قبيلة الشحري في سلطنة عمان: من أقدم الجماعات القبلية المرتبطة بجبال ظفار
قبيلة الشحري في سلطنة عمان: من أقدم الجماعات القبلية المرتبطة بجبال ظفار

قبيلة الشحري في سلطنة عمان: من أقدم الجماعات القبلية المرتبطة بجبال ظفار
قبيلة الشحري، ويُقال لأبنائها الشحرة أيضاً، من أقدم الجماعات القبلية المرتبطة بجبال ظفار وريفها. ليست قبيلة وافدة استقرت بالأمس القريب، بل يراها كثير من أهل الجنوب العماني سكان الأرض الأصليين في مرتفعات ظفار، وإليهم تُنسب اللغة الشحرية أو الجبالية التي ما زالت تُسمع في البيوت والمجالس والقصائد حتى اليوم. اسمهم نفسه لصيق باسم البلاد القديمة؛ فقد عُرفت ظفار قروناً طويلة بالشحر أو شحر عمان، وفي اللسان الشحري تعني كلمة «شحير» الجبل ذا المرعى، و«مشحرت» الطريق الجبلي الضيق. فمن سكن الشحر وحمل لسانه سُمي شحرياً، وبقي هذا الاسم علامة على أهل الجبل قبل أن تتعدد أسماء القبائل الحديثة.
يرجع النسابون الشحرة في الجملة إلى العرب القحطانيين، ويُلحقهم بعضهم بحمير وقضاعة. ويذكر رواة محليون أن جدوداً قديمة تحمل أسماء ما زالت حية في تقسيم الأرض، منها عوس الذي تتفرع منه بطون مثل زربيج وغوضب وحندوب وأقاغر. وفي مصادر أخرى تُعد قبائل مثل صفرار وغفرم والزوامري وقيطون من الشحرة، ويُذكر في الشرق بنو بارح حول خور روري وما يليه. ليست هذه الشجرة مضبوطة ضبط كتب نجد والحجاز؛ فالشحرة قوم جبليون حافظوا على لسانهم أكثر مما حافظوا على مشجرات مكتوبة، وكثيراً ما يُنسب الرجل إلى بيته ومضربه قبل أن يُنسب إلى سلسلة آباء طويلة. المهم عندهم أن الأرض تتسمى بأسماء المالكين القدماء، وأن من سكن الجبل وتكلم لسانه فهو من أهل الشحر.
يخلط بعض الناس بين الشحري الظفاري والشحوح في مسندم. هما جماعتان مختلفتان في الأرض والنسب واللسان. الشحري هنا ابن جبال ظفار وخريفها ولبانها، والشحوح أهل رؤوس الجبال في أقصى الشمال. الخلط يأتي من تشابه الاسم في السمع، أما في الواقع العماني فكل فريق معروف بموطنه.
اللغة هي عمود الهوية. الشحرية لغة سامية جنوبية حديثة، أخت المهرية والسقطرية والحرسوسية، لا لهجة عامية من عربية المدن. يتحدثها أهل الجبل من الشحرة والحكلي والقارة والبراعمة وبعض المشايخ والبطحريين، حتى صارت لسان الريف الظفاري المشترك أكثر مما هي لسان بيت واحد. تُقدَّر أعداد المتكلمين اليوم بعشرات الآلاف، وقيل إن معظم أهل ظفار كانوا يفهمونها قبل جيل أو جيلين حتى في سهل صلالة. هي لغة محكية غير مكتوبة في الأصل، غنية بأصوات لا توجد في العربية الدارجة، وتقلب بعض الجذور مثل قولهم «لتق» في معنى القتل. حفظتها العزلة الجبلية والمواسم والرعي، ويحفظها اليوم الشعر والهبوت والمجالس، بعد أن صارت العربية لغة المدرسة والدائرة. كتب باحثون من أبناء المنطقة عنها، منهم علي بن أحمد محاش الشحري في «لغة عاد»، ومحمد بن سالم المعشني في «لسان ظفار الحميري»، فصار للتراث الشفهي مرجع مكتوب بعد طول انقطاع.
تاريخ الشحر أقدم من اسم ظفار الشائع اليوم. في المصادر العربية كانت البلاد شحر عمان، تمتد في تصور الجغرافيين بين عمان وعدن، وتُقسم أحياناً إلى شحر عمان وشحر مهرة وشحر اليمن. قامت على ساحلها أسواق اللبان والجلود والصبر، وخفرتها بطون قديمة يُذكر منها بنو تقلل أو يقلل. ومن هذا الساحل وفد زهير بن قرضم، ويُقال ذهبن بن قرضم الشحري، على النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة، فأكرمه وفرش له رداءه وكتب لقومه كتاباً. يُروى أن قبره في مرباط. وفي الإسلام المبكر بعث جيفر بن الجلندي إلى الشحر والمهرة يدعوهم مع سائر عمان، فأسلم أهل الناحية في سياق واحد مع أهل الساحل والجبل.
في العصور الوسيطة ظهرت في ظفار دول محلية ذات صبغة شحرية أو مرتبطة بأهل الشحر. من ذلك الدولة المنجوية في القرن السادس الهجري وعاصمتها مرباط، ويُذكر من حكامها السلطان محمد بن أحمد المنجوي الشحري الملقب بالأكحل، المتوفى سنة 596هـ. ويُطلق على المنجويين في اللسان الشحري آل منجوه، ويُنسبون إلى الشحرة القضاعية في بعض الروايات. وبعدهم آل بادجانة ومنهم سعيد بن فارس بادجانة الشحري، وكانت لهم إمارة في حيريج وساحل الشحر، وتصدوا للبرتغاليين في روايات محلية. ثم جاءت دولة الحبوضي ونقل العاصمة فغلب اسم ظفار على الإقليم، وبقي اسم الشحر في الذاكرة مرتبطاً بالجبل والريف لا بالمدينة الجديدة وحدها.
سكن الشحرة مرتفعات ظفار من طاقة ومرباط شرقاً إلى نواحي رخيوت وضلكوت غرباً، وفي القرى الجبلية المحيطة بسهل صلالة. حياتهم القديمة رعي الأبقار والماعز في الخريف الأخضر، والنزول إلى السهل في مواسم، وجمع اللبان في المواضع التي تنبت فيها الشجرة. لم يكونوا بدو إبل خالصين كبعض المهرة في الربع الخالي، ولا أهل سهل زراعي فقط كبعض حارات صلالة، بل أهل جبل يدورون مع المرعى والضباب. البيوت الحجرية القديمة، والمسارات الضيقة، وأسماء الشعاب والعيون، ما زالت خريطة حية لهذا النمط. بعد النهضة العمانية اتسع التعليم والعمل في صلالة والمدن، فنزل كثير من أبناء الجبل إلى السهل دون أن ينقطعوا عن قراهم في المواسم والأعياد.
العلاقة مع القبائل المجاورة علاقة جوار طويل. الحكلي أو القرا يسكنون معهم الجبل ويتكلمون الشحرية في مواضع كثيرة، حتى اختلط في أسماع الغرباء اسم القبيلة باسم اللسان. المهريون يجاورونهم من الغرب والشمال، والكثيري يسكنون السهل والمدينة، والمشايخ والسادة لهم حضور في الرباط والحارات القديمة. المصاهرة والمجالس والصلح القبلية جعلت ظفار وحدة اجتماعية أوسع من حدود بيت واحد. ومع ذلك يبقى الشحري معتزاً بأنه ابن الشحر وابن اللسان، لا سيما حين يُنشد الشعر الجبلي أو تُروى حكاية المكان.
اترك تعليقاً