
الحملة (الحرب) الصليبية الاولى
الحملة الصليبية الأولى (1095-1102م) كانت حملة عسكرية أطلقها الغرب الأوروبي بهدف السيطرة على القدس والأراضي المقدسة، والتي كانت تحت حكم المسلمين. جاءت الحملة بعد طلب من الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأول كومنينوس، فاستجاب البابا أوربان الثاني لذلك، ودعا إلى حملة “تحرير” الأراضي المقدسة، وهو ما تحقق جزئيًا في عام 1099م عندما سيطر الصليبيون على القدس بعد حصار طويل.
شارك في الحملة حوالي 60,000 مقاتل، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من غير المقاتلين. وخاضت القوات معارك في آسيا الصغرى والشام، حيث استولت على مدن كبيرة مثل نيقية وأنطاكية قبل أن تصل إلى هدفها الرئيس: مدينة القدس. وقد فتحت هذه الحملة الباب لحملات لاحقة توسعت رقعتها لتشمل مناطق أبعد، حتى أن القسطنطينية نفسها تعرضت لهجوم في الحملة الرابعة.
الظروف التي أدت إلى انطلاق الحملة تعود إلى توسع السلاجقة في مناطق آسيا الصغرى وبلاد الشام بعد انتصارهم على البيزنطيين في معركة ملاذكرد عام 1071م، ما أدى إلى فقدان الإمبراطورية البيزنطية لمدن مهمة مثل الرها وأنطاكية، ومن ثم القدس عام 1087م. طلب الإمبراطور البيزنطي الدعم العسكري من الغرب، وهو ما استغله البابا أوربان الثاني لتعزيز سلطته السياسية والدينية.
في خطابه في مجمع كليرمون عام 1095م، دعا البابا إلى حملة تُصور على أنها “حج مسلح” يمحو الخطايا، وقد لاقى نداءه استجابة واسعة، خاصة مع انتشار روايات دعائية ضخّمت من معاناة المسيحيين في الشرق. وهكذا، توجهت جموع المحاربين نحو المشرق، مدفوعة بمزيج من الحماسة الدينية والطموح الشخصي.
قبل وصول الجيوش النظامية، تحركت جموع من العامة بقيادة بطرس الناسك ووالتر الفقير، وأطلق عليهم اسم “حملة الشعب”، وقد تعرضوا لهزائم كارثية أبرزها مذبحة نيقية على يد السلاجقة. في المقابل، وصلت القوات المنظمة في نهاية عام 1096م، بقيادة أمراء بارزين مثل بوهيموند الطرطوسي وجودفري دي بويون وريمون تولوز، وتمكنت من الاستيلاء على نيقية في يونيو 1097م.
بعد معركة دوريليوم وفتح أنطاكية في يونيو 1098م بعد حصار مرير، وُجهت الأنظار نحو القدس، التي تم الوصول إليها في يونيو 1099م، وحوصرت لأكثر من شهر. في 15 يوليو، دخلت القوات المدينة بعد معركة ضارية أعقبها قتل واسع النطاق للسكان، بلغ ذروته في المسجد الأقصى، وفقًا لما تذكره المصادر المعاصرة من كلا الجانبين.
بعد السيطرة على المدينة، أُعلن جودفري حاكمًا على القدس، فيما استمرت الحملات اللاحقة لاستكمال السيطرة على المدن الساحلية مثل عكا وقيسارية. لكن هذا لم يكن نهاية المطاف؛ فسرعان ما بدأت موجة جديدة من المقاومة، وكان على القوات الغربية مواجهة واقع لم يكونوا مستعدين له: انقسام داخلي، تضاريس معقدة، وشعوب لم تقبل الاحتلال الجديد.
تجلّت التوترات أيضًا بين الصليبيين والبيزنطيين، الذين شعروا أن وعود الولاء لم تُحترم، خاصة بعد أن احتفظ بوهيموند بأنطاكية لنفسه. وفيما كان المفترض أن يكون التحالف منسجمًا، ساد عدم الثقة والصدامات.
ورغم ما تحقق من مكاسب في البداية، فإن تعقيدات المشهد السياسي والعسكري، والانقسامات الداخلية، سرعان ما أدت إلى تراجع النفوذ الغربي في المنطقة. الحملة، رغم نجاحها المؤقت، كانت بداية لسلسلة من الحروب المتواصلة التي امتدت لقرنين من الزمن، لم تخلُ من آثار سلبية على العلاقات بين الشرق والغرب، وبين مكونات المجتمعات المختلفة.
وقد استُخدمت الحملة الأولى لاحقًا لتبرير حملات توسعية جديدة طالت شمال إفريقيا والأندلس وشرق أوروبا، حيث وسع مفهوم “الحروب المقدسة” ليشمل فئات وشعوبًا متعددة، تحت ذرائع مختلفة.
الرابط المختصر للمقال: https://bayanelm.com/?p=31080