نهاية الدولة العباسية
نهاية الدولة العباسية

نهاية الدولة العباسية
قامت الدولة العباسية سنة 132 هـ / 750 م بعد إسقاط الأمويين، واتخذت بغداد عاصمة منذ عهد المنصور. حكم العباسيون رسمياً أكثر من خمسة قرون في العراق، وبلغت دولتهم في القرن الثاني والثالث الهجري أوج قوتها الحضارية والسياسية. لكن «الدولة» بمعنى السلطة المركزية الواسعة انكمشت منذ منتصف القرن الثالث الهجري، حتى لم يبقَ للخليفة في القرن السابع إلا بغداد وما حولها تقريباً. جاءت الضربة القاضية سنة 656 هـ / 1258 م بسقوط بغداد على يد المغول بقيادة هولاكو خان، ومقتل الخليفة المستعصم بالله. هذا الحدث يُعد نهاية الدولة العباسية ككيان سياسي مستقل، وإن استمرت الخلافة اسماً ورمزاً في القاهرة تحت رعاية المماليك حتى الفتح العثماني سنة 923 هـ / 1517 م.
من القوة إلى الرمز: كيف تآكلت الدولة قبل المغول
بعد العصر العباسي الأول (المنصور، الرشيد، المأمون) دخلت الخلافة مرحلة ضعف بنيوي. سيطر الجند الأتراك على دار الخلافة، ثم جاء البويهيون سنة 334 هـ فجعلوا الخليفة أسيراً في قصره مع الإبقاء على الخطبة والسكة باسمه. سنة 447 هـ دخل طغرل بك السلجوقي بغداد، وانتقلت الوصاية إلى السلاجقة. ظلت الخلافة مؤسسة دينية شرعية يحترمها معظم العالم السني، لكن القرار السياسي والعسكري كان لغير العباسيين في فارس والشام وم مصر والمغرب.
في أواخر القرن السادس وأوائل السابع الهجري استعاد بعض الخلفاء، ولا سيما الناصر لدين الله، نفوذاً محلياً في العراق ونظم الفتوة وحاول إعادة هيبة المنصب. غير أن ذلك لم يُعد بناء جيش كبير ولا إدارة قادرة على صد إمراضورية مغولية كانت قد سحقت الدولة الخوارزمية وفتحت الطريق من خراسان إلى العراق. عندما تولى المستعصم بالله (640–656 هـ) كانت الخزانة ضعيفة، والجيش محدوداً، والانقسام بين حاشيته شديداً، والاستعداد للحرب شبه معدوم. الرواية التقليدية تتهم الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي بالتهاون أو التواطؤ؛ والمصادر الحديثة تتعامل مع هذه التهمة بحذر، لكنها تتفق على سوء التقدير وقلة الاستعداد.
زحف هولاكو وحصار بغداد
كلّف الخان الأكبر منكو خان أخاه هولاكو بالتوسع غرباً: القضاء على الإسماعيليين في ألموت، ثم إخضاع الخليفة إن لم يُظهر الطاعة الكاملة. بعد سقوط قلاع الحشاشين أرسل هولاكو إلى المستعصم يطالبه بهدم الأسوار والخنادق والخروج إليه. رفض الخليفة في البداية، ثم تردد بين المقاومة والتفاوض بعد فوات الأوان.
وصل الجيش المغولي إلى مشارف بغداد أواخر محرم 656 هـ / أواخر يناير 1258 م، وضرب حصاراً من الجانبين الشرقي والغربي، واستخدم المجانيق، وقطع بعض قنوات الري. لم يصمد الجيش العباسي طويلاً. في 4 صفر 656 هـ / 10 فبراير 1258 م سقطت المدينة واستسلم الخليفة. دخل المغول بغداد وبدأ النهب والقتل. استمرت الاستباحة أياماً أو أسابيع بحسب الروايات، وقيل أربعين يوماً في بعض المصادر الإسلامية. قُتل المستعصم بعد نحو عشرة أيام، في رواية شائعة لُفّ في بساط أو جوالق ودِيسته الخيول حتى لا يُسفك دمه على الأرض، حسب عرف مغولي يتجنب إراقة دم الملوك مباشرة. قُتل معه كثير من أهل بيته وأعيان المدينة.
تفاوتت تقديرات القتلى بشدة: هولاكو نفسه ذكر نحو مئتي ألف، بينما ترفع مصادر إسلامية الرقم إلى ثمانمئة ألف أو أكثر، وبعض الروايات الشعبية تتحدث عن مليون أو مليوني قتيل. الرقم الدقيق متعذر، لكن الإجماع قائم على مجزرة هائلة دمرت النسيج السكاني للعاصمة. أُحرقت أحياء وقصور ومساجد، وأُصيبت شبكة الري، وأُلقيت كتب كثيرة في دجلة حتى قيل إن ماء النهر اسودّ من الحبر. مبالغة بعض هذه الصور لا تنفي حجم الكارثة العمرانية والثقافية. تحولت بغداد بعد ذلك إلى مدينة خاضعة للإيلخانيين، وفقدت مكانتها كحاضرة للخلافة.
لماذا سقطت بغداد بهذه السرعة؟
لم يكن السقوط مفاجأة عسكرية فقط. كانت الدولة العباسية قد فقدت منذ قرون القدرة على حشد موارد دار الإسلام. العالم الإسلامي نفسه كان ممزقاً بين أيوبيين ومماليك ناشئين في مصر، وإسماعيلية، ودول مغربية، وبقايا خوارزمية منهارة. المغول جاؤوا بتنظيم عسكري صارم، وخبرة حصار، وسياسة رعب ممنهجة ضد من يرفض التسليم. أخطأ المستعصم حين استهان بالخطر ثم حين خرج للتفاوض بعد أن انهار الدفاع. حتى لو قاومت بغداد أسابيع أطول، كان اختلال موازين القوة واضحاً. يبالغ بعض الخطاب في جعل سقوط بغداد «نهاية العصر الذهبي الإسلامي» دفعة واحدة. العلوم والثقافة استمرت في مصر والشام والأناضول وفارس والمغرب والأندلس. لكن رمز الخلافة الجامعة في بغداد انكسر، وارتبطت الكارثة في الذاكرة الإسلامية بانهيار مركز كان لخمسة قرون عنوان الشرعية السنية.
الخلافة العباسية في القاهرة: بقاء الاسم بعد زوال الدولة
بعد مقتل المستعصم بقيت البلاد ثلاث سنوات تقريباً بلا خليفة معترف به على نطاق واسع. سنة 658 هـ انتصر المماليك على المغول في عين جالوت، فتوقف الزحف نحو مصر. في 659 هـ / 1261 م استقدم السلطان الظاهر بيبرس أحمد بن الخليفة الظاهر، وهو من الناجين من البيت العباسي، وبايعه في القاهرة باسم المستنصر بالله، ليضفي على سلطنة المماليك غطاء شرعياً كانوا يحتاجونه بعد أصلهم العسكري المملوكي. قُتل المستنصر سريعاً في حملة فاشلة نحو بغداد، فبويع الحاكم بأمر الله، واستمرت سلسلة خلفاء عباسيين في القاهرة.
كان خليفة القاهرة يخطب باسمه على المنابر وتُضرب السكة أحياناً بذكره، ويُبايع السلاطين بين يديه، لكنه لم يملك جيشاً ولا إقليماً ولا قراراً. السلطة الفعلية للسلطان المملوكي. استمر هذا الترتيب حتى دخل السلطان العثماني سليم الأول مصر سنة 923 هـ / 1517 م بعد معركة الريدانية. آخر الخلفاء العباسيين هناك هو المتوكل على الله الثالث. تروي الرواية الشائعة أنه تنازل لسليم عن الخلافة والآثار النبوية؛ والبحث التاريخي الحديث يرى أن انتقال لقب «خليفة» إلى العثمانيين كان عملية أطول وأقل رسمية مما تصور الكتب المدرسية، لكن النتيجة واحدة: انتهى الفرع العباسي حتى من وظيفته الرمزية في القاهرة.
ما الذي انتهى سنة 1258 وما الذي بقي؟
انتهت سنة 656 هـ الدولة العباسية بمعنى الحكم من بغداد، والجهاز الإداري المرتبط بدار الخلافة، والمدينة بوصفها عاصمة العالم الإسلامي السني. بقي الاسم العباسي قرنين ونصفاً في القاهرة أداة شرعية للمماليك. أما فكرة الخلافة نفسها فانتقلت لاحقاً إلى الخطاب العثماني، ثم أُلغيت في القرن العشرين. سقوط بغداد لم يكن نهاية الإسلام ولا نهاية الحضارة العربية، لكنه كان نهاية أطول خلافة مركزية في المشرق بعد الراشدين والأمويين. اجتمع فيه ضعف داخلي متراكم، وتفكك إقليمي، وجيش عالمي جديد لا يعترف بقداسة العواصم القديمة. من أراد فهم نهاية العباسيين لا يكتفي بيوم دخول هولاكو؛ عليه أن يرى القرون التي تحول فيها الخليفة من صاحب أمر ونهي إلى رمز يُحاصَر ثم يُداس في بساط على أبواب عاصمته.
اترك تعليقاً