الطموح الشمسي عند توليد الكهرباء، بل يمتد إلى ما بات يُعرف بـ”الهيدروجين الأخضر” — أي الهيدروجين المُنتَج بتحليل الماء كهربائياً باستخدام طاقة شمسية أو ريحية نظيفة. ويُعدّ الهيدروجين الأخضر وقود المستقبل لقطاعات يصعب كهربتها كصناعة الصلب والأسمنت والشحن البحري والطيران.
وقد انتبه صانعو القرار في المنطقة العربية مبكراً إلى هذه الفرصة. ففي السعودية، يُعد مشروع “نيوم” للهيدروجين الأخضر — المقرر إنتاجه في مدينة تبوك — أحد أكبر مشاريع الهيدروجين الأخضر في العالم. وفي الإمارات، تعكف “مصدر” والشركات الشريكة لها على وضع خارطة طريق لتصدير الهيدروجين الأخضر إلى أوروبا واليابان. أما المغرب وموريتانيا، فتمتلكان إمكانات ريحية وشمسية مدمجة استثنائية تجعل الهيدروجين الأخضر رهاناً اقتصادياً مشروعاً لمستقبلهما.
غير أن الهيدروجين الأخضر يحمل تحدياته الخاصة: فكفاءة دورة الطاقة الكاملة (من شمس إلى هيدروجين إلى استخدام) لا تتجاوز حالياً 25-35%، وتكاليف الإنتاج والتخزين والنقل لا تزال مرتفعة قياساً بالوقود التقليدي، فضلاً عن أن البنية التحتية العالمية للهيدروجين لا تزال في مراحلها الجنينية.
سادساً: أبعاد اجتماعية وإنسانية — من يستفيد فعلاً؟
يطرح التوسع الشمسي في المنطقة العربية تساؤلات جوهرية حول العدالة الاجتماعية وتوزيع الفوائد. فمشاريع الطاقة الشمسية الكبرى غالباً ما تُقام في مناطق نائية ذات كثافة سكانية منخفضة، فيما تُوجّه الكهرباء المولّدة نحو المدن والمناطق الصناعية. والسؤال هو: هل يصل النور الشمسي إلى المجتمعات الريفية المهمشة؟
في بعض الدول، نجحت برامج الطاقة الشمسية اللامركزية في إحداث فارق حقيقي في حياة الأسر الريفية. ففي الأردن، أتاحت الطاقة الشمسية المنزلية للاجئين السوريين في مخيمات كالزعتري مصدراً للكهرباء بعد أن كانوا يعتمدون على مولدات الديزل الباهظة. وفي اليمن المنكوب، تحوّلت الألواح الشمسية الصغيرة إلى شريان حياة يُشغّل مضخات المياه في القرى ويُضيء المدارس وعيادات الرعاية الصحية.
لكن ثمة خطر حقيقي في أن تتحول الطاقة الشمسية إلى منظومة تعزز الفوارق الاجتماعية: الميسورون يُركّبون الألواح على أسطح منازلهم ويُقلّصون فواتيرهم، فيما يظل الفقراء رهيني شبكة الكهرباء التقليدية وتكاليفها، أو مكشوفين للغلاء حين تنسحب الدولة تدريجياً من دعم أسعار الكهرباء.
سابعاً: التعاون الإقليمي — فرصة ضائعة أم أفق ممكن؟
ربما أكبر إمكانات الطاقة الشمسية العربية غير المُستغلّة تكمن في التعاون الإقليمي. فالمنطقة العربية تمتد عبر مناطق مناخية متنوعة تتكامل إمكاناتها الشمسية والريحية، وربط شبكات الكهرباء الوطنية ببعضها يُتيح تبادل الفائض والعجز وتسوية التفاوتات الزمنية في الإنتاج.
وقد كان مشروع “ديزرتك” — الذي أطلقه كونسورتيوم أوروبي عام 2009 لنقل الطاقة الشمسية الصحراوية إلى أوروبا — رائداً في التصور، لكنه اصطدم بتعقيدات سياسية وتمويلية جعلته في حالة إرجاء شبه دائم. أما على مستوى التكامل الإقليمي بين الدول العربية ذاتها، فلا تزال شبكات الربط الكهربائي محدودة، رغم مشروع الربط الكهربائي الخليجي الذي يُربط بين دول مجلس التعاون الخليجي.
خاتمة: قراءة واقعية لمستقبل مشمس
تقف المنطقة العربية اليوم عند مفترق طرق في رحلتها مع الطاقة الشمسية. إن الوعود حقيقية ومدعومة بأرقام ومشاريع وإرادات سياسية، وإن التحديات جوهرية وتتطلب إجابات هندسية واقتصادية وسياسية واجتماعية متكاملة.
المستقبل الممكن هو ذاك الذي يُوازن بين ثلاثة محاور: أولاً، استثمار الميزة الشمسية الاستثنائية للمنطقة بنماذج أعمال واقعية مبنية على التكلفة الفعلية الكاملة لا على الأرقام المزهرة المُجتزأة. ثانياً، بناء قدرات محلية حقيقية في الصناعة والبحث والكوادر البشرية لضمان أن تكون الطاقة الشمسية مُحرّكاً للتنمية لا مجرد خدمة مستوردة. وثالثاً، ضمان أن تصل فوائد هذا التحول إلى المواطنين كافة، لا فقط إلى شركات الاستثمار ومستهلكي الطاقة الكبار.
الشمس تشرق على الجميع، لكن ضمان استفادة الجميع منها يستلزم خيارات سياسية شجاعة وإصلاحات هيكلية جريئة وتعاوناً إقليمياً لم يبلغ بعد مستوى الطموح المُعلَن. في نهاية المطاف، ليس السؤال هل ستتحول المنطقة العربية إلى الطاقة الشمسية — فهذا بات أمراً شبه محسوم — بل السؤال هو كيف ولصالح من يجري هذا التحول، وهل سيُسهم في بناء مستقبل أكثر عدلاً واستدامة لمئات الملايين ممن يسكنون هذه الأرض المُشمسة.
المقالة تعتمد على بيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)، وتقارير الطاقة العالمية الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، ومصادر متخصصة في شؤون الطاقة في المنطقة العربية.


