أبريل 27, 2026
اقتصاد

الانكماش التضخمي: حين يسرق منك المنتج دون أن ترفع الشركة السعر

bayanelm 31 1 دقيقة 0
الانكماش التضخمي: حين يسرق منك المنتج دون أن ترفع الشركة السعر

لاحظتَ يوماً أن علبة البسكويت المفضلة لديك أصبحت أخف وزناً، أو أن عدد القطع داخلها تقلّص، لكن السعر بقي كما هو؟ ربما ظننتَ أنك توهّمتَ، أو أن الشركة “ضغطت على التكاليف”. في الحقيقة، كنتَ تقع ضحية ظاهرة اقتصادية مدروسة وممنهجة تُسمّى الانكماش التضخمي أو Shrinkflation — وهي أحد أكثر الأدوات التجارية خداعاً في تاريخ الاقتصاد الحديث.

ما هو الانكماش التضخمي؟

الانكماش التضخمي هو مصطلح مركّب من كلمتي “الانكماش” و”التضخم”، ويصف ظاهرة تقليص حجم المنتج أو كميته مع الإبقاء على سعره دون تغيير، أو حتى رفعه. والمفارقة الصارخة أن هذا قد لا ينعكس في مؤشرات التضخم الرسمية كمؤشر أسعار المستهلك، لأن هذه المؤشرات تقيس سعر الوحدة لا سعر الوزن أو الحجم. Wikipedia

بمعنى أبسط: أنتَ تدفع نفس المبلغ، لكنك تحصل على أقل. التضخم الحقيقي الذي تعيشه أعلى بكثير مما تقوله الحكومة.

؟

الفكرة الجوهرية هي “إنقاص المنتج دون أن يلاحظ المشتري”. وتلجأ إليها الشركات بشكل خاص في أوقات التضخم الحاد، إذ تسعى للحفاظ على عملائها دون أن تتكبّد خسائر. ويفسّر ذلك حساسية المستهلكين تجاه الأسعار — فإذا ارتفع سعر زجاجة الحليب من 3 دراهم إلى 3.5 درهم، قد يتذمر المستهلك أو يتحوّل لمنتج منافس. Medium

لكن إذا بقي السعر 3 دراهم وتقلّصت الكمية من 500 مل إلى 450 مل؟ الغالبية لن تنتبه أصلاً.

وتتنوع أساليب الشركات في تنفيذ ذلك:

  • تقليص الوزن أو الحجم مع إبقاء التصميم الخارجي مطابقاً
  • تقليل عدد القطع في العبوة (شوكولاتة، بسكويت، علب المناديل)
  • توسيع “الفراغ” داخل العبوة حتى تبدو ممتلئة وهي ليست كذلك
  • إعادة صياغة المنتج بمكونات أرخص مع إبقاء المظهر ذاته (وهذا يُسمّى أحياناً Skimpflation)

لماذا يختارون هذا بدلاً من رفع السعر؟

الباحث الاقتصادي باراك أورباخ يرى أن المنافسة هي المحرّك الأساسي لهذه الظاهرة: “حين ترتفع تكاليف الإنتاج، تجد الشركات نفسها مضطرة لتحميل المستهلك هذه الزيادة، لكن في الأسواق التنافسية، رفع الأسعار مباشرةً ينطوي على مخاطر. لذا تختار الشركات كثيراً رفع الأسعار بطريقة غير مباشرة عبر تقليص الحجم.” Wikipedia

ببساطة: المستهلك يشعر بغضب شديد من رفع السعر لأنه يراه بوضوح، لكنه لا يلاحظ نقص الوزن لأنه لا يزن المنتج في كل مرة.

الانكماش التضخمي في حياتنا العربية

الظاهرة ليست غربية بحتة، بل هي موجودة في أسواقنا بشكل واسع، وتشتد في فترات ارتفاع أسعار المواد الخام والشحن والطاقة. إليك أمثلة نموذجية:

في السوبرماركت: علب الشوكولاتة تفقد قطعاً مع كل إعادة إطلاق للتصميم، حليب الأطفال يتراجع من 900 غرام إلى 800 غرام بنفس السعر، المناشف الورقية تنقص لفّةً كاملة.

في المطاعم والمقاهي: أحجام الوجبات تتقلص، لكن القائمة لا تُعلنها. كمية اللحم في الوجبة تنخفض. حجم كوب القهوة ينقص سنتيمتراً مع إبقاء السعر ثابتاً.

في منتجات العناية: كريمات وشامبو تُملأ بكميات أقل في نفس العبوة.

ما الذي يجعلها خطيرة اقتصادياً؟

أولاً، تشوّه مؤشرات التضخم الرسمية. حين تحسب الحكومة التضخم وتجد أن سعر علبة الجبن لم يتغير، تُفيد بأن التضخم معتدل. لكن المواطن يعلم أنه يحصل على كمية أقل بنفس المال.

ثانياً، تضرب القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة والفقيرة بشكل غير متناسب، لأن هذه الفئات تعتمد على المنتجات المعبّأة والسلع الاستهلاكية اليومية أكثر من غيرها.

ثالثاً، تقوّض الثقة في السوق. حين تنتشر الظاهرة دون رقابة، يصبح المستهلك غير قادر على مقارنة الأسعار بشكل حقيقي.

هل ثمة من يحاربها؟

في عام 2023، بادرت سلسلة سوبرماركت كارفور الفرنسية إلى تحذير عملائها صراحةً من هذه الممارسة. وبعض المدافعين عن حقوق المستهلك يطالبون بإلزام الشركات قانونياً بالإعلان عن أي تخفيض في حجم المنتج. Wikipedia

في العالم العربي، هذه الرقابة شبه غائبة. لا قوانين صريحة تُلزم الشركات بالإفصاح عن تقليص الكميات، ووكالات حماية المستهلك — حيثما وُجدت — لا تُولي هذا الملف الأولوية الكافية.

كيف تحمي نفسك؟

الوعي هو السلاح الأول. إليك أدوات عملية:

احسب سعر الوحدة لا سعر المنتج. بدلاً من مقارنة “5 ريال مقابل 6 ريال”، احسب السعر لكل 100 غرام أو 100 مل.

لاحظ التغييرات في التصميم. كل ما تغيّرت العبوة، افحص الوزن المطبوع عليها قبل الشراء.

قارن وزن المنتج عبر الزمن. إذا احتفظت بصورة قديمة للمنتج أو تذكر وزنه السابق، قارنه بالحالي.

ثق بحواسك لا بالسعر. إذا شعرت أن العبوة أخف أو أصغر — فأنت على الأرجح لا تتوهم.

خاتمة: التضخم المرئي وغير المرئي

التضخم الذي نسمع عنه في نشرات الأخبار هو جزء واحد من الصورة. الجزء الآخر — الأخطر ربما لأنه أصعب رصداً — هو ذلك التضخم الصامت الذي يسرق من وزن منتجاتنا ويُبقي الأسعار ثابتة ليوهمنا بالاستقرار.

رابط المقالة القصير
مشاركة:
31 مشاهدة

اترك تعليقاً