مايو 13, 2026
السعودية

يوم التأسيس السعودي: جذور ثلاثة قرون وهوية وطنية راسخة

bayanelm 28 1 دقيقة 0
يوم التأسيس السعودي: جذور ثلاثة قرون وهوية وطنية راسخة

نقدم لكم مقالة بعنوان يوم التأسيس السعودي: جذور ثلاثة قرون وهوية وطنية راسخة

في كل عام، يتوقف التاريخ لحظة عند الثاني والعشرين من فبراير، ليُذكِّر المملكة العربية السعودية وشعبها بلحظة فارقة غيّرت مسار الجزيرة العربية إلى الأبد. هذا اليوم ليس مجرد تاريخ في ورقة أو إجازة رسمية في تقويم، بل هو نافذة مفتوحة على أعماق ثلاثة قرون من البناء والوحدة والعزيمة. إنه يوم التأسيس السعودي، ذكرى الميلاد الأول لدولة ظلّت تتجدد عبر الزمن حتى بلغت ما هي عليه اليوم من مكانة ومهابة.

يوم التأسيس ليس احتفالاً مُصطنعاً أو مناسبة طارئة، بل هو التعبير الرسمي عن وعي حضاري عميق، وعي يُدرك أن الأمم لا تُبنى في يوم واحد، وأن الدول لا تنهض دون جذور راسخة في التربة والتاريخ والهوية. ففي عام 1139 هجري الموافق لعام 1727 ميلادي، أرسى الإمام محمد بن سعود في مدينة الدرعية الصغيرة البذرة الأولى لكيان عظيم، بذرة لم تتوقف عن النمو حتى أصبحت المملكة العربية السعودية كما نعرفها اليوم.

في هذه المقالة، نتجول معاً عبر تاريخ هذا اليوم المجيد، من جذوره التاريخية الضاربة في أعماق الجزيرة العربية، إلى اعتماده رسمياً في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز، مروراً بالسياق الحضاري والإنساني الذي أفرز هذه الدولة العريقة، وصولاً إلى ما يمثله هذا اليوم في حاضر المملكة ومستقبلها.

الجذور الأولى: قبل أن تكون الدولة

لا يمكن فهم يوم التأسيس إلا من خلال فهم الجذور التاريخية التي سبقته، جذور تمتد إلى ما قبل قرون طويلة من تأسيس الدولة السعودية الأولى.

كانت منطقة الجزيرة العربية، وتحديداً نجد في وسطها، تعاني في القرون التي سبقت التأسيس من حالة من التشتت والتفكك السياسي. القبائل متناحرة، والإمارات متشاحنة، والطرق التجارية مضطربة، والعلم والمعرفة في تراجع. لم تكن هناك قوة مركزية تجمع هذه الأطراف وتضمن للناس الأمن والاستقرار.

غير أن الجذور كانت أعمق من ذلك. فمنذ مطلع القرن الخامس الميلادي، استقرّت قبيلة بنو حنيفة في وسط الجزيرة العربية، وأسست مملكة اليمامة التي غدت جزءاً من الدولة الإسلامية الأولى. وفي هذه البقعة المباركة، توارثت الأجيال الانتماء إلى هذه الأرض وقيمها.

ثم جاء الحدث المحوري الذي يُشكّل نقطة البداية المباشرة للتأسيس: في عام 850 هجري الموافق 1446 ميلادي، قدم الأمير مانع بن ربيعة المريدي الحنفي إلى منطقة العارض في نجد، وأقطعه ابن عمه ابن درع منطقتَي غصيبة والمليبيد، فأسّس عليهما مدينة الدرعية التي ستصبح بعد قرون عاصمة لأول دولة سعودية في التاريخ. كان مانع المريدي بذلك يضع اللبنة الأولى في صرح بنائه طويل النفس.

وعلى مدى ما يزيد على مئتين وثمانين عاماً، تعاقب أبناء مانع المريدي وأحفاده على إمارة الدرعية، ينمّونها ويوسّعونها، حتى تهيّأ الزمان والمكان لظهور الرجل الذي سيحوّل هذه الإمارة الصغيرة إلى دولة بمعنى الكلمة.

المؤسس: محمد بن سعود ورجل الساعة

وُلد الإمام محمد بن سعود بن محمد بن مقرن في الدرعية عام 1090 هجري الموافق 1679 ميلادي. نشأ في بيئة الحكم، وتشرّب منذ صغره قيم القيادة والإدارة، وعمل إلى جانب والده وجده حين توليا أمر الإمارة، فاكتسب من التجارب ما أهّله ليكون صاحب رؤية وليس مجرد حاكم.

تولّى الإمام محمد بن سعود مقاليد الحكم في الدرعية عام 1139 هجري، وكان عمره آنذاك نحو ثمانية وأربعين عاماً، في منتصف العمر الذي يجمع بين نضج التجربة وحيوية الطموح. وكان أمامه جزيرة عربية تعاني من الفوضى والاقتتال الداخلي؛ الدرعية نفسها كانت تشهد نزاعاً بين فرعين من أسرة آل مقرن، هما آل وطبان وآل مقرن، مما كان يُشكّل خطراً على الاستقرار الداخلي قبل أي توسع خارجي.

ما يميز الإمام محمد بن سعود أنه لم يكن مجرد حاكم يسعى إلى توسيع رقعة سلطته، بل كان رجل دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فمنذ توليه الحكم، عمل على توحيد الدرعية وإنهاء الفتن الداخلية، وأرسى نظاماً للحكم يقوم على العدل والشريعة، ووفّر الأمن للطرق التجارية، وشجّع العلم والتعليم.

كان يمتلك حساً إدارياً نادراً وقدرة على قراءة الأوضاع، فرأى في تشتت الجزيرة العربية فرصة للتوحيد لا مجرد خطر يجب تفاديه. وقد عمل منذ توليه الحكم على التخطيط الصامت لمرحلة جديدة، مرحلة تتجاوز حدود إمارة الدرعية إلى أفق أوسع.

وكان لشخصيته بُعد آخر يستحق الذكر: أحبّ التأمل والتفكر، وهذا ما أضفى على قراراته طابع الرؤية البعيدة لا التصرف الآني. فلم يكن يبني لعامه بل كان يبني لقرون.

ميثاق الدرعية: التحالف الذي رسم التاريخ

في عام 1157 هجري الموافق 1744 ميلادي، جاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الدرعية قادماً من مدينة العيينة التي أُجبر على مغادرتها. كان الشيخ يحمل مشروعاً إصلاحياً دينياً يسعى إلى تجديد الفهم وإحياء السنة، وكان يبحث عن حاكم يمنحه التمكين والحماية. أما الإمام محمد بن سعود فكان يمتلك دولة ناشئة تحتاج إلى رصيد ديني وشرعية علمية تعزز بنيانها وتوسع نفوذها.

لقي الرجلان بعضهما فكان اللقاء بداية لاحدى أعمق الشراكات في تاريخ الجزيرة العربية. وقع بينهما ما عُرف بـ”ميثاق الدرعية”، وهو اتفاق تاريخي يقوم على مبدأ التعاون بين السلطة الزمنية والمرجعية الدينية، كلٌّ يعمل في مجاله ويدعم الآخر. فالإمام يوفّر الحماية والتمكين للدعوة، والشيخ يمنح الدولة الشرعية العلمية والديني وييبث مبادئ العدل والحق بين الناس.

هذا الميثاق لم يكن مجرد صفقة سياسية عابرة، بل أصبح الركيزة الأساسية التي انطلقت منها الدولة السعودية الأولى في رحلة توحيد الجزيرة العربية. وقد تجلّت نتائجه في السنوات اللاحقة حين بدأت القبائل والإمارات تنضوي تحت راية الدرعية واحدة تلو الأخرى.

تجدر الإشارة هنا إلى أن يوم التأسيس يؤرَّخ بعام 1727 الذي تولى فيه الإمام محمد بن سعود الحكم، لا بعام 1744 الذي شهد ميثاق الدرعية. وهذا التمييز دقيق ومهم، إذ يُؤكد أن الدولة سبقت هذا التحالف بسبعة عشر عاماً، وأن أسسها كانت قائمة قبل أن تتشكّل هذه الشراكة الكبرى، مما يعني أن الدولة السعودية قامت على إرادة سياسية ذاتية قبل أن تستعين بأي حليف أو شريك.

الدولة السعودية الأولى: دولة المدينة إلى الإمبراطورية

منذ تولّي الإمام محمد بن سعود الحكم، شرعت الدرعية في التحول من مدينة صغيرة في قلب نجد إلى مركز ثقل للجزيرة العربية. وقد سار الإمام وفق خطة واضحة المعالم تقوم على توطيد الداخل أولاً، ثم التوسع إلى المحيط.

في المرحلة الأولى، وحّد الإمام الدرعية وأنهى النزاعات الداخلية، وبسط الأمن على الطرق التجارية التي كانت مصدر ازدهار لكل من يمر بالمنطقة. ثم بدأت مرحلة الانتشار التدريجي في أرجاء نجد، إذ انضمت قبيلة بعد قبيلة وإمارة بعد إمارة إلى الكيان الجديد.

وتوفّي الإمام محمد بن سعود عام 1179 هجري الموافق 1765 ميلادي، بعد أن أمضى ثماني وثلاثين سنة في بناء دولته. خلفه أبناؤه الذين واصلوا المسيرة، فتولّى الإمام عبد العزيز بن محمد مقاليد الحكم، ثم الإمام سعود بن عبد العزيز، الذي شهد عهده امتداداً واسعاً للدولة في مختلف أرجاء الجزيرة العربية، ثم الإمام عبد الله بن سعود.

بلغت الدولة السعودية الأولى في أوج ازدهارها امتداداً جغرافياً واسعاً غطّى معظم أجزاء الجزيرة العربية، من نجد في الوسط إلى الحجاز في الغرب، ومن الأحساء في الشرق إلى أجزاء من اليمن في الجنوب. وكانت الدرعية في قصر سلوى التاريخي في حي الطريف مركزاً إدارياً وحضارياً يشعّ علماً وثقافة وتجارة.

استمرت الدولة السعودية الأولى أربعة وتسعين عاماً، من 1727 حتى 1818 ميلادي، حين واجهت ظروفاً إقليمية صعبة أفضت إلى انهيارها. غير أن ذلك لم يكن نهاية المسيرة، بل كانت استراحة مؤقتة في رحلة طويلة.

الدولة السعودية الثانية والثالثة: استمرارية الإرادة

لم تمضِ سنوات طويلة حتى أطلّت الدولة السعودية مجدداً برأسها. ففي عام 1824 ميلادي، استعاد الإمام تركي بن عبد الله بن محمد دولة جده، وعُرفت الدولة الجديدة بـ”إمارة نجد”، واتخذت من الرياض عاصمة لها بدلاً من الدرعية التي كانت قد تعرضت للدمار.

وقد صمدت هذه الدولة حتى عام 1891 ميلادي، حين دخلت في أتون صراعات داخلية أفضت إلى ضعفها. ثم جاء الفصل الأهم في يناير 1902، حين أطلق الأمير الشاب عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود مغامرته التاريخية، فاستردّ الرياض من يد منافسيه في عملية جريئة ستبقى من أشهر صفحات التاريخ السعودي.

بعد ذلك، واصل الملك عبد العزيز جهوده على مدى ثلاثة عقود في توحيد أجزاء الجزيرة العربية المتفرقة، حتى أصدر في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1932 مرسومه التاريخي بتوحيد المملكة وتسميتها “المملكة العربية السعودية”، وهو اليوم الذي يُحتفل به حتى اليوم يوماً وطنياً.

هكذا نرى كيف تمتد خيوط التاريخ من الدولة الأولى إلى الثانية إلى الثالثة دون انقطاع حقيقي في الإرادة والمشروع. ثلاث دول في الاسم والشكل، لكنها في الجوهر استمرارية واحدة لمشروع أرسى دعائمه الإمام محمد بن سعود قبل ثلاثة قرون.

الإعلان الرسمي: يوم التأسيس مناسبة وطنية

لم يكن التاريخ بحاجة إلى أن يُعلن عنه، فهو موجود في كتب التاريخ والوجدان الشعبي. لكن الأمور اكتسبت بُعداً رسمياً وشعبياً أعمق حين أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود أمره الملكي الكريم بتاريخ الرابع والعشرين من جمادى الآخرة عام 1443 هجري، الموافق السابع والعشرين من يناير 2022 ميلادي، بتحديد الثاني والعشرين من فبراير من كل عام يوماً للذكرى السنوية لتأسيس الدولة السعودية، أطلق عليه اسم “يوم التأسيس”، وجعله إجازة رسمية في جميع القطاعات.

جاء هذا الأمر الملكي، وفق ما صدر عن القيادة السعودية، اعتزازاً بالجذور الراسخة لهذه الدولة المباركة، وارتباطاً بمواطنيها الوثيق بقادتها منذ عهد الإمام محمد بن سعود قبل ثلاثة قرون. وهو ما أكده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بقوله: “لدينا عمق تاريخي مهم جداً موغل بالقدم ويتلاقى مع الكثير من الحضارات”.

اللافت في هذا القرار أنه لا يُعيد اختراع التاريخ، بل يُصحّح النظرة إليه. فقد كان التاريخ الأكاديمي والمدرسي يُؤرّخ لبداية الدولة السعودية الأولى بعام 1744 ميلادي، وهو عام ميثاق الدرعية مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب. غير أن الأمر الملكي أعاد الأمور إلى نصابها الصحيح بالتأكيد على أن بداية الدولة كانت مع تولي الإمام محمد بن سعود الحكم عام 1727، أي بسبعة عشر عاماً سابقة لذلك التحالف. وهذا تصحيح تاريخي جوهري يُؤكد أن الدولة كانت كياناً سياسياً مستقلاً له هويته وأسسه قبل أي تحالف لاحق.

الهوية البصرية ليوم التأسيس

حرصت الجهات الرسمية السعودية على منح يوم التأسيس هوية بصرية مميزة تعكس العمق التاريخي والحضاري لهذه المناسبة. فقد كُتبت عبارة “يوم التأسيس – 1727م” بخط مستلهم من مخطوطات عديدة وثّقت تاريخ الدولة السعودية الأولى، لتكون الرسالة الشاملة للشعار مرتبطة بالقيم التي تمثل الثقافة السعودية المشتركة، وموصلة لمعاني الفخر والحماس والأصالة والترابط.

كما ارتبطت هذه الهوية البصرية بمفاهيم الضيافة والكرم والمعرفة والعلوم، تلك القيم التي ميّزت الدرعية في عصرها الذهبي. وقد جاءت الهوية البصرية في احتفالات بعض الأعوام تحت شعار “يوم بدينا” لتعزيز القيم والمعاني المرتبطة بهذه المناسبة الوطنية، ومُرسِّخةً للاعتزاز بالإرث الثقافي والاجتماعي.

ونخوة الدولة التي تمثل الروح الجامعة لهذا اليوم هي “نخوة العوجا”، في إشارة إلى وادي العوجا التاريخي الذي ارتبط بجذور الأسرة الحاكمة والدولة السعودية.

الدرعية: عاصمة الروح والتاريخ

لا يمكن الحديث عن يوم التأسيس دون التوقف عند مدينة الدرعية، تلك المدينة التي ليست مجرد بقعة جغرافية بل رمز حضاري وروحي في الوجدان السعودي. تقع الدرعية على بُعد عشرين كيلومتراً فحسب من العاصمة الرياض، على ضفاف وادي حنيفة الخصيب.

في عصر الدولة السعودية الأولى، لم تكن الدرعية مجرد عاصمة سياسية، بل كانت مركزاً حضارياً متكاملاً للعلم والثقافة والتجارة. شكّلت نقطة عبور مهمة لقوافل الحج والتجارة، وكانت موئلاً للعلماء والأدباء والحرفيين. فقد حرص الإمام محمد بن سعود ومن جاء بعده على نشر العلم والتعليم وجعله من أولويات الدولة، حتى أضحت الدرعية نموذجاً حضارياً تحوّلت فيه دولة المدينة الصغيرة إلى دولة واسعة توحّدت حولها الأرجاء.

وقد شهدت الدرعية منذ ظهور الدولة السعودية الأولى ظهور كثير من العلماء وازدهار المعارف والنواحي العلمية والاقتصادية، وأُنشئ فيها كثير من المؤسسات والنظم الإدارية. وأصبحت مصدر جذب اقتصادي واجتماعي وفكري وثقافي لكل المنطقة.

اليوم، تتحوّل الدرعية إلى منطقة تاريخية وسياحية عالمية، وأُدرج حي الطريف فيها ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، مما يُضفي على هذا الموقع الاعتراف الدولي بقيمته الحضارية الفريدة.

يوم التأسيس وتعزيز الهوية الوطنية

يؤدي يوم التأسيس دوراً محورياً في تشكيل الهوية الوطنية السعودية وتعزيزها. فهو ليس مناسبة للنظر إلى الماضي فحسب، بل هو فرصة لاستشراف الحاضر والمستقبل من خلال استلهام دروس التاريخ وعِبَره.

في هذا اليوم، يُدرك المواطن السعودي أنه ليس وليد لحظة عابرة، بل هو امتداد لتراث إنساني وحضاري يمتد لأكثر من ثلاثة قرون من الوحدة والبناء والعطاء. وأن الدولة التي يعيش في كنفها لم تقم بسحر الساحر أو بقوة خارجية، بل بنضال أبناء هذه الأرض وعزيمتهم وحكمة قيادتهم.

يُعزز يوم التأسيس كذلك الشعور بالانتماء إلى مشروع وطني واحد يتجاوز الانتماءات القبلية والمناطقية الضيقة. فكما أن الإمام محمد بن سعود وحّد القبائل والمناطق تحت راية واحدة، فإن يوم التأسيس يذكّر أبناء هذا الوطن بأن قوتهم في وحدتهم وتماسكهم.

ويرى المحللون أن الاهتمام الرسمي بيوم التأسيس جاء في سياق توجه أشمل نحو استعادة الهوية الثقافية السعودية الأصيلة وتعزيزها، ضمن منظومة التحولات التي تشهدها المملكة في إطار رؤية 2030. فهذه الرؤية لا تبني مستقبلاً منفصلاً عن الماضي، بل تبني مستقبلاً مستنيراً بدروس الماضي ومحتفياً بموروثه الحضاري.

فعاليات الاحتفال وألوان الفرح

تتنوع فعاليات الاحتفال بيوم التأسيس وتشمل طيفاً واسعاً من الأنشطة الثقافية والاجتماعية والترفيهية. ففي الرياض والمدن الكبرى، تُقام احتفالات رسمية بحضور مسؤولين ومواطنين وضيوف من مختلف أنحاء العالم. وتُطلق ألوان الزينة وتتصاعد الألعاب النارية في سماء المدن، لتُضفي طابعاً احتفالياً يعكس عمق الفرحة الوطنية.

تُقام المعارض التاريخية والثقافية التي تُعرّف الزوار بحقبة التأسيس وبطولات المؤسسين. كما تُنظَّم في المدارس والجامعات محاضرات وورش عمل تُعرّف الأجيال الجديدة بتاريخ الدولة وأهميتها، وتُنشر مواد تعليمية تُيسّر الوصول إلى هذا الإرث التاريخي الغني.

وتحتلّ الفعاليات التراثية مكانة بارزة في برنامج الاحتفالات؛ فالعروض الشعبية من رقصات الدبكة والعروض الفلكلورية تستعيد روح التراث السعودي بكل تفاصيله وألوانه. كما تشهد هذه المناسبة إقامة فعاليات رياضية محلية تعزز الروح الوطنية.

ولا يكتمل الاحتفال دون الموائد التي تزيّنها الأطباق الشعبية التراثية، وفي مقدمتها الجريش ذلك الطبق الأصيل الذي يُطهى بالقمح المجروش واللبن. وتتصدر القهوة السعودية المشهد أيضاً برائحتها الزكية ومكوناتها التراثية من الهيل والزعفران، لتكون الرفيق الدائم للجلسات والتجمعات في هذا اليوم البهيج.

وفي عالم التواصل الاجتماعي، يُعبّر الملايين من المواطنين والمقيمين عن مشاعر الفخر والانتماء من خلال منشوراتهم وصورهم التي تُزيّن بألوان العلم السعودي والرموز الوطنية، فيغدو الفضاء الرقمي امتداداً طبيعياً للاحتفال في الشوارع والميادين.

يوم التأسيس ويوم التأسيس والمقارنة مع اليوم الوطني

كثيراً ما يتساءل الناس عن الفرق بين يوم التأسيس واليوم الوطني السعودي. والحقيقة أن المناسبتين مختلفتان في مرجعيتهما التاريخية وإن كانتا تشتركان في الطابع الوطني الاحتفالي.

يوم التأسيس، الذي يُحتفل به في الثاني والعشرين من فبراير، يُحيي ذكرى تأسيس الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود عام 1139 هجري، ويُعدّ البداية الفعلية لتاريخ المملكة ويركّز على إبراز الجذور التاريخية والثقافية للدولة السعودية الأولى وما قدمته من استقرار وتوحيد في الجزيرة العربية.

أما اليوم الوطني، الذي يُحتفل به في الثالث والعشرين من سبتمبر، فيُحيي ذكرى توحيد المملكة العربية السعودية الحديثة على يد الملك عبد العزيز آل سعود عام 1932، ويحتفل بإنجازات المملكة الحديثة ويعكس التطور والنهضة في مختلف المجالات.

يُكمل يوم التأسيس اليوم الوطني ولا يتعارض معه؛ فإذا كان اليوم الوطني يحتفي بنضج الدولة ووحدتها الشاملة، فإن يوم التأسيس يحتفي بذاكرتها الأولى وجذورها العميقة. ومعاً يُشكّلان منظومة وطنية متكاملة تربط الماضي بالحاضر وتفتح الأفق نحو المستقبل.

العمق الحضاري: ثلاثة قرون من الإنجاز

يُوفّر يوم التأسيس فرصة حقيقية للتأمل في عمق الإنجاز الحضاري السعودي عبر ثلاثة قرون. فمن دولة مدينة صغيرة في وسط نجد إلى مملكة تمتد على مساحة مليونين ومئة وخمسين ألف كيلومتر مربع، ومن إمارة بدائية التنظيم إلى دولة حديثة تتطلع إلى ريادة العالم في عدد من المجالات ضمن رؤية 2030، هذه الرحلة الاستثنائية لا تُحكى في صفحة واحدة.

ثلاثة قرون شهدت قيام ثلاث دول وسقوط اثنتين منها، لكن الإرادة بقيت دائماً أقوى من الانتكاسات. ثلاثة قرون شهدت توحيد جزيرة عربية كانت مشتّتة إلى مملكة واحدة موحّدة. ثلاثة قرون تحوّلت فيها منطقة اعتراها الإهمال والجهل إلى مركز استقطاب للتعليم والعلم والحضارة، ثم إلى قوة اقتصادية عالمية مؤثرة.

يُذكّرنا يوم التأسيس بأن الأمم العظيمة لا تُبنى في جيل واحد، وأن المشاريع الكبرى تحتاج إلى صبر الحكماء وعزم القادة وإيمان الشعوب. وهذا بالضبط ما جسّده الإمام محمد بن سعود حين وضع أسس دولته، وما جسّده أحفاده من بعده حين صمدوا واستمروا.

يوم التأسيس في ضوء رؤية 2030

لا يمكن قراءة يوم التأسيس في عزلة عن رؤية 2030 التي تُشكّل الأفق الاستراتيجي للمملكة العربية السعودية في المرحلة الراهنة. فهذه الرؤية، بمحاورها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تستلهم عمقها من الموروث التاريخي وتتسلح به لبناء مستقبل مشرق.

يُجسّد يوم التأسيس في هذا السياق رسالة واضحة: المملكة لا تبني هويتها من الصفر، بل تبنيها على قاعدة راسخة من القيم والتقاليد والتاريخ المشترك. الانفتاح على العالم والتحديث في مختلف المجالات لا يعني قطع الصلة بالجذور، بل إثراء هذه الجذور وتجذيرها في تربة العصر.

كما يُوظَّف يوم التأسيس في خدمة أهداف القطاع الثقافي والسياحي الذي يُعدّ أحد محاور رؤية 2030. فاحتفالات التأسيس تُضخّ الروح في القطاع السياحي، وتُحيي المناطق التراثية كالدرعية، وتُعرّف العالم بعمق الحضارة السعودية. وقد رأينا كيف تضاعفت الاستثمارات في الدرعية وكيف باتت وجهة سياحية عالمية تستقطب الزوار من كل أنحاء العالم.

خاتمة: يوم بدينا… ويوم نكمل

يوم التأسيس السعودي ليس مجرد تاريخ في تقويم، بل هو معلم من معالم الهوية الوطنية ومرساة في بحر التاريخ. في كل ثاني وعشرين من فبراير، يلتفت الشعب السعودي إلى الوراء ليرى كيف بدأت الرحلة، ثم يلتفت إلى الأمام ليرى أين يسير.

الإمام محمد بن سعود حين وضع أسس دولته في الدرعية عام 1727 لم يكن يعلم أن صرحه سيصمد ثلاثة قرون وأكثر. لكنه بنى بإخلاص وحكمة، وترك لمن جاء بعده إرثاً يستحق الاحتفاء والصون والتطوير.

اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة قرون، تقف المملكة العربية السعودية أمام مرحلة جديدة من تاريخها، مرحلة تجمع بين أعماق الأصالة وآفاق المعاصرة، مستلهمة من يوم التأسيس روح البداية وعزم المضي قُدُماً. فكما أن الإمام محمد بن سعود قال يوماً للشيخ ابن عبد الوهاب: “هذه بلادي وبلادك”، فإن أبناء هذه الأرض اليوم يقولون لهذا التاريخ العظيم: هذا إرثنا وتاجنا وعهدنا أن نحمله بجدارة.

يوم التأسيس ذكرى لـ”يوم بدينا”… وكل يوم يمضي هو يوم نكمل فيه البنيان.

رابط المقالة القصير
مشاركة:
28 مشاهدة

اترك تعليقاً