قبيلة السيابي في سلطنة عمان: معلومات تفصيلية عن القبيلة
قبيلة السيابي في سلطنة عمان: معلومات تفصيلية عن القبيلة

قبيلة السيابي في سلطنة عمان: معلومات تفصيلية عن القبيلة
إذا ذُكرت قبائل عمان التي عُرفت بالعلم أكثر مما عُرفت بالسيوف، فإن اسم السيابي يبرز في مقدمة الأسماء. ليست هذه القبيلة من تلك التي ملأت كتب الفتوحات بأخبار الغارات والحروب المتصلة، وإن كان لها في التاريخ نصيبها من الشدائد والانتقالات، لكنها صنعت لنفسها مكانة أخرى: مكانة القاضي والفقيه والمؤرخ والناظم، حتى صار اسم السيابي في عمان يقترن في أذهان الناس بالفقه الإباضي والقضاء الشرعي وتدوين الأنساب. والسيابي هم آل المسيب، واللقبان يسيران معاً في الكتب القديمة، أحدهما اسم الجد الذي غلب على الفرع، والآخر النسبة التي استقرت في ألسنة أهل عمان.
يرجع نسب القبيلة إلى العرب العدنانية، إلى تغلب بن وائل من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان. هكذا أثبت الشيخ سالم بن حمود السيابي في كتابه المعروف «إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان»، وهو نفسه ابن هذه القبيلة وأشهر من كتب في أنساب أهل البلاد في القرن العشرين. يتصل النسب عنده بشهاب بن النويرة بن عمرو بن الحارث بن زهير، ثم يصعد في سلسلة تغلبية ربعية معروفة حتى عدنان. وهذا الانتماء العدناني يميز السيابي بين جمهور كبير من قبائل عمان الأزدية القحطانية، ويجعلهم من بيوت النزار الذين استقروا في عمان منذ عهود بعيدة وذابوا في نسيجها الإباضي دون أن يضيعوا ذكر أصلهم.
يروي صاحب «الإسعاف» أن آل حبس وآل المسيب كانوا في قديم الزمان نزلاء جانب من شرقية عمان، وأن أخص بلدانهم يومئذ بلدة تُدعى الروضة، روضة غناء وارفة الظل كما وصفها. ثم وقع بين حبس ومسيب ما يقع بين الإخوة إذا نزغ الشيطان، فتنة أهلية شبّهها بفتنة عبس وذبيان في داحس والغبراء. تفرق آل المسيب بعدها، وانتقلوا إلى وادي سمائل، واتخذوا نفعاً بلدة رئيسة لهم، وسمّوا بعض أمكنتهم فيها بأسماء مواضعهم القديمة في الروضة، كأنهم أرادوا أن يحملوا الوطن الأول معهم. ومن وادي سمائل امتد وجودهم حتى السيب على ساحل الباطنة، فصارت لهم ديار متصلة من الجرداء إلى البحر. وما زال أهل الوادي يذكرون رئاسة آل محسن بن سعيد في هذا الفرع، كما يذكر أهل الساحل حارة السيابية في ولاية السيب، وهي حارة أخذت اسمها من القبيلة نفسها.
اليوم ينتشر أبناء السيابي في غير موضع واحد. في السيب لهم الحي المعروف، وفي بوشر سكنى قديمة ومن قراها غلا التي وُلد فيها الشيخ سالم بن حمود. وفي نزوى حارة تُدعى السيابية، وفي إزكي فروع ارتبطت بالعلم والقضاء، وفي مسقط أسر انتقلت مع توسع العاصمة. ويوجد لهم حضور في نخل ووادي المعاول وبعض قرى الباطنة والداخلية. وكما هي حال كثير من القبائل العمانية، خرج بعض أبنائهم إلى الإمارات وقطر وغيرهما من بلدان الخليج، لكن الجذر بقي عمانياً، واللسان وال مذهب إباضيان في الغالب الأعم.
ما يلفت الناظر في تاريخ هذه القبيلة ليس كثرة الأمراء ولا طول أيام الملك، بل تتابع العلماء. في القرن الرابع عشر الهجري لمع اسم الشيخ خلفان بن جميل السيابي، أبو يحيى، المولود نحو سنة 1308هـ في سيما من أعمال إزكي. نشأ يتيماً في بيت فقير، فكفلتْه أمه وطلب العلم حتى صار من أجلّ علماء عمان في عصره. تتلمذ على نور الدين السالمي وعلى الإمام محمد بن عبد الله الخليلي وغيرهما، ودرّس زمناً طويلاً، وتولى القضاء في الرستاق ثم مطرح ثم سمائل بأمر الإمام الخليلي، كما ولاه السلطان سعيد بن تيمور القضاء في مواضع أخرى حتى اعتذر ليتفرغ للتأليف والفتوى. ترك منظومة فقهية ضخمة اسمها «سلك الدرر الحاوي غرر الأثر» تبلغ نحو ثمانية وعشرين ألف بيت، نظم فيها كتاب النيل، وله «فصول الأصول» و«فصل الخطاب» و«جلاء العمى في ميمية الدماء» و«بهجة المجالس». توفي سنة 1392هـ ودُفن في بستانه بسمائل. وكان من تلاميذه من حمل الراية بعده، وعلى رأسهم الشيخ سالم بن حمود السيابي الذي أخذ عنه الأدب والعلم قبل أن يستقل بطريقه في التاريخ والأنساب.
أما الشيخ سالم بن حمود بن شامس السيابي فقد وُلد سنة 1326هـ/1908م في غلا من ولاية بوشر، ونشأ في بيت له وجاهة في سمائل. حفظ القرآن صغيراً، ولازم حلق المساجد، وتقلب في القضاء بين بوشر ونخل وجعلان ومسقط في عهد الإمام الخليلي ثم السلطان سعيد بن تيمور. في سبعينيات القرن العشرين انتقل إلى وزارة التراث القومي والثقافة باحثاً ومؤلفاً. أشهر كتبه «إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان»، وإلى جانبه مؤلفات في التاريخ والفقه والسير تجاوزت العشرات. عاش حتى عام 1414هـ/1993م، وترك ذرية فيها شعراء ودبلوماسيون وعلماء. ومن بيوت السيابي أيضاً الشيخ أحمد بن سعود السيابي، الأمين العام لمكتب المفتي العام، صاحب المؤلفات في التاريخ والشريعة، والحاضر في المحافل العلمية داخل عمان وخارجها. وفي الجيل المعاصر برز قضاة وأكاديميون وأدباء يحملون الاسم نفسه، حتى صار المرء إذا سمع «السيابي» في مجلس علم يظن أولاً أنه فقيه أو قاضٍ قبل أن يسأل عن أي فرع هو.
لم تكن القبيلة بمعزل عن تقلبات عمان السياسية. فقد خدمت في القضاء والإفتاء أيام الإمامة في الداخل، ثم في المحاكم الشرعية بعد توحيد البلاد تحت السلطنة. وهذا الانتقال نفسه يعكس طبيعة كثير من بيوت العلم العمانية: الولاء للشريعة والبلد قبل الولاء للفصيل. والسيابي، رغم أصلهم الربعي العدناني، اندمجوا في المجتمع الإباضي اندماجاً كاملاً، وصار مذهب أهل عمان مذهبهم، ومدارس نزوى وسمائل والرستاق مدارسهم.
في الذاكرة الشعبية تبقى حارة السيابيين في السيب، ونفعا في وادي سمائل، وغلا في بوشر، شواهد على استقرار قديم. وفي المكتبة العمانية تبقى كتب خلفان بن جميل وسالم بن حمود شواهد أهم، لأنها حفظت الفقه والنسب والتاريخ بقلم أبناء القبيلة أنفسهم. قبيلة لم تطلب أن تُذكر بعدد فرسانها في ساحة الوغى، فاكتفت أن تُذكر بعدد من جلسوا على منصة القضاء ومنبر الدرس، وهذا في تاريخ عمان شرف لا يقل عن شرف السيف.
اترك تعليقاً