كيف فتح العرب الأندلس: من المضيق إلى طليطلة
كيف فتح العرب الأندلس: من المضيق إلى طليطلة

كيف فتح العرب الأندلس: من المضيق إلى طليطلة
فُتحت الأندلس في مطلع القرن الثاني الهجري ضمن توسع الدولة الأموية بعد استكمال فتح المغرب. لم يكن العبور مغامرة فردية، بل حملة منظمة انطلقت من إفريقية بقرار واليها موسى بن نصير، وبعلم الخليفة الوليد بن عبد الملك. الجيش الأول كان في غالبه بربرياً بقيادة طارق بن زياد، ثم عززه موسى بجيش عربي أكبر. خلال ثلاث أو أربع سنوات سقطت مملكة القوط الغربيين، وصارت معظم شبه الجزيرة الإيبيرية ولاية أموية عُرفت بالأندلس.
لماذا عُبرت الأندلس في ذلك الوقت؟
اكتمل فتح المغرب الأقصى تقريباً في عهد موسى بن نصير. صارت طنجة قاعدة أمامية على المضيق، ولم يبقَ حاجز بحري واسع بين إفريقية وإسبانيا. في الضفة الأخرى كانت مملكة القوط الغربيين تعاني أزمة خلافة. بعد وفاة الملك غيطشة تنازع النبلاء، وغلب لذريق (رودريك) على العرش نحو سنة 710 م دون إجماع كامل. ضعف الجيش المركزي، وثقلت الضرائب على السكان، وتفرقت الولاءات بين العاصمة طليطلة والأقاليم.
تذكر المصادر العربية أن يوليان، حاكم سبتة، عرض على موسى العون بالسفن والدليل والمعرفة بأحوال البلاد. الرواية الشائعة تربط ذلك بالانتقام بعد اعتداء لذريق على ابنته. المؤرخون المحدثون يتعاملون مع القصة بحذر؛ فقد تكون نواة سياسية غُلفت لاحقاً بحكاية شرف. الأرجح أن يوليان، سواء كان بيزنطياً سابقاً أو مرتبطاً بالقوط، فقد سند غيطشة وأراد إسقاط لذريق أو حماية موقعه. التعاون سهّل العبور، لكنه لم يكن السبب الوحيد: المسلمون كانوا أصلاً في موقع يسمح بالهجوم بعد تأمين المغرب، والفتح يندرج في منطق تأمين الثغور ونشر السلطان الأموي.
أمر الوليد بالاحتياط أولاً. أُرسلت سنة 91 هـ / 710 م سرية استطلاع بقيادة طريف بن مالك، نزلت في الموقع الذي عُرف لاحقاً بجزيرة طريف أو Tarifa، وعادت بغنائم وأكدت ضعف المقاومة الساحلية. شجع النجاح موسى على الحملة الكبرى.
عبور طارق ومعركة وادي لكة
في ربيع سنة 92 هـ / أبريل 711 م عبر طارق بن زياد، مولى موسى وواليه على طنجة، المضيق بجيش يقدَّر غالباً بسبعة آلاف مقاتل، أكثرهم بربر حديثو الإسلام، مع قلة من العرب. نزل عند الصخرة التي سُميت جبل طارق. تقدم نحو الجزيرة الخضراء ثم داخل إقليم شذونة. عندما حشد لذريق قواته، طلب طارق مدداً فجاءه نحو خمسة آلاف مع طريف بن مالك، فصار مجموع الجيش نحو اثني عشر ألفاً في أعلى التقديرات الشائعة. أرقام جيش القوط في المصادر الإسلامية (أربعون إلى مئة ألف) مبالغ فيها على الأرجح, لكن التفوق العددي كان للقوط.
التقى الجيشان في أواخر رمضان 92 هـ، والتاريخ المعتمد للمعركة الفاصلة هو 28 رمضان / 19 يوليو 711 م، في موضع يُسمى وادي لكة أو وادي برباط أو سهل البحيرة قرب شذونة (معركة Guadalete في الدراسات الغربية). استمر القتال نحو سبعة أو ثمانية أيام. انهار جيش لذريق؛ قُتل الملك أو اختفى، وانسحب بعض أجنحة النبلاء، وربما تعمد بعضهم خذلانه بسبب النزاع على العرش. فُتحت بذلك أبواب الجنوب. قصة إحراق طارق للسفن خطبةً شهيرة متأخرة؛ لا تثبتها أقدم الروايات بهذه الصورة الدرامية، وإن عبّرت لاحقاً عن معنى قطع العودة.
من شذونة إلى طليطلة ثم عبور موسى
بعد المعركة لم يمهل طارق فلول القوط أن تتجمع. أرسل فرقاً إلى قرطبة ومالقة وإلبيرة/غرناطة، وسار هو نحو العاصمة طليطلة فدخلها والقلعة ضعيفة المقاومة بعد فرار الحامية. استولى على ذخائر القصر، ومنها ما سمّته الروايات «مائدة سليمان». قضى الشتاء في المنطقة الوسطى وكتب إلى موسى بالنصر وطلب الدعم.
غضب موسى، في الرواية التقليدية، لأن تابعه سبقه إلى المجد. في رجب أو رمضان 93 هـ / صيف 712 م عبر بنفسه بجيش يُقدَّر بنحو ثمانية عشر ألف مقاتل، غالبيتهم من العرب القيسيين واليمنيين والشاميين، ومعه ابنه عبد العزيز. سلك محوراً غربياً أكثر انتظاماً: فتح مدن الجنوب الغربي، ثم حاصر ماردة مقاومة طويلة حتى سقطت صيف 713 م، ثم لحق بطارق في طليطلة. تروي المصادر أنه وبّخه أو عاقبه ثم اصطلحا بأمر الخليفة أو بحكم الواقع، وتابعا الفتح معاً نحو سرقسطة والثغر الأعلى حتى مشارف البرانس. بحلول 95 هـ / 714 م كانت معظم المدن الكبرى قد سقطت أو صالح أهلها. بقيت جيوب في الجبال الشمالية الغربية (أستورياس) وفي بعض المناطق البشكنسية، ومنها ستنطلق لاحقاً حركة الاسترداد.
عُقدت معاهدات مع بعض الأقطاب المحليين، أشهرها عهد تدمير (تودمير) في شرق الأندلس سنة 94 هـ / 713 م، الذي أبقى للنصارى كنائسهم وأموالهم مقابل الجزية والولاء. هذا نمط سهّل السيطرة دون تدمير شامل لكل مدينة.
الاستدعاء إلى دمشق وتنظيم الولاية
سنة 95 هـ استُدعي موسى وطارق إلى دمشق في أواخر عهد الوليد ثم في أول عهد سليمان بن عبد الملك. انتهى أمر موسى بالحرمان والنكبة في الرواية الغالبة، واختفى طارق عن المسرح السياسي. بقي عبد العزيز بن موسى والياً في إشبيلية فترة قصيرة حتى قُتل سنة 97 هـ. توالى الولاة التابعون للقيروان ثم لدمشق، واتخذت الأندلس شكل ولاية أموية، عاصمتها أولاً إشبيلية ثم قرطبة. استمر التوسع المحدود نحو الغال حتى أوقف في معركة بلاط الشهداء (بواتييه) سنة 114 هـ / 732 م، أما قلب الجزيرة فقد ثبت للمسلمين.
ما الذي جعل الفتح سريعاً؟
اجتماعت عوامل عدة. أولاً: انهيار الشرعية القوطية بعد معركة واحدة قُتل فيها الملك وتفرقت الأرستقراطية. ثانياً: جيش خفيف سريع، يعتمد على البربر العارفين بتضاريس المغرب والمضيق، ثم على عرب منظمين في الموجة الثانية. ثالثاً: سياسة الصلح مع المدن التي تستسلم، مقابل الجزية، فلم تتحول كل حاضرة إلى حصار طويل. رابعاً: الفراغ البحري بعد سيطرة المسلمين على سبتة وطنجة. لم يكن الفتح «معجزة عدد» بقدر ما كان استثماراً لحظة ضعف خصم منقسم، بقوة انطلقت من قاعدة مغربية أصبحت جاهزة بعد عقود من الفتح في إفريقية. من الدقة ألا يُقال إن «العرب وحدهم» فتحوا الأندلس. القيادة والشرعية أموية عربية، والجيش الأول بربري في معظمه، والسكان المحليون دخل كثير منهم لاحقاً في الإسلام وعُرفوا بالمولدين. النتيجة واحدة: في أقل من أربع سنوات انتقلت شبه الجزيرة من مملكة قوطية مسيحية إلى ولاية إسلامية ستعمّر حضارياً قروناً، وتُسمى في المصادر العربية الأندلس.
اترك تعليقاً