قبيلة المهري في سلطنة عمان ارث حضاري وتنوع ثقافي
قبيلة المهري في سلطنة عمان ارث حضاري وتنوع ثقافي

قبيلة المهري في سلطنة عمان ارث حضاري وتنوع ثقافي
قبيلة المهري، أو المهرة كما يُعرفون في كثير من المواطن، من أقدم القبائل العربية التي استوطنت جنوب الجزيرة العربية واستمرت حاضرة في أرضها حتى يومنا هذا. يرتبط اسمها بمهرة بن حيدان، ويمتد وجودها من محافظة المهرة في اليمن إلى جبال ظفار وسهولها في سلطنة عمان، ثم يتفرق أبناؤها في دول الخليج والربع الخالي. في عمان لا تُعد المهرة قبيلة وافدة طارئة، بل جزءاً أصيلاً من نسيج الجنوب العماني، يشتركون مع أهل ظفار في الأرض والموسم واللغة الجبلية والبداوة، ويحملون إلى جانب ذلك لساناً خاصاً هو اللغة المهرية، وإرثاً من الإبل التي نُسبت إليهم في الشعر العربي القديم، وتاريخاً سياسياً امتد إلى سلطنة قائمة حتى منتصف القرن العشرين.
يرجع النسابون المهرة إلى مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير. هذا النسب هو الأشهر في كتب الأنساب اليمنية والعمانية، وهو الذي يرد عند الهمداني في «الإكليل» وعند ابن الكلبي في «معد واليمن الكبير». وُلد لمهرة بن حيدان أبناء تفرعت منهم البطون القديمة: الآمري، والدين، وأشموس، ونعمي، وندغي. ومن ندغي جاء العيدي الذي نُسبت إليه الإبل العيدية، ومن الآمري جاء البلطومي ومرضاوي، ومن البلطومي جاء القمر والقرى الذين استقر كثير منهم في ظفار. ويُذكر من نسل القمر بنو ريام الذين سكن بعضهم الجبل الأخضر في شمال عمان في عصور لاحقة. هذا الامتداد من الساحل الجنوبي إلى داخل عمان يدل على أن المهرة لم يكونوا محصورين في بقعة واحدة، بل تحركوا مع المراعي والإبل وطرق التجارة القديمة التي كانت تمر بأرض اللبان والشحر.
اللغة هي أبرز ما يميز المهريين عن غيرهم. المهرية لسان سامي جنوبي حديث، ينتمي إلى أسرة اللغات العربية الجنوبية الحديثة مع الشحرية والسقطرية والحرسوسية والهوبيوت. ليست لهجة عامية من العربية الفصحى، بل لغة قائمة بذاتها، غنية بالأصوات التي اختفت من كثير من اللهجات العربية، وتتفرع إلى لهجات يمنية وعمانية. اللهجة العمانية، أو المهرية الظفارية، يتحدث بها المهريون في شمال ظفار وغربها وفي مناطق مثل حبروت وشحن والمزيونة وما يلي الحدود. يحفظ المهريون بهذه اللغة أمثالهم وأشعارهم وأغاني الرعي والصيد، ويستخدمونها في البيت والمجلس مع العربية التي صارت لغة التعليم والإدارة. وقد لاحظ الجغرافيون القدماء غرابة لسان أهل الشحر والمهرة، فقال الهمداني إن كلامهم يشاكل العجم في بعض مخارجه، لكن الدراسات الحديثة أثبتت أنها بقايا لسان عربي جنوبي قديم متصل بلغة النقوش المسندية أكثر مما يتصل باللهجات النجدية أو الحجازية.
أرض المهرة التاريخية هي الشحر بالمعنى الواسع: الساحل الممتد من حدود حضرموت إلى ما وراء ظفار، والوديان الداخلية، وجبال القمر، وصحراء الربع الخالي من جهة الشمال. في هذه الأرض نبت اللبان الذي حملته القوافل إلى مصر والعراق والبحر المتوسط، وعاش المهريون بين الساحل الذي يمنحهم السمك واللؤلؤ أحياناً، والبادية التي تمنحهم الإبل والماعز. الإبل المهرية أشهر ما نُسب إليهم. هي إبل خفيفة سريعة، صغيرة السنام نسبياً، شديدة الاحتمال للعطش والحر، صالحة للغزو والسفر الطويل. ذكرها الشعراء ونسبوا إليها البطون العيدية وغيرها، وصارت في الذاكرة العربية رمزاً للنجابة الجنوبية كما كانت الإبل النجدية رمزاً لأهل نجد. في ظفار ما زال المهريون يربون هذه السلالات في البوادي الغربية، ويفاخرون بخطوطها كما يفاخر غيرهم بأنساب الخيل.
دخل المهرة الإسلام مبكراً. تروي المصادر أن جيفر بن الجلندي ملك عمان بعث إلى مهرة والشحر يدعوهم إلى الإسلام بعد وصول كتاب النبي صلى الله عليه وسلم مع عمرو بن العاص، فأسلموا. وزار النبي وفد مهري منهم مهري بن الأبيض وزهير بن قرضم، وكُتب لهم أمان. شارك المهريون بعد ذلك في الفتوح، وذُكروا في جيوش عمرو بن العاص في مصر، حتى نُسب حي في الفسطاط إلى المهرة. في القرون التالية بقيت المهرة بين استقلال قبلي ونفوذ متقطع للأئمة في عمان أو سلاطين حضرموت. يذكر السالمي أن الإمام عبد الملك بن حميد قاتل المهرة حتى أذعنوا، وأن عمال الإمام مهنا بن جيفر كانوا يقبضون الزكاة من إبلهم ويحضرونها إلى نزوى. هذه الروايات تدل على أن المهرة كانوا جزءاً من المجال العماني السياسي حتى حين سكنوا أقصى الجنوب.
في القرن الخامس عشر تقريباً تبلورت سلطنة المهرة في قشن وسقطرى، وحكمها آل عفرار أجيالاً طويلة حتى عام 1967. امتدت السلطنة في بعض عهودها إلى أجزاء من ظفار والربع الخالي، وكانت سقطرى درة في تاجها. لم تكن دولة مركزية صارمة بقدر ما كانت إطاراً قبلياً يحفظ التوازن بين البطون الساحلية والبدوية. بعد استقلال جنوب اليمن وزوال السلطنة، بقي المهريون موزعين بين الجمهورية اليمنية وسلطنة عمان، لكن الحدود السياسية الحديثة لم تقطع الروابط القديمة. المنافذ بين حوف وصرفيت، وبين شحن والمزيونة، ظلت طرقاً للأهل والمصاهرة والرعي، حتى إن كثيراً من المهريين على الجانبين يعدون أنفسهم أبناء أرض واحدة وإن توزعت جوازاتهم.
في سلطنة عمان يتركز المهريون في محافظة ظفار، خصوصاً في الجهات الغربية والشمالية المحاذية لليمن: حبروت، شحن، المزيونة، أجزاء من رخيوت وضلكوت، والبوادي الممتدة نحو الربع الخالي. يوجدون أيضاً في صلالة ومرباط بنسب أقل، وفي مدن الشمال العماني بحكم الوظيفة والتعليم. تقديرات الناطقين بالمهرية في عمان تصل إلى عشرات الآلاف، وبعض الإحصاءات القديمة ذكرت نحو خمسين ألفاً. يعيش قسم منهم حياة شبه بدوية تعتمد على الإبل والماعز، وقسم استقر في القرى الحدودية والمدن بعد النهضة العمانية وما رافقها من مدارس وطرق وخدمات. المذهب الغالب بينهم الشافعي السني، شأن أهل ظفار عامة، بخلاف الإباضية الغالبة في شمال عمان.
تنقسم الفروع الحديثة التي يذكرها أبناء القبيلة إلى ثلاث كتل كبرى تُتداول أسماؤها في اليمن وظفار معاً: الشراوح، والشحاوخ أو الشحشحي، وبيت صاعر. من الشراوح بيوت صمودة وثوعار وكلشات وجسوس وقمصيت ومقفيق. ومن الشحاوخ زياد وزعبنوت والحريزي ومحامد ومسمار. ومن بيت صاعر أحميد والمجيبي ورعفيت وكده. هذه الأسماء ليست مجرد فهارس نسب، بل خرائط سكن ومصاهرة؛ فكثير من هذه البيوت لها مضارب معروفة على جانبي الحدود، وشيوخ يتواصلون في الأفراح والأتراح كما كانوا قبل ترسيم الخطوط. إلى جانب هذه الفروع توجد بطون قديمة ما زال اسمها يرد في الروايات مثل القمر والهداد وريام، وبعضها اندمج في قبائل ظفارية أخرى أو حمل أسماء محلية مع بقاء الوعي بالأصل المهري.
الحياة الاجتماعية عند المهريين في عمان تقوم على أعراف قبلية صارمة في الدية والثأر والصلح، لكنها أيضاً مرنة بما يكفي لاحتواء النزاعات دون حرب مفتوحة طويلة. يشبه نظامهم في هذا نظام جيرانهم في ظفار والمهرة اليمنية: المجلس، والكفيل، والغرم الذي يردع الطرف الأقوى عن الاستمرار في الخصومة. بعد ثورة ظفار في الستينيات والسبعينيات، انحاز قسم من المهريين إلى السلطان قابوس وقاتلوا مع القوات العمانية، بينما استخدم الثوار أراضي المهرة اليمنية ممراً. خرج المهريون من تلك الحقبة بذاكرة مزدوجة: ألم الحرب، وارتباط أوثق بالدولة العمانية الحديثة التي فتحت المدارس وثبتت الحدود ومنحت كثيراً من أبناء القبائل الحدودية الجنسية وفرص العمل.
العادات اليومية تجمع بين بداوة الإبل وصيد البحر حيث يقتربون من الساحل. يكرمون الضيف بما تيسر من لبن ولحم وتمر، ويحفظون الشعر المهري الذي يُنشد في الأعراس والمواسم. اللباس التقليدي للرجال في البادية قريب من لباس أهل ظفار: الوزرة والعمامة الخفيفة، وللنساء الثوب الفضفاض مع غطاء الرأس. في المدن اختلط اللباس بالعادات العمانية العامة. الطعام يعتمد على اللحم والأرز والحليب والسمن، وعلى السمك المجفف في الجهات القريبة من البحر. المواسم الزراعية قليلة لأن أرضهم في معظمها صحراوية أو شبه صحراوية، لكن خريف ظفار يصل أثره إلى بعض قراهم الغربية فيخضر المرعى أسابيع معدودة.
العلاقة مع قبائل ظفار الأخرى علاقة جوار ومصاهرة أكثر مما هي علاقة غزو دائم. الحكلي والقارة والشحرة والكثيري يعيشون إلى جوار المهريين، ويتقاسمون الجبل والسهل في مواضع، ويختلفون في مواضع. بعض الروايات تجعل القمر المهريين أصحاب الأرض غرب جبال القرا، بينما استقر الحكلي في الوسط والشرق. اللغة أيضاً تتداخل: المهرية والشحرية أختان، وكثير من أهل الجبل يفهمون كلتا اللهجتين وإن لم يتكلموهما بطلاقة. هذا التداخل جعل الهوية الجنوبية العمانية أوسع من اسم قبيلة واحدة، وجعل المهري عنصراً فيها لا ضيفاً عليها.
في العقود الأخيرة ازداد حضور المهريين في الوظائف الحكومية والجيش والتعليم والتجارة داخل عمان. حصل عدد من أبناء القبائل الحدودية على الجنسية العمانية بمراسيم، واستقر آخرون في صلالة ومسقط مع بقاء ارتباطهم ببواديهم. في الوقت نفسه يواجه اللسان المهري تحدي المدرسة والإعلام بالعربية الفصحى والعامية العمانية. يبذل باحثون من أبناء القبيلة ومن الأكاديميين جهداً لتوثيق اللهجة الظفارية من المهرية، وجمع النصوص والحكايات، وتعليم الأجيال الصغيرة كلمات الأجداد. بقاء اللغة هو بقاء جزء كبير من الذاكرة: أسماء النباتات والإبل والنجوم والمواضع التي لا مقابل دقيقاً لها في العربية المشتركة.
اترك تعليقاً