تفاصيل استثمار سلطنة عمان في شركتي «ساماش» و«تيكاترون» التركيتين للتعدين والصناعات العسكرية

الاستثمار العُماني في تركيا: بوابة نحو التنويع الاقتصادي والأمن الاستراتيجي
مقالة شاملة عن شركتي «ساماش» للتعدين و«تيكاترون» للمعدات العسكرية في خطوة استراتيجية تعكس عمق الشراكة بين سلطنة عُمان وجمهورية تركيا
وقّع جهاز الاستثمار العُماني (OIA) في 9 مايو 2026 اتفاقيتين مهمتين للاستحواذ على حصص في شركتين تركيتين رائدتين عبر «الشركة التركية العُمانية للاستثمار»، التابعة للصندوق العُماني التركي المشترك البالغ رأسماله 500 مليون دولار أمريكي. الشركتان هما «ساماش» (Samaş Sanayi Madenleri) المتخصصة في إنتاج بنتونيت الصوديوم النادر، و«تيكاترون» (Tekatron Teknoloji) الرائدة في تصميم وتصنيع المركبات البرية المسيّرة عن بعد (UGVs). هذا الاستثمار ليس مجرد صفقة مالية، بل يمثل نقلة نوعية في علاقات البلدين الاقتصادية والدفاعية، ويأتي في إطار رؤية عُمان 2040 التي تسعى إلى تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، وتعزيز الشراكات الاستراتيجية مع دول صديقة مثل تركيا. يهدف الاستثمار إلى تأمين إمدادات مواد خام استراتيجية نادرة، ونقل تقنيات دفاعية متقدمة، وفتح آفاق جديدة للتعاون في قطاعات التعدين والصناعات الدفاعية واللوجستيات. خلفية جهاز الاستثمار العُماني ورؤية 2040جهاز الاستثمار العُماني، الذي يُعد الصندوق السيادي الرئيسي للسلطنة، يدير أصولًا هائلة تهدف إلى تحقيق عوائد مستدامة ودعم التنمية الوطنية. تأسس الجهاز لإدارة الثروة النفطية بحكمة، ويستثمر في قطاعات متنوعة عالميًا تشمل الطاقة، التعدين، الصناعة، والتكنولوجيا. في إطار رؤية عُمان 2040، يركز الجهاز على الاستثمارات ذات البعد الاستراتيجي التي تخدم القطاعات الحيوية مثل النفط والغاز، والصناعات التحويلية، والأمن القومي. الاستثمار في تركيا يعكس هذا النهج؛ إذ يساهم في تنويع مصادر الدخل، وتأمين سلاسل التوريد، وتعزيز القدرات التقنية المحلية. وفقًا لتصريحات إبراهيم بن سعيد العيسري، رئيس استثمارات الأسواق الخاصة في الجهاز، يهدف هذا الاستثمار إلى «تفعيل البُعد العُماني في الاستثمارات الخارجية بما يخدم القطاعات المحلية ذات الأولوية». العلاقات العُمانية التركية: من التعاون السياسي إلى الشراكة الاقتصاديةتتمتع سلطنة عُمان وتركيا بعلاقات تاريخية متينة تعود إلى قرون، تعززت في العصر الحديث بزيارات رفيعة المستوى، مثل زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق إلى تركيا في نوفمبر 2024. وقّع البلدان عشرات الاتفاقيات في مجالات التجارة، الاستثمار، الطاقة، والدفاع. يبلغ حجم الاستثمارات العُمانية في تركيا عشرات الملايين من الريالات، ويوجد أكثر من 36 شركة عُمانية تعمل هناك. أما الصندوق العُماني التركي المشترك، الذي أُسس في أواخر 2024 بشراكة بين جهاز الاستثمار العُماني وصندوق تقاعد القوات المسلحة التركية (OYAK)، فيُعد نقلة نوعية. يبلغ رأس ماله 500 مليون دولار (250 مليون من كل جانب)، ويهدف إلى الاستثمار المشترك في عُمان وتركيا ودول أخرى، مع التركيز على نقل التكنولوجيا في قطاعات التعدين، اللوجستيات، الصناعة، الزراعة، والطاقة المتجددة. الشركة التركية العُمانية للاستثمار هي الذراع التنفيذي لهذا الصندوق، وتمثل هذه الصفقة أولى ثماره الملموسة. شركة «ساماش» للتعدين: بوابة عُمان إلى المعادن النادرةساماش سانايي مادِنلري أ.ش. (Samaş Industrial Minerals) هي شركة تركية متخصصة في استخراج ومعالجة البنتونيت، ومقر عملياتها الرئيسي في منطقة رشادية بولاية طوكات (Tokat-Reşadiye). تعمل الشركة في أحد أندر مكامن بنتونيت الصوديوم عالي الجودة في العالم، حيث يُعد مكمن طوكات أحد المكمنين الوحيدين المتبقيين عالميًا لهذه المادة النادرة. البنتونيت الصوديوم (Sodium Bentonite) هو طين بركاني يتميز بقدرته الفائقة على امتصاص الماء (يحتفظ بـ6-7 أضعاف وزنه)، مما يجعله مادة استراتيجية في صناعات متعددة:
- قطاع النفط والغاز: يُستخدم كسائل حفر (drilling mud) لتثبيت الآبار ومنع انهيار الجدران.
- الصناعات التحويلية: في الصب (foundry)، الورق، الجيوتكستايلز، والبناء.
- القطاعات الطبية والتجميلية: كمكثف في الأدوية والمستحضرات التجميلية.
- الزراعة والغذاء: كمُعدِّل للتربة وحافظ للرطوبة.
يمتلك المكمن احتياطيًا يُتوقع أن يدوم قرابة 200 عام، وتبلغ الطاقة الإنتاجية الحالية للشركة 160 ألف طن سنويًا. مع الاستثمار العُماني، سيتم مضاعفة هذه الطاقة إلى أكثر من 300 ألف طن سنويًا، مما يعزز الإنتاج ويحسن الكفاءة التشغيلية. أهمية الاستثمار لعُمان تكمن في منح السلطنة أولوية في شراء هذه المادة النادرة، التي تدعم قطاع النفط والغاز (أحد أعمدة الاقتصاد العُماني)، والصناعات المحلية. في ظل التقلبات العالمية في أسعار المعادن والتوترات الجيوسياسية، يُعد تأمين سلاسل التوريد للمواد الحيوية خطوة استراتيجية تقلل الاعتماد على مصادر غير موثوقة. كما ستساهم الشراكة في نقل خبرات تركية في التعدين المستدام، وتطوير قدرات عُمانية في هذا المجال. شركة «تيكاترون» للمعدات العسكرية: تقنيات دفاعية متقدمة لأمن الحدودتيكاترون تكنولوجي (Tekatron Teknoloji) هي شركة دفاعية تركية مقرها أنقرة، متخصصة في تصميم وتطوير وإنتاج المركبات البرية المسيّرة عن بعد (Unmanned Ground Vehicles – UGVs). تُعد الشركة من اللاعبين البارزين في برنامج المركبات البرية المسيّرة الذي يشرف عليه وكالة الصناعات الدفاعية التركية (SSB). منتجات تيكاترون تشمل منصات متعددة الاستخدامات:
- باليم (PALEM): مركبة متوسطة الحجم من الفئة الثانية، ذات قدرة حمولة تصل إلى 1000 كجم، تعمل كمنصة لأنظمة الأسلحة، أجهزة الاستشعار، والمهام اللوجستية.
- W-UGV-I وM-UGV-I: منصات صغيرة ومتوسطة الحجم، مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي للقيادة الذاتية، وتدعم الاستطلاع، المراقبة، والقتال.
- مركبات wheeled وtracked ذات قدرة عالية على المناورة في التضاريس الصعبة (ثلج، رمال، صخور).
شاركت الشركة في معرض ساها 2026 بإطلاق أول مركبة 4×4 wheeled UGV، وتتعاون مع شركات تركية أخرى مثل كوارتيس في مشاريع SSB لتطوير UGVs كهربائية modular. تتميز منصاتها بالمرونة، الاعتمادية، والامتثال للمعايير العسكرية، مما يجعلها مناسبة للمهام العسكرية والأمنية. لعُمان، يمثل الاستثمار في تيكاترون فرصة ذهبية لتعزيز قدرات الدفاع:
- أمن الحدود والمراقبة: استخدام UGVs في المناطق الصحراوية والجبلية لتقليل المخاطر البشرية.
- اللوجستيات العسكرية: نقل الإمدادات في مناطق صعبة الوصول.
- توطين الصناعات الدفاعية: نقل التقنية والمعرفة إلى عُمان، دعمًا لاستراتيجية التصنيع الدفاعي الوطني.
يأتي هذا في سياق تعزيز القدرات العسكرية العُمانية بتقنيات حديثة، خاصة مع تزايد التهديدات غير التقليدية مثل الطائرات بدون طيار والحروب غير المتكافئة. التأثيرات الاقتصادية والاستراتيجية للاستثماريُتوقع أن يحقق الاستثمار عوائد اقتصادية متعددة:
- تنويع الاقتصاد العُماني: ربط القطاعات المحلية بمصادر خام مضمونة وتقنيات متقدمة.
- نقل التكنولوجيا: تدريب كوادر عُمانية وإنشاء مشاريع مشتركة في عُمان.
- تعزيز التجارة الثنائية: زيادة حجم التبادل التجاري الذي يتجاوز حاليًا مئات الملايين من الدولارات.
- الأمن القومي: تأمين مواد استراتيجية وتقنيات دفاعية تعزز الاستقلالية.
على المستوى الإقليمي، يعزز الاستثمار الشراكة بين دول الخليج وتركيا، ويُعد نموذجًا للتعاون جنوب-جنوب في مواجهة التحديات العالمية مثل نقص المعادن النادرة وتطور الحروب الروبوتية. التحديات والفرص المستقبليةرغم الإيجابيات، يواجه الاستثمار تحديات مثل تقلبات أسعار السلع، المنافسة العالمية في التعدين، والحاجة إلى تطوير البنية التحتية في عُمان لاستيعاب التقنيات الجديدة. كما يتطلب توطين الصناعات الدفاعية استثمارات إضافية في التعليم والتدريب. أما الفرص فهي هائلة: توسيع الشراكة إلى قطاعات أخرى مثل الطاقة المتجددة واللوجستيات، وإمكانية تصدير المنتجات المشتركة إلى أسواق الخليج وأفريقيا. خاتمة: نحو شراكة استراتيجية مستدامةيمثل استثمار جهاز الاستثمار العُماني في «ساماش» و«تيكاترون» نموذجًا حيًا للشراكات الذكية التي تجمع بين الموارد والتقنية. إنه ليس استثمارًا ماليًا فحسب، بل رؤية مشتركة لبناء اقتصادات مرنة وقوية. مع استمرار التعاون بين مسقط وأنقرة، يتوقع أن تشهد السنوات القادمة مزيدًا من المشاريع المشتركة التي تعود بالنفع على شعبي البلدين الصديقين. هذا الاستثمار يؤكد أن عُمان، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله، تسير بخطى واثقة نحو مستقبل مزدهر قائم على الابتكار والشراكات الاستراتيجية. تركيا، بدورها، تثبت دورها كشريك موثوق في بناء القدرات الاقتصادية والدفاعية لدول المنطقة.


