خروج العرب والمسلمين من الأندلس: نهاية ثمانية قرون من الحكم والحضارة
خروج العرب والمسلمين من الأندلس: نهاية ثمانية قرون من الحكم والحضارة

خروج العرب والمسلمين من الأندلس: نهاية ثمانية قرون من الحكم والحضارة
ظلت الأندلس، شبه الجزيرة الإيبيرية التي سماها المسلمون بهذا الاسم، رمزاً للحضارة الإسلامية في الغرب لأزيد من سبعة قرون وثمانين عاماً. دخلها المسلمون سنة 92 هـ / 711 م، وخرج آخر سلطان مسلم منها سنة 897 هـ / 1492 م بسقوط غرناطة. لم يكن الخروج حدثاً واحداً في يوم واحد، بل عملية طويلة بدأت بالتفكك السياسي، وتسارعت بالحروب، وانتهت بالتسليم ثم بالاضطهاد والتنصير القسري ثم بالطرد الجماعي. هذا المقال يتتبع كيف انهار الوجود السياسي الإسلامي، ثم كيف أُجبر من بقي من المسلمين على الرحيل أو الاندماج القسري.
الفتح والاستقرار: من وادي لكة إلى خلافة قرطبة
في ربيع سنة 92 هـ عبر طارق بن زياد المضيق بجيش غالبيته من البربر، ونزل عند الجبل الذي حمل اسمه. انتصر على القوط الغربيين في معركة وادي لكة (جواداليت) في يوليو 711 م، وقتل ملكهم لذريق. لحقه موسى بن نصير، فاستكمل فتح معظم الجزيرة خلال سنوات قليلة. بحلول 718 م كان المسلمون يسيطرون على أغلب الأرض عدا جيوب شمالية صغيرة، أبرزها أستورياس التي انطلقت منها لاحقاً حركة الاسترداد.
بعد سقوط الدولة الأموية في المشرق، نجا عبد الرحمن الداخل ووصل إلى الأندلس سنة 138 هـ / 756 م، فأسس الإمارة الأموية المستقلة في قرطبة. تحولت الإمارة إلى خلافة في عهد عبد الرحمن الناصر (300-350 هـ)، وبلغت أوج قوتها وعمرانها في القرن الرابع الهجري. أصبحت قرطبة إحدى كبريات مدن العالم، بجامعها الكبير ومكتباتها وعلمائها في الطب والفلسفة والفلك والترجمة. لم يكن المجتمع عربياً خالصاً؛ فقد ضم عرباً وبربراً ومولدين (أهل البلاد الذين أسلموا) وصقالبة، مع أهل ذمة من نصارى ويهود عاشوا فترات طويلة في تعايش نسبي.
التصدع: ملوك الطوائف وانهيار الوحدة
بدأ الانهيار الحقيقي بسقوط الخلافة الأموية في قرطبة سنة 422 هـ / 1031 م بعد فتنة داخلية طويلة. تفتت الأندلس إلى أكثر من عشرين دويلة صغيرة عُرفت بملوك الطوائف: بنو عباد في إشبيلية، بنو زيري في غرناطة، بنو هود في سرقسطة، وغيرهم. تنافس هؤلاء الأمراء فيما بينهم، واستعان كثير منهم بالممالك النصرانية الشمالية ضد إخوانهم المسلمين، ودفعوا الجزية، وتنازلوا عن حصون.
سقطت طليطلة سنة 478 هـ / 1085 م بيد ألفونسو السادس، وكانت ضربة معنوية وعسكرية كبرى لأنها كانت عاصمة قديمة ومركزاً استراتيجياً. استنجد الأندلسيون بيوسف بن تاشفين المرابطي، فانتصر في معركة الزلاقة 479 هـ / 1086 م وأخر الانهيار عقوداً. جاء بعدهم الموحدون، لكن هزيمتهم الكارثية في معركة العقاب (لاس نافاس دي تولوسا) سنة 609 هـ / 1212 م فتحت الباب أمام سقوط المدن الكبرى تباعاً: قرطبة 1236 م، بلنسية 1238 م، إشبيلية 1248 م. لم يبق للمسلمين سوى الرقعة الجنوبية الشرقية التي أصبحت مملكة غرناطة.
مملكة غرناطة: آخر معقل يصمد قرنين ونصف
أسس محمد بن يوسف بن نصر، المعروف بابن الأحمر، مملكة غرناطة سنة 635 هـ / 1238 م تقريباً. اتخذ غرناطة عاصمة، ودفع الجزية لقشتالة، بل ساعد أحياناً في حصار مدن أندلسية أخرى مقابل البقاء. ضمت المملكة غرناطة ومالقة والمرية وأجزاء من الجبال الجنوبية. رغم صغر مساحتها، حافظت على ازدهار حضاري واضح، وبلغت العمارة أوجها في قصر الحمراء. شعارها الشهير «ولا غالب إلا الله» بقي منقوشاً على جدرانها.
عاشت المملكة في ظل توتر دائم مع قشتالة، مع فترات هدنة ودفع إتاوات، ومحاولات استنجاد بالمرينيين في المغرب. ضعفت الصلة بالمغرب تدريجياً بعد هزائم المرينيين وفقدان جبل طارق والجزيرة الخضراء في فترات مختلفة. في القرن التاسع الهجري تفشت النزاعات داخل الأسرة النصرية نفسها: صراع بين أبي الحسن علي وابنه أبي عبد الله محمد (المعروف بأبي عبد الله الصغير أو بوعبديل) وعمه الزغل. هذا الانقسام سهّل على الملكين الكاثوليكيين فرديناند الثاني ملك أراغون وإيزابيلا الأولى ملكة قشتالة، اللذين تزوجا سنة 1469 م ووحدا تاجيهما، شن حرب شاملة بدأت سنة 1482 م.
سقطت مالقة بعد حصار قاسٍ سنة 1487 م، ثم بسطة والمرية ووادي آش. في أبريل 1491 م ضرب الملكان الحصار النهائي على غرناطة، وبنيا معسكر سانتا في أمامها، ودمرا المحاصيل، وقطعا الإمدادات. صمدت المدينة شهوراً وسط الجوع والمرض والانقسام بين دعاة المقاومة ودعاة التسليم. برز موسى بن أبي الغسان رافضاً الاستسلام، لكن الغلبة كانت لصوت اليأس.
معاهدة التسليم ويوم الثاني من يناير 1492
في 25 نوفمبر 1491 م (21 محرم 897 هـ) وُقعت معاهدة تسليم غرناطة في معسكر الملكين. تضمنت عشرات البنود: تأمين المسلمين على أنفسهم وأموالهم ودورهم، الإبقاء على شريعتهم وقضاتهم ومساجدهم وأوقافهم، عدم إجبار أحد على التنصر، حرية الهجرة إلى العدوة المغربية خلال ثلاث سنوات مع توفير السفن، وإعفاء ضريبي مؤقت. تعهد أبو عبد الله بتسليم المدينة خلال ستين يوماً، وقدم رهائن.
لكن المدينة سُلمت قبل الموعد. في 2 يناير 1492 م (2 ربيع الأول 897 هـ) خرج أبو عبد الله الصغير من قصر الحمراء حاملاً المفاتيح، وسلّمها لفرديناند وإيزابيلا. رُفع الصليب فوق برج القصر، ودخل الجيش النصراني. يُروى أنه التفت وهو يغادر نحو المدينة فبكى، فقالت له أمه عائشة الحرة كلمتهما الشهيرة: «ابكِ كالنساء ملكاً لم تحافظ عليه كالرجال». المكان الذي وقف فيه صار يُعرف بـ«زفرة العربي الأخيرة». غادر لاحقاً إلى أملاكه في البشرات ثم عبر إلى المغرب، وعاش في فاس حتى توفي سنة 940 هـ / 1533 أو 1534 م.
بهذا انتهى الحكم الإسلامي السياسي في الأندلس بعد نحو 781 سنة.
نقض العهود: من المدجنين إلى الموريسكيين
لم تدم بنود المعاهدة. خلال سنوات قليلة بدأ الضغط الديني. في 1499 م قاد الكاردينال ثيسنيروس حملة تعميد جماعي وإحراق كتب عربية في غرناطة، فاندلعت ثورات قُمعت بشدة. سنة 1502 م صدر مرسوم في قشتالة يخير المسلمين بين التنصر أو الرحيل. تنصر معظم من بقي خوفاً على الأرض والأهل، وعُرفوا أولاً بالمدجنين ثم بالموريسكيين (المسيحيين الجدد من أصل مسلم). امتد التنصير القسري لاحقاً إلى أراغون وبلنسية.
ظلت السلطات تشك في إخلاصهم. حُظرت اللغة العربية واللباس والعادات الإسلامية تدريجياً. أنشئت محاكم التفتيش لتعقب من يمارس الإسلام سراً. اندلعت ثورة البشرات الكبرى (1568-1571 م) في جبال غرناطة، وقُمعت بقسوة، ونُقل آلاف الموريسكيين قسراً إلى مناطق أخرى في قشتالة لتفتيت تجمعهم.
الطرد النهائي 1609-1614
في 9 أبريل 1609 م أصدر الملك فيليب الثالث مرسوم طرد الموريسكيين. بدأ التنفيذ من مملكة بلنسية في سبتمبر من العام نفسه، ثم امتد إلى باقي الأقاليم حتى 1614 م. يُقدر عدد المطرودين بين 250 ألفاً و350 ألفاً، أي نحو 4% من سكان إسبانيا آنذاك. أُجبروا على ترك معظم ممتلكاتهم، وحُملوا في سفن إلى سواحل المغرب وتونس والجزائر، وبعضهم إلى الدولة العثمانية. مات كثيرون في الطريق غرقاً أو جوعاً أو قتلاً. استقر قسم كبير في تطوان وفاس وسلا والرباط، وأسهموا في إحياء بعض الحرف والزراعة هناك. بقي أفراد وجماعات صغيرة متخفين، وتعقبتهم محاكم التفتيش حتى القرن الثامن عشر.
بهذا اكتمل خروج العنصر الإسلامي المنظم من الأندلس، وإن بقيت آثار العمران والعلم واللغة في إسبانيا حتى اليوم.
لماذا سقطت الأندلس؟ عوامل داخلية وخارجية
لم يكن السقوط نتيجة معركة واحدة. داخلياً، أدى انقسام ملوك الطوائف واستعانتهم بالنصارى ضد بعضهم إلى تفتيت القوة. تكررت النزاعات بين العرب والبربر، وبين الأسر الحاكمة، وبين الأمراء وأعمامهم وأبنائهم كما حدث في غرناطة نفسها. انتشر الترف في فترات الازدهار، وضعف الوازع الجماعي أحياناً، وتراجعت القدرة على حشد موارد مستدامة للدفاع. انقطع المدد المنتظم من المغرب بعد ضعف الدول المغربية المتعاقبة.
خارجياً، توحدت الممالك النصرانية تدريجياً، وحصلت على دعم بابوي وفرسان من أنحاء أوروبا في لحظات حاسمة. تطورت المدفعية ووسائل الحصار. بعد سقوط القسطنطينية 1453 م ازداد الخوف الأوروبي من الإسلام، فتحولت حرب غرناطة إلى ما يشبه حملة صليبية أخيرة في الغرب. لم تنجح استغاثات غرناطة بالمماليك أو العثمانيين في تغيير المعادلة لبعد المسافة وانشغال تلك الدول بجبهاتها.
اترك تعليقاً