
“الإينوما إيليش” او “ألواح الخلق السبعة” في الحضارة البابلية
“الإينوما إيليش”، المعروفة أيضًا باسم “ألواح الخلق السبعة”، هي الأسطورة البابلية عن خلق الكون، واسمها مستمد من الكلمات الافتتاحية للنص: “عندما في الأعالي”. تسرد هذه الأسطورة قصة انتصار الإله العظيم مردوخ على قوى الفوضى، وتأسيسه للنظام عند خلق العالم.
تم العثور على الألواح التي تحتوي على هذه الأسطورة في مواقع متعددة مثل آشور، كيش، مكتبة آشور بانيبال في نينوى، وسلطان تيبه، ويعود تاريخها إلى نحو 1200 قبل الميلاد. ومع ذلك، تشير الحواشي إلى أن هذه الألواح ما هي إلا نسخ من نص أقدم بكثير سبق عهد حمورابي ملك بابل (1792-1750 ق.م)، الذي رفع مردوخ إلى مرتبة الإله الراعي لبابل. يُعتقد أن القصيدة في شكلها الحالي هي تعديل لنص سومري أقدم.
في النسخة السومرية الأصلية، كان الإله إنكي (إيا) أو إنليل يلعب الدور الأساسي، بينما حلّ مردوخ لاحقًا بدلاً منهم في النسخة البابلية. وحتى في النسخة البابلية، ما زال لإيا دور مهم، خصوصًا في خلق البشر.
ملخص القصة: في البداية، لم يكن هناك شيء سوى المياه غير المتمايزة والفوضى. انفصلت هذه المياه إلى مياه عذبة (الإله أبسو) ومياه مالحة (الإلهة تيامات). ومن اتحادهما نشأ الآلهة الصغار.
لكن الآلهة الصغار أزعجوا أبسو بضوضائهم، فقرر مع وزيره ممو قتلهم. غير أن تيامات حذرت ابنها إيا، الذي خدّر أبسو وقتله، ثم بنى بيته من جسده.
ثار غضب تيامات لقتل رفيقها، واستعانت بالإله كينغو، الذي أعطته ألواح القدر وجعلته قائد جيشها المؤلف من أحد عشر وحشًا رهيبًا. حاولت الآلهة الشابة مواجهتها لكنها فشلت، إلى أن تقدم مردوخ ووعد بالنصر مقابل تنصيبه ملكًا عليهم.
انتصر مردوخ في المعركة، فقتل تيامات بسهم شق جسدها نصفين، وصنع من جسدها الأرض والسماء. وأخذ ألواح القدر من كينغو، وثبّت النظام، ووزع الأدوار على الآلهة، وربط وحوش تيامات عند قدميه.
ثم استشار إيا وقرر خلق الإنسان من دم كينغو، ليخدم الآلهة ويحررهم من عبء العمل. وهكذا، خُلق الإنسان ليكون شريكًا للآلهة في حفظ النظام ومواجهة الفوضى.
أهمية الأسطورة: ألهمت هذه الأسطورة لاحقًا كتبة العهد القديم في كتابة سفر التكوين، حيث ظهرت أوجه شبه في ترتيب خلق الكون من الفوضى، وخلق النور، ثم السماء، ثم الإنسان. لكن الفارق أن الإينوما إيليش كانت تصور خلق الإنسان كشريك في العمل الإلهي، بينما في الكتاب المقدس يُصوّر كخليفة لله في الأرض.
كما أن الأسطورة تمجد مردوخ وتجعله محور الخلق والملك الأعلى، مما يعكس تصاعد مكانة بابل ومردوخ فيها. وكان يُتلى نص الإينوما إيليش خلال مهرجان رأس السنة في بابل، حيث كانت تُحمل تماثيل الآلهة، ويُحتفل بالنظام الكوني الذي أسسه مردوخ.
اللوح السابع من النص يعدد أسماء مردوخ الخمسين، ويُمجّده باعتباره خالق الكون، ومنظم النجوم، والمتحكم بالمطر والخصب، وراعي الأرض والبشر.
خاتمة: تشكل الإينوما إيليش أكثر من مجرد أسطورة دينية؛ فهي انعكاس لتحولات سياسية وثقافية في بلاد الرافدين، وبيان رمزي لانتصار النظام الجديد (بابل) على الموروث القديم (سومر)، وتمجيد لفكرة التغيير المستمر، إذ تُستبدل الآلهة الساكنة القديمة بآلهة شابة ديناميكية تخلق الكون وتخلق الإنسان، وتكلفه بالحفاظ على هذا الخلق ضد قوى الفوضى الأزلية.
الرابط المختصر للمقال: https://bayanelm.com/?p=31068