قبيلة آل سعيد في سلطنة عمان: جذور عريقة ودولة امتدت عبر القرون
قبيلة آل سعيد في سلطنة عمان: جذور عريقة ودولة امتدت عبر القرون

قبيلة آل سعيد في سلطنة عمان: جذور عريقة ودولة امتدت عبر القرون
في قلب التاريخ العماني، تقف قبيلة آل سعيد شاهدة على تحول عميق عاشته البلاد منذ منتصف القرن الثامن عشر حتى يومنا هذا. ليست هذه القبيلة مجرد مجموعة قبلية عادية بين قبائل عمان الكثيرة، بل هي البيت الذي خرج منه مؤسس الدولة الحديثة في عمان، والإمام الذي جمع شتات البلاد بعد سنين من الاضطراب والغزو الأجنبي، ثم الأسرة التي حملت راية الحكم أكثر من مئتين وثمانين عاماً، ووصلت بنفوذها إلى سواحل أفريقيا الشرقية وجزر المحيط الهندي. الحديث عن آل بو سعيد هو حديث عن عمان نفسها في مرحلتها المعاصرة، عن وحدة الداخل والساحل، وعن انتقال الحكم من الإمامة الإباضية التقليدية إلى السلطنة التي نعرفها اليوم.
يرجع نسب آل بو سعيد إلى الأزد القحطانية، تلك القبائل اليمنية العريقة التي هاجرت إلى عمان بعد انهيار سد مأرب في عصور سحيقة. يتصل نسبهم على وجه الخصوص بخلف بن أبي سعيد الهنائي وأخيه محمد بن أبي سعيد وابنه سيف، وهم من نسل مالك بن فهم الأزدي الذي يُعد من أشهر الفاتحين الذين استقروا في عمان وثبتوا أقدام الأزد فيها. بعض الروايات تربطهم أيضاً بالقائد المعروف المهلب بن أبي صفرة. المهم أن القبيلة خرجت من بيئة أزدية إباضية أصيلة، وموطنها الأول الذي يُجمع عليه المؤرخون العمانيون هو ولاية أدم في محافظة الداخلية. من أدم خرج أحمد بن سعيد، ومن هناك انتشر أفراد القبيلة وأفخاذها في مناطق متعددة، حتى صارت فروعهم اليوم منتشرة في مسقط ومطرح والوطية، وفي منح والرستاق وبركاء، وفي بعض قرى الباطنة والداخلية. ومع تولي أحد أبنائها الحكم، نمت العشيرة نمواً ملحوظاً، حتى أصبح فرع الإمام أحمد بن سعيد نفسه يُعد قبيلة قائمة بذاتها في عرف بعض النسابين، وهذا أمر معروف في تاريخ الأمم إذا تولى أحد فروعها السلطان.
ولد أحمد بن سعيد البوسعيدي في أدم حوالي عام 1694م، ونشأ في بيئة تجارية ورعوية كغيره من أبناء البلد. لم يكن في بدايته رجلاً من بيت ملك، بل تاجراً نشيطاً عرف طريقه إلى صحار، حيث لمع نجمه حتى عينه الإمام سيف بن سلطان اليعربي والياً عليها. كانت تلك الفترة عصيبة على عمان. دولة اليعاربة التي حررت البلاد من البرتغاليين في القرن السابق كانت قد ضعفت وتفرقت كلمتها، ودخل الفرس بقيادة نادر شاه في شؤون عمان، ووصلت قواتهم إلى الساحل والداخل. وقف أحمد بن سعيد في صحار موقفاً صلباً. دافع عن المدينة شهوراً طويلة، وصبر على الحصار، ثم استطاع بحيلة ودهاء أن يخرج الفرس من البلاد. بعد مقتل الإمام سلطان بن مرشد في صحار عام 1743م، وتدهور أحوال اليعاربة، التف أهل الحل والعقد حول والي صحار. بايعوه إماماً في الرستاق ليلة الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة 1162هـ، الموافق العاشر من يونيو 1749م في أشهر الروايات، وإن اختلفت بعض التواريخ قليلاً بين المؤرخين. اتخذ الرستاق عاصمة له في البداية، وبدأ يعيد بناء الدولة من جديد.
لم يكن حكم الإمام أحمد بن سعيد مجرد انتقال سلطة من أسرة إلى أخرى. فقد وحد القبائل المتناحرة، وأعاد الأمن إلى الطرق، واهتم بالزراعة والاقتصاد، وأنشأ تنظيماً إدارياً ومالياً لم يكن مألوفاً بالقدر نفسه من قبل. بنى أسطولاً بحرياً قوياً، وجعل ابنه هلالاً على رأسه، حتى وصل نفوذ عمان إلى ميناء الفاو وفرض رسوماً على السفن العثمانية في الخليج فترة من الزمن. ومن أشهر أعماله مساعدة أهل البصرة حين حاصرها الفرس بقيادة كريم خان الزند عام 1775-1776م، فأرسل جيشاً وأسطولاً فك الحصار، فنال بذلك تقدير الدولة العثمانية. توفي الإمام أحمد في الرستاق عام 1783م عن عمر ناهز التسعين تقريباً، ودُفن فيها، تاركاً وراءه أبناء منهم سعيد وقيس وسيف وسلطان وهلال.
بعد وفاته دخلت الأسرة في مرحلة انتقالية معروفة في تاريخ الدول الناشئة. بويع ابنه سعيد بالإمامة في الرستاق، لكنه واجه معارضة من بعض زعماء القبائل ومن إخوته. اتخذ الرستاق مقراً وبني فيها حصن المنصور، وأشرك ابنه حمد في إدارة مسقط. لكن النفوذ الفعلي انتقل تدريجياً إلى الساحل، خصوصاً بعد أن استولى سلطان بن أحمد على مسقط. ومنذ ذلك الحين بدأت العاصمة تنتقل نحو البحر، وبدأ اللقب يتحول من إمام إلى سيد ثم إلى سلطان.
بلغت الدولة أوج قوتها في عهد السيد سعيد بن سلطان، حفيد المؤسس، الذي حكم من 1806 إلى 1856م. يُلقب أحياناً بسعيد العظيم. في عهده امتدت الإمبراطورية العمانية من بندر عباس وهرمز وقيشم في الخليج إلى زنجبار وبمبا ومafia ولامو وممباسا على الساحل الأفريقي الشرقي، بل وصلت بعض النفوذ إلى جزر القمر. جعل زنجبار عاصمة ثانية، ونشر زراعة القرنفل هناك، وأقام علاقات دبلوماسية مع بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. كانت السفن العمانية تجوب المحيط الهندي، وكان ميناء مسقط من أهم الموانئ التجارية في المنطقة. بعد وفاته عام 1856م انقسمت الإمبراطورية بين أبنائه: ثويني في عمان وماجد في زنجبار، بتحكيم بريطاني. استمر حكم آل بو سعيد في زنجبار حتى الثورة عام 1964م، بينما بقي الحكم في عمان في يد الفرع الآخر.
مرت عمان بعد ذلك بفترات صعبة: صراعات داخلية، ظهور الإمامة في الداخل في بعض الفترات مثل إمامة عزان بن قيس، ثم معاهدة السيب عام 1920م التي فصلت عملياً بين الساحل الذي يحكمه السلطان والداخل الذي يحكمه الإمام. استمر الحال حتى عهد السلطان سعيد بن تيمور، ثم جاء التحول الكبير عام 1970م حين تولى السلطان قابوس بن سعيد الحكم. في عهده خرجت عمان من العزلة، وبُنيت الدولة الحديثة، وامتدت الطرق والمدارس والمستشفيات في كل ولاية، واستعادت البلاد مكانتها الإقليمية بهدوء ودبلوماسية معروفة. توفي السلطان قابوس عام 2020م، وتولى بعده ابن عمه السلطان هيثم بن طارق آل سعيد، الذي يسير على النهج نفسه في التنمية والاستقرار.
آل بو سعيد اليوم ليسوا فقط الأسرة الحاكمة. فأفراد القبيلة منتشرون في الوظائف الحكومية والتجارة والعلم، ويحافظون على صلاتهم القبلية في أدم ومنح والرستاق ومسقط وغيرها. المذهب الإباضي الذي يميز معظم أهل عمان الداخلي هو مذهبهم أيضاً، وقد أنجبت القبيلة علماء وفقهاء إلى جانب السلاطين. ما يميز تاريخ هذه الأسرة أنها نجحت في الانتقال من إمامة دينية تقليدية إلى سلطنة حديثة دون أن تفقد الشرعية التاريخية التي استمدتها من مبايعة أهل عمان للإمام أحمد بن سعيد قبل أكثر من قرنين ونصف.
اترك تعليقاً